يناقش هذا المقال الأوراق الثلاث التي قُدمت في الجلسة الثانية (الأول من يوليو ٢٠٢١) من مؤتمر: “بعد عشرة أعوام من الربيع العربي: إلى أين وصل قطار الإسلاميين في السياسة العربية؟” الذي عقده معهد السياسة والمجتمع بالأردن بالتعاون مع مؤسسة فريدريش البرت الألمانية، والتي عالجت حالة الإسلاميين في كلٍّ من لبنان وسوريا والأردن، ناظرةً إليهم من خلال وضعية المعارضة السياسية، وكأن الأنظمة الثلاثة نُظُمٌ سياسية طبيعية استقرت فيها ملامح الحكم، فبتنا إزاء معارضة يمكن أن تصل إلى السلطة يومًا ما في مواجهة من يحكم وبينهما تداول في السلطة. فنحن في لبنان أمام نظام بُني على الطائفية من أول يوم. وعلى الرغم من الطائفية التي تبدو على السطح في سوريا، فإنه لا يمكن فهم طبيعة الدولة فيها إلَّا من خلال مفهوم الدولة المتوحشة، كما صاغه مشيل سورا. أما الأردن، المنقسم بين أغلبية فلسطينية وأقلية أردنية، فلم يحسم طبيعة العلاقة بينهما، والتي اختطَّها الاستعمار على الخريطة دون مقومات حقيقية للدولة.

لقد التقط الباحثون الثلاثة -إبراهيم غرايبة، وعبد الرحمن الحاج، وشفيق شقير- هذا المأزق في السياسة العربية، وإن لم يستوقفهم طويلًا، ليعيدوا طرح المُشكِل من جديد من منظور علاقة الإسلاميين بالتخصيصية أو التوطين.

إن المشكل -من وجهة نظري- الذي سأحاول به إعادة قراءة الأوراق الثلاث هو: كيف يمكن دمج الإسلاميين في السياسة المحلية لأوطانهم؟ وهنا يحسن الإشارة إلى ملاحظتَيْن: الأولى أن ما نتحدَّث عنه هو المكون السياسي لا المكونات الأخرى من عملهم، دعوية كانت أو خيرية. والملاحظة الثانية هي علاقة الربيع العربي بطرح هذا المشكل، فقبله كان المطروح في هذا الحقل الدراسي هو كيف يمكن دمج الإسلاميين في المجال السياسي، والذي كان وقتها محكومًا بقواعد رسمتها الأنظمة العربية، ولكن بعد الربيع العربي وقد بتنا إزاء مجال سياسي مختلف ومتَّسع على مصراعيه يتحرك وفق فحوى الربيع العربي، أو ما أطلق عليه في كتابي الأخير سردية الربيع العربي، التي تتطلب من الحركات الإسلامية -كما عبَّر إبراهيم غرايبة- “قدرتها على إدارة إجماع وطني يُنشئ رواية إصلاحية وتنموية جديدة تتفق مع أهداف ومبررات الربيع العربي، ومدى التزامها بالحريات والديمقراطية، خاصةً الفردية والاجتماعية منها، وقدرتها على الإصلاح الاقتصادي”، ويفاقم الإشكال للإسلاميين أنهم ادعوا منذ لحظة التأسيس الأولى أنهم يملكون مشروعًا بديلًا للدولة والمجتمع بل والعالم، لكنه لم يكن مُحدَّد المعالم.

يقيم لنا عبد الرحمن الحاج التكلفة التي دفعها الشعب السوري لانتقال الحالة الإسلامية من الثورة إلى العنف المسلح ثم الخطاب الوطني، أو كما تتبعه باحثان آخران (باتريك هايني وجيرون ديرفون): “كيف أضحى الجهاد العالمي محليًّا مرة أخرى؟”. أما شفيق شقير في دراسته عن الجماعة الإسلامية اللبنانية، فيتتبع الخيط المتصاعد للجماعة للاندماج في الإطار الوطني المحلي منذ مشاركتها في الانتخابات البرلمانية عام ١٩٩٢، عبر ثلاث مراحل، ويستقصي إبراهيم غرايبة -في دراسته عن إخوان الأردن- بالتفصيل علاقة تيارات الجماعة المتعدِّدة بالسياسة المحلية، معطيًا اهتمامًا خاصًّا بـ”علاقة المجموعة القيادية بالسياق الوطني، وموقع البرنامج الوطني من أجندتها السياسية، ومقدار حرصها الحقيقي على الأمن والاستقرار بشكل عملي واقعي بعيدًا عن الشعارات”.

دعنا نجازف في هذه المقالة -عبر تفكيك الأوراق الثلاث وإعادة بنائها- بتقديم عددٍ من القواعد التي يمكن بها دمج الإسلاميين في السياسة المحلية لأوطانهم.

أولًا: القطيعة التنظيمية

 عرَّفت الحركات الإسلامية المتعددة -إخوانية وجهادية- نفسها باعتبارها حركات عبر وطنية، وقد تأثَّرت في ذلك بأبعاد نظرية وسياقات واقعية وأدوار قامت بها أو ألقت على كاهلها بحكم الجغرافيا السياسية.

أما الأبعاد النظرية، فهو مفهوم الأمة الاسلامية الذي يعتبر المسلمين كيانًا واحدًا بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية، ويفاقم الأمر عدم وجود فهمٍ عميقٍ لطبيعة الدولة القومية،كما نشأت في منطقتنا. كما يحسن أن نذكر أن أصل نشأة الإخوان قد جاء في مواجهة إلغاء الخلافة، ذلك الكيان السياسي النظامي الذي يجسِّد وحدة المسلمين، أما الحركات الجهادية فقد كانت بحكم التأسيس -في مواجهة الغزو السوفيتي لأفغانستان أواخر السبعينيات- ذات طبيعة عابرة للانتماء الوطني.

ونضيف أن دول ما بعد الاستقلال قد سعت إلى بناء أُطر للانتماء الوطني لم تكن موجودةً من قبل، باستثناء مصر والمغرب، وقد فاقم هذا الوضع بشكلٍ متصاعدٍ ضعف القومية العربية منذ أوائل السبعينيات، حتى بتنا إزاء تصدُّر للهموم الوطنية في حقبة الربيع العربي، أو بعبارة أخرى: فقد طرحت الانتفاضات العربية في العشرية الماضية إعادة صياغة العلاقة مع الانتماء العربي من منظور الانتماء الوطني.

يفسر لنا شفيق شقير (ص٥-٦) السمة الدعوية والإقليمية للجماعة الإسلامية في لبنان، التي يرجعها إلى سببَيْن: الأول الامتداد الفكري لحركة الإخوان في مصر التي تصف نفسها باعتبارها دعوة وليست حزبًا سياسيًّا فحسب، وتعرف نفسها بأنها حركة عالمية. أما السبب الثاني فهو نشأة الجماعة في السياق اللبناني، وطبيعة الجيل المؤسس الذين نشأوا جميعًا في جمعيات دعوية اعتادت أن تلعب أدوارًا سياسية محدودة تحتاج إليها الدعوة، كما أن هولاء المؤسسين لعبوا أدوارًا فكرية ودعوية وفقهية تتجاوز لبنان. وقد جعل ذلك لبنان “أشبه بذاكرة احتياط للحركة الإسلامية في بعض الفترات” (ص٦)، وقد ألقت الأحداث على الجماعة أدوارًا عبر وطنية، سواء فيما يخص إخوان سوريا أواخر السبعينيات أو القضية الفلسطينية.

وفي الأردن، نصَّ ميثاق تأسيس الإخوان عام ١٩٤٦ أنهم أحد فروع الجماعة الأم في مصر، ويضاف إلى ذلك العلاقة مع القضية الفلسطينية بعد ضم الضفة الغربية، التي تطورت بعد ذلك إلى طبيعة العلاقة مع حركة حماس، والتي تتأتى من وضعية الأردنيين من أصل فلسطيني داخل التنظيم، واستمرارًا لهذا المنزع كانت الجماعات الجهادية السلفية في سوريا امتدادًا لتنظيم القاعدة أو الدولة الإسلامية في العراق.

لعبت أزمة الربيع العربي والضغوط التي تعرض لها الإسلاميون في مجمل الإقليم، والتي بلغت ذروتها بالانقلاب على حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي في عام ٢٠١٣، وما تلا ذلك من تجريم الإخوان باعتبارها جماعة إرهابية في مصر والإمارات والسعودية، دفعت كل هذه العوامل الجماعات ذات الانتماء الإخواني إلى القطيعة التنظيمية مع التنظيم الأُم، وإن أبقت على الجذور الفكرية لهذا الانتماء.

أما الجولاني -زعيم هيئة تحرير الشام- وتحت ضغوط الوصم بالإرهاب، فقد قطع علاقته بالقاعدة عام ٢٠١٦، وأعلن إلغاء جبهة النصرة وتأسيس جبهة فتح الشام، ثم أسَّس هيئة تحرير الشام بديلًا عن الجبهة عام ٢٠١٧، مع تخفيف أيديولوجيا الجهادية السلفية.

وهكذا باتت القطيعة التنظيمية مع الإخوان أو تنظيمات الجهادية السلفية العالمية تتمُّ تحت ضغط مسألة الإرهاب، أو ضغوط السياسات المحلية أيضًا كما في تونس وليبيا، مما حال بينها وبين بناء تصوُّر لهذه العلاقات بعيدًا عن الخبرة التنظيمية السابقة التي جعلت من هذه التنظيمات العالمية كياناتٍ غامضةً ليس لها أُطر قانونية واضحة، ولم تتطور نحو أشكال جديدة، مثل خبرة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية على سبيل المثال أو أحزاب اليمين.

ثانيًا: طبيعة التنظيم

هل نحن بصدد بناء تنظيم عقائدي مغلق، معيار العضوية فيه هو الالتزام الديني والأخلاقي والشعائري كما يعرفه التنظيم، أم نحن بصدد بناء حركة جماهيرية تعبِّر عن قاعدة اجتماعية متَّسعة؟

أدرك إخوان سوريا مع الانتفاضة السورية مارس ٢٠١١ الحمولة التاريخية لتنظيمهم، فأنشأوا تنظيمًا جديدًا أكثر انفتاحًا للخروج من حمولة التركة الثقيلة لتاريخ الإخوان، وإيجاد ذراع عسكرية أكثر مرونةً وأكثر مدنيةً يمكن الاعتماد عليها لاحقًا، وتمثَّل ذلك في إنشاء حزب وعد (الحزب الوطني للعدالة والدستور) عام ٢٠١٣، إلَّا أن الحزب ظلَّ راكدًا لا يتمتَّع إلَّا بشعبية محدودة برغم مرور هذه السنين، حسب تقييم عبد الرحمن الحاج (ص٢٧). وتقدِّم لنا الخبرة السورية كيف تحوَّل تنظيم الدولة الإسلامية -مع إعلان الدولة عام ٢٠١٤- من عضوية أيديولوجية عقائدية مغلقة ومُقنَّنة وصارمة الشروط إلى عضوية مفتوحة لا يحتاج فيها إلى شروط معقَّدة، في محاولة لتجاوز إدارة الدولة بعقلية التنظيم.

كما قامت هيئة تحرير الشام -تحت ضغط الإدارة اليومية لشؤون الناس في إدلب- بتفويض السلطة في حكومة الإنقاذ لنخب مدنية باعتبارات عملية وليست أيديولوجية، نتيجةً لندرة الموارد، وهي وسيلة لدمج نخب أكثر تكنوقراطية، وإعادة دمج قطاعات من النخب الثورية الشابة أيضًا.

هكذا، تطلبت الحركة الجماهيرية التي فرضتها الانتفاضات العربية تأصيلًا سياسيًّا جديدًا للتنظيمات الجهادية، فهي حركات جماهيرية -في مقابل التنظيم- ولا يمكن فرض التبعية عليها، أي ضرورة التحرُّر من منطق الهيمنة على الجماهير.

يلفت نظرنا شفيق شقير (ص٢٢) -من خلال خبرة الجماعة الإسلامية اللبنانية- إلى أن طبيعة العضوية تفرض حدودًا على الدور الذي يمكن أن تلعبه حتى لو قبلت الاندماج في السياسة المحلية: “من الواضح إيلاء الجماعة أهميةً أكبر للعمل السياسي المحلي أكثر من ذي قبل، لكن قدرتها على إطلاق المبادرات بنفسها في هذا الصدد محدودة، والسبب وراء ذلك هو العضوية في الجماعة: فهي تمثّل فئة من شريحة متدينة في طائفة تعتمد نخبوية التجنيد، تلحظ الأخلاقي والدعوي والفكري فضلًا عن السياسي، وليس لديها خبرة وحرفة كحركة سياسية لتساعدها على المبادرة والتأثير السياسي النوعي”. ويبلور المشكل بالنسبة إليها في: قدرتها على تكوين مظلَّة خاصَّة للجماعة سياسيًّا أكثر اتساعًا، كما يلحظ شفيق شقير -بحقٍّ- كيف لعبت طبيعة الحراك عام ٢٠١٩ (ص١٤-١٥) دورًا في تجاوز الكوابح التربوية والفكرية للتنظيم الذي اتخذ فيه الحراك بُعدًا مطلبيًّا، وشكلًا مفتوحًا لمشاركة المجموعات الصغيرة في مجتمعها المحلي أو منطقتها، كما ساعدتها طبيعة الشرائح الاجتماعية الأفقر التي انخرطت في الحراك، وكذا المناطق الجغرافية التي كان معظمها سُنية في طرابلس وبيروت، ومما ساعدها أيضًا أن مركز الحراك جهويًّا وديموغرافيًّا كان سُنيًّا.

أما طبيعة إخوان الأردن -كما يرى إبراهيم غرايبة (ص١٢)- فهي جماعة سياسية ولكن بمحتوى ديني متطرف، وانفصالي عن المجتمع والدولة، وبأسلوب دعوي، ويضيف بُعدًا آخر يتعلَّق بسريَّة الجماعة التي لا تعلن نظامها الأساسي ولا أعضاءها ولا مواردها المالية.

ولا يمكن أن نترك هذه النقطة دون أن نشير إلى ثلاثة أمور: الأول أن أيَّ تأثير على الصعيد الوطني يتطلب صياغة تحالفاتٍ مع قوى أخرى ثورية أو عابرة للأيديولوجيات والطوائف. والثاني يخصُّ مسألة التصويب القانوني -كما أطلق غرايبة- أي توفيق الأوضاع القانونية للكيان التنظيمي وفق ما هو متعارف عليه في الدول، وقد تطرق إليه بالتفصيل في بحثه عن إخوان الأردن، ولكن يظل السؤال مطروحًا: ما هي الضمانات التي توفرها الدولة العربية لحماية هذه التكوينات القانونية في ظل العسف والعصف بها وبأعضائها وقدرتها على تغيير الصيغ القانونية القائمة باستمرار؟

وأخيرًا، فإن أحد المحددات المهمَّة لطبيعة التنظيم هي وضع النساء في هياكله، هل هم في قلبه أم على الهامش؟ ويرتبط بذلك إعادة تموضع قضايا النساء في الجدل العام من مداخل جديدة.

هذه النقطة لم تتطرق إليها الأوراق الثلاث -باستثناء ورقة شفيق شقير سريعًا- ربما اكتفاء بأن إحدى جلسات المؤتمر ستُخصَّص لهذا الموضوع. لكن وسريعًا أيضًا على أمل العودة إليه تفصيلًا، فإن حضور النساء الطاغي في الانتفاضات العربية وما طرحته من مفاهيم وممارسات يمكن أن تمثل مدخلًا لإعادة تموضع قضايا النساء في الجدل العام العربي، ليس من المدخل الثقافي الهوياتي الذي سيطر على مجمل هذا الجدل منذ الربع الأخير من القرن الماضي، ولكن من مدخل السياسات العامَّة الذي أدركناه مبكرًا في عام ٢٠١١ وعملنا عليه حتى دخولنا السجن أواخر عام ٢٠١٥.

ثالثًا: تخفيف النزعة الأيديولوجية

إن جوهر الانتفاضات العربية في جزء منه هو أنها كانت ذات طبيعة لا أيديولوجية تطرح سؤالي الحرية والمعاش والحياة اليومية الكريمة للناس، وهو ما يمثل مأزقًا لأية حركة سياسية تجعل المطالب الهوياتية في مركز اهتمامها. وهنا يبرز المشكل بشكلٍ أكثر وضوحًا، وهو مدى مطابقة خطابك السياسي وأولويات عملك للمسار العام، أي مسار الثورة/الانتفاضات، ويزداد التناقض بروزًا عندما تتولَّى الحكم، سواء على المستوى الوطني أو المحلي. فصيغة حكم هيئة تحرير الشام في إدلب قامت على: تخلٍّ عن الأيديولوجيا، وتفويض السلطة، وتعهيد الخدمات والإدارة، وتكوين أو السماح بتحالفٍ وطنيٍّ متَّسعٍ من المكونات الداخلية، مع عدم التدخل في الإدارة اليومية أو ما يطلق عليه سياسة أو سلطة ذات طبيعة نيوليبرالية (باتريك وجيرون، ص١٧).

تدلنا خبرة هيئة تحرير الشام في تجاوز أيديولوجية السلفية الجهادية، نتيجة الاندماج المتصاعد في الحوكمة المحلية، أي إدارة شؤون الناس اليومية، تدلنا هذه الخبرة على ما سبق أن تناولناه بالتفصيل في دراساتٍ سابقة أننا في الحركات الإسلامية بإزاء وعاء أيديولوجي بلا مضمونٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ محدَّد، ويمكن تجاوزه بسهولة حال الاحتكاك بمعضلات الحكم ومشكلات الواقع.

إن السياسة في الجماعة الإسلامية اللبنانية ليست متجذرةً بوصفها ممارسةً في إطار الدولة ولتحقيق برامج وطنية (شقير، ص٧)، ولكنها كلما انخرطت في الإطار الوطني اللبناني أصبحت أقرب لتعريفها السياسي من الدعوي، وقد خطت الجماعة بشكل متصاعد -منذ مشاركتها في الانتخابات البرلمانية عام ١٩٩٢ وفوزها بثلاثة مقاعد- للاندماج في السياسة الوطنية المحلية عبر ثلاث مراحل يرصدها شفيق شقير بالتفصيل، وقد انتهى ذلك بالجماعة إلى أن: “تعتنق أفكار بناء الدولة والاستقلال، والتمييز في استخدام السلاح بين الداخل وهو مرفوض، وبين سلاح يُستخدم ضد العدو الصهيوني وهو سلاح المقاومة الذي يجب أن ينسجم مع استراتيجية الدولة وتحت سقفها” (شقير، ص١١).

أما المعضلة في إخوان الأردن -وهي تشبه إخوان مصر إلى حدٍّ كبير- فهي تجاور الأيديولوجيات المتناقضة داخل التنظيم الواحد مع امتلاك قدرة على التعايش مع بعضها البعض، لما تمثله كل منها للأخرى من مصالح وأدوار متبادلة، فبجوار أفكار سيد قطب ونظرته الحديَّة للدولة والمجتمع نجد تيارًا يرغب في الاندماج في السياسة المحلية، وفاقم الوضع في الأردن انقسام آخر حول العلاقة بحركة حماس. إن هذه الأيديولوجيات المتناقضة سرعان ما تؤدي إلى الانقسام في اللحظات التاريخية المفصلية كما جرى في الربيع العربي، خاصةً بعد الانقلاب على حكم الإخوان عام ٢٠١٣، وفي أحيان أخرى تحولُ دون التعاطي بإيجابية مع مبادرات سياسية فارقة كما جرى من رفض إخوان الأردن بشكلٍ دائمٍ للمشاركة في الحكم أو دعم مبادرة الملكية الدستورية فيه، وقد انتهت هذه الحالة إلى انعدامٍ للثقة في التنظيم من قِبَل السلطة برغم ما كان بينهما من تحالفٍ تاريخيٍّ امتدَّ لعقود.

رابعًا: إنتاج النُّخب وطبيعة القيادة

تقدِّم هيئة تحرير الشام خبرةً مهمةً في هذا الصدد، فقد قامت بتفويض السلطة في حكومة الإنقاذ لنخب مدنية لاعتبارات عملية وليست أيديولوجية، نتيجةً لندرة الموارد، وهي وسيلة لدمج نخب أكثر تكنوقراطية، بالإضافة إلى دمج النخب الثورية الشابة.

يقدِّم لنا باتريك وجيرون كيف تمَّ جعل مسار هيئة تحرير الشام مطابقًا للمسار العام/السردية الأساسية للثورة عبر مساراتٍ خمسة يهمُّنا منها هنا: تهميش المسلحين الأجانب، والانفتاح على الفصائل الثورية. لكنهما لا يشيران بالتفصيل إلى دور الجولاني في إحداث هذا التحوُّل. ويلاحظ بوجه عام أن الحركات المسلحة الإسلامية في سوريا قد أظهرت ميلًا مبكرًا نحو المحلية، ويرجع ذلك إلى كون أعضائها وقياداتها سوريين ومشكلتهم مع النظام كبقية السوريين.

ويلفت شقير النظرَ في دراسته (ص٢٦) إلى تحولٍ مهمٍّ في التركيبة القيادية للجماعة الإسلامية في لبنان، فهي تكاد تخلو الآن من الفقهاء والمفكرين أو حتى الدعاة على الصعيد العربي والإسلامي، كما كان الحال إبَّان الجيل المؤسس، وهي تكاد تكون أغنى بالناشطين، وربما تكون هذه سمة عامَّة في المستقبل في المشرق العربي، كما يرى شقير.

أما التجربة الأردنية، فيتضح -مع إبراهيم غرايبة- أن التركيبة القيادية للإخوان منقسمة على نفسها، ولم تستطع حتى الآن أن تحسم هذا الانقسام لصالح توجُّه محدَّد في ظل مصالح متبادلة بين أطراف هذا الانقسام وحضور السلطة بقوة في هذا المشهد. فقد “أصبحت العلاقة بين الإخوان والسلطة السياسية وبين تيارات الإخوان الداخلية في حاجة إلى إعادة فهم وتفكيك: العلاقة القائمة بين السلطة التنفيذية في الأردن وجماعة الإخوان المسلمين، وعلاقتها بالمجموعات الإصلاحية التي شكَّلت هيئات ومؤسسات اجتماعية مستقلة عن الإخوان، ثم العلاقة بين الإخوان والمبادرات الجديدة وما تتضمَّنه من ظروف تُجبر الأطراف الثلاثة على العمل والبقاء معًا برغم اتساع الهوَّة وتناميها بين أطراف المثلث، أو القيام بمراجعة استراتيجية لهذه العلاقة والرواية المنشئة لها … إنها أطراف مثل توائم سيامية ترغب بالانفصال عن بعضها، ولكنها لا تستطيع أو تحتاج إلى عملية جراحية معقدة” (غرايبة، ص٢٢).

وأخيرًا، فإن حضور الشباب في نخبة القيادة مسألة ضرورية، فقد أبرز الربيع العربي تطلُّعاتهم بشكل عام، وقد أثبت الحراك في لبنان (شقير، ص٢٣) لدى شباب الجماعة الإسلامية وجود طاقة كامنة وتطلُّع لأدوار أوسع للخروج من الإطار التنظيمي الضيق، وأظن أن هذه الملاحظة يمكن تعميمها على الفصائل الإسلامية في البلدان الأخرى.

خامسًا: من الطائفية للمشروع الوطني

أتفهم السياقات التي تزيد المنزع الطائفي داخل الحركات الإسلامية المختلفة، بالإضافة إلى ما قد يحمله المشروع ذاته وفق القراءة المقدمة للإسلام من مكون طائفيّ، لكن السؤال الأساسي: هل يجب أن نقاوم الطائفية المتصاعدة من على أرضية طائفية مقابلة، أم يمكن أن يجري ذلك على أرضية المشروع الوطني الجامع؟ أظنه سؤال المستقبل الجوهري لمجمل مكونات الطيف السياسي في المنطقة، وفي مقدمتها الحركات الإسلامية المتعدِّدة.

يقدِّم لنا كلٌّ من باتريك وجيرون أربعة أسباب وراء سيادة المنطق العقائدي للسلفية الجهادية، وهي: غياب الفضاء السياسي، والتطرف المذهبي الطائفي في سوريا والعراق، والاستقطاب بسبب الهوية، وأخيرًا التنافس على الأعضاء والأتباع.

ويرى عبد الرحمن الحاج (ص٣) ميلًا جوهريًّا عند إسلاميي سوريا للنظرة الطائفية في السياسة، وهي ناشئة عندهم من وجود الدين في قلب الأيديولوجيا السياسية التي يعتنقونها، بالإضافة إلى الوجه الطائفي للنظام السوري، وأخيرًا بروز صراع الهوية (إسلامي/علماني) بين القوى السياسية المختلفة.

وينتهي الحاج (ص٢٦) في بحثه -دون أن يوضح كيف تحققت هذه النتيجة- إلى انتقال كل الفصائل في نهاية عام ٢٠٢٠ -حتى تلك التي كانت تتبنَّى خطابًا إسلاميًّا تقليديًّا- إلى خطاب وطني تحت مظلة الجيش الحر، وانتهت كل الفصائل الإسلامية ولم يبق غير فيلق الشام، ولم يعُد للجهادية السلفية وجود على الأراضي السورية باستثناء خلايا محدودة لمقاتلين أجانب تتبع تنظيم القاعدة.

أما الجماعة الإسلامية في لبنان، فقد سعت إلى صياغة أهداف ومطالب الحراك عام ٢٠١٩ من على أرضية غير طائفية، لكن شفيق شقير (ص٢٨) يلفت النظر إلى دورٍ مهمٍّ للجماعة (ويمكن أن يلعبه إسلاميون آخرون) كقوة مراجعة في الإقليم. فهي جزء من القوى المحلية الساعية إلى التغيير بعد اندماجها في الحراك، وما زالت تلعب دورًا في مواجهة الطائفية والمذهبية كما تبدو من المحور الإيراني.

ويضيف: “هناك حوار أكثر صخبًا نسبيًّا يدور حول عجز الجماعة عن التأثير في الشأن السياسي اللبناني، ويبدو كأنه جزء من عموم النقاش في داخل الطائفة السُّنية أكثر مما يختصُّ بالجماعة نفسها، لكنه يتحوَّل إلى تذمُّر من طبيعة الجماعة التنظيمية وعدم تجديد أساليب العمل فيها، وعدم اتضاح وظيفتها السياسية في لبنان وربما المنطقة. وهذا بحدِّ ذاته ينبئ بتوقٍ عامٍّ في الجماعة لتكون قوةً مؤثرةً متعدِّدة المهام لمواجهة الوضع القائم بكل ما يختزنه من قوى سلطة وطائفية وحماية الهوية، وهو الأعلى صوتًا، والأكثر افتقارًا للرؤى والأدوات” (ص٢٧).

وفي الأردن، يلفت إبراهيم غرايبة نظرنا إلى ثلاث معضلات تحدُّ من قدرة الإخوان على الإسهام في صياغة المشروع الوطني: أحدها أشرنا إليه سابقًا، وهو علاقة المجموعة القيادية بالسياق الوطني، وموقع البرنامج الوطني من أجندتها السياسية. والثاني هو المكون الفكري الذي يعزل الجماعة عن محيطها الوطني، والذي يتأتى من تأثُّر تيار داخل التنظيم بأفكار سيد قطب، بما جعلها جماعة سياسية بامتياز ولكن بمحتوى فكري ديني متطرف وانفصالي عن المجتمع والدولة وبأسلوب دعوي (ص١٢). وأخيرًا العلاقة مع الشارع الفلسطيني في الأردن وفي القلب منه العلاقة مع حركة حماس.

ويوضِّح لنا غرايبة كيف تبدت هذه المعضلات جميعًا: “وأخيرًا، فقد عجزت جماعة الإخوان المسلمين واقعيًّا وعمليًّا عن تقديم برامج وأفكار تساعد الدولة والمجتمعات في الإصلاح والتنمية، وتجيب عن القضايا الأساسية التي تمثل المطالب والأولويات للمجتمعات والناس في معظم فئاتهم وطبقاتهم، وهي باختصار وبساطة متعلِّقة بالتنمية الاقتصادية وتحسين الحياة ومواجهة الفقر والبطالة، وتطوير المشاركة العامة وتحقيق الرضا والتكامل الاجتماعي” (ص١٤-١٥).

سادسًا: إدراك اللعبة الجيواستراتيجية الدولية والإقليمية وموقعك منها

فقد اندمجت هيئة تحرير الشام في مكونات وتحالفات هذه اللعبة من خلال التقرُّب من المعسكر التركي الغربي ضد المعسكر الإيراني الروسي، كما تموضعت في الحملة الدولية للحرب على الإرهاب، وتطرح خبرة كل من لبنان والأردن علاقة المشروع بالسياقات الإقليمية لكلا البلدين. لكن السؤال: هل يتمُّ إدراك هذا الدور من مدخل دعوي أم من مدخل سياسي وطني؟ فلا تناقض بالطبع بين الوطني والإقليمي والدولي، ولكن المدخل يرسم طبيعة هذا الدور وحدوده. فشفيق شقير يلفت نظرنا من خلال خبرة الجماعة الإسلامية اللبنانية إلى أنه كلما انخرطت في الإقليمي زاد الدعوي على حساب السياسي، والعكس بالعكس أيضًا. وقد تشكل وعيها السياسي تاريخيًّا بتقدُّم الإقليمي على المحلي؛ لأنه أسهل وأقرب لفهم الجماعة.

لقد أنتج الربيع العربي في موجتيه ظاهرةً بالغة الأهمية، وهي وضعية الإسلام في صراع المحاور الإقليمية الثلاثة أو التي كانت ثلاثة (الإيراني، والتركي القطري، والإماراتي السعودي الذي باتت مصر جزءًا منه وتعيد تموضعها الآن مرة أخرى)، والتي زادها الربيع العربي بروزًا. إن أطراف هذه المحاور من دول وجماعات منخرطون في صراعٍ دينيٍّ عميقٍ على القوة الناعمة من أجل التأثير والهيمنة الجيوسياسية: قطر بنسختها الأقل صرامةً من الوهابية وميلها إلى الإسلام السياسي. وسعودية ابن سلمان المرتبكة التي تحاول خلع عباءة الوهابية نحو مفهوم غامض للإسلام المعتدل، تحافظ فيه على المكون الوهابي في الطاعة المطلقة لولي الأمر. والإمارات التي تستعير من الوهابية المكونَ نفسَه مع معالجة حوافها الخشنة، لكن جوهر مشروعها ضد الثورة مع معاداة صارمة للإسلام السياسي باعتباره قوة تغييرٍ للأنظمة السياسية العربية. وإيران التي وظَّفت التشيع واستخدمت الوكلاء لتقرن القوة الصلبة بالناعمة لفرض هيمنتها الإقليمية.

إن الملمح العام في هذا الصراع الذي تقوده القوى الإقليمية في المنطقة العربية وما يحيط بها هو أنه يدور على إسلام: ١- منزوع الديمقراطية، ٢- مندمج في السوق وذي طبعة نيوليبرالية، ٣- وممتزج بالعنف لأنه يقرن القوة الناعمة بالصلبة، ٤- وبالرغم من أنه يقدم نفسه للعالم باعتباره منفتحًا متسامحًا، ٥- ويلعب دورًا في مناهضة التطرف العنيف، ٦- فإنه في الوقت نفسِه لا ينظر لحال شعوبه.

إن المعركة الرئيسة للقوة الناعمة الإسلامية الدينية، التي تضع المملكة العربية السعودية وإيران والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا ضد بعضها البعض، تدور إلى حدٍّ كبيرٍ حول تعزيز النفوذ العالمي والإقليمي للدول (ومصر للأسف غائبة وقدراتها موظَّفة لصالح بعض قوى الصراع). إن هذه المعركة لا علاقة لها بتطبيق مفاهيم «الإسلام المعتدل» من الناحية النظرية أو العملية برغم ادعاءات المنافسين المختلفين، ومعظمهم دول استبدادية قليلة الاهتمام بحقوق الإنسان والأقليات أو الحريات الأساسية.

هذه الخصائص الست إذا أُضيف إليها المكون القومي، كما في تجربتي إيران وتركيا، والمكون المعادي للثورة/التغيير كما في النموذج الإماراتي والسعودي والمصري، والمكون الطائفي/المذهبي كما ظهر في الصراع السعودي الإيراني؛ نكون بإزاء خضوع الديني لسلطة الدولة مع انتفاء لأي مجال ديني تعدُّدي حُر على المستوى الوطني، ومستقل عن التحالفات الإقليمية، مع دمجه في شبكات المحسوبية الاستبدادية والزبائنية، والأهم أنه سيظل يتَّسم بالعنف لعجز هذه المحاور جميعًا عن بناء نظامٍ للأمن الجماعي يحكم المنطقة وقادر على إدارة الصراعات فيما بينها بشكل سلميّ.

وتقوم هذه الرؤية على ضرورة وجود مجال ديني تعدُّدي حُر يتحقَّق الإجماع فيه من الاتفاق على قيم المجال السياسي، كما في التجربة الماليزية، وليس عبر هيمنة الدولة على هذا المجال كما يطرح إبراهيم غرايبة في ورقته.

ويبقى التساؤل مطروحًا: هل يمكن لروح الإسلام أن تكون مكونًا لتحرُّر شعوب المنطقة، ودافعًا لنضالاتها واحتجاجاتها المتنوِّعة التي أخذت طابع الموجات التي تتصاعد تارةً وتخبو تارةً أخرى، ومن المتوقع أن تستمرَّ العشرية القادمة، ويعرب المتظاهرون فيها عن غضبهم من: وحشية الشرطة، والفساد، ورأسمالية المحاسيب، وغطرسة من هم في السلطة، والتلاعب بالسياسة، وضعف المؤسسات السياسية عن تمثيل الناس، وتهميشهم الجماعي، وتفاقم التفاوتات في الثروة والدَّخْل والفرص… تطول القائمة، ولكن ما يجمعها عالميًّا هو الطلب على الكرامة والعدالة والحرية، فالحركات الاحتجاجية على مدار العقدين الماضيين في جوهرها تطالب بأن يحكمنا سلطة معيارية أفضل وأكثر وعدًا بالكرامة والعدالة والتحرُّر الإنساني.

فهل يمكن لروح الإسلام أن تكون جزءًا من هذه الحركة التي ستستمر وتتصاعد ما دامت أسبابها قائمة، أم كُتب عليها الاختطاف من قِبَل قوى رسمية وغير رسمية، دولية وإقليمية ووطنية، تسعى إلى تحقيق الهيمنة دون اعتبار للبشر والمواطنين العاديين؟ أو كما أوضح عبد الرحمن الحاج في نهاية مقاله: “إن الموقف من الثورة هو معيار الموقف الديني الصحيح”. ولقد فتحت الانتفاضات العربية مسألة علاقة الدين بالاستبداد على نطاق واسع، وهذا بحقٍّ سؤال شبابي يفتح الباب لمراجعاتٍ ونظرٍ مستقبليّ.