مع مغادرة آخر جندي أمريكي أفغانستان في 30 أغسطس/ آب، شهد العالم واحدةً من أحدث مشكلات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. حيث فشلت محاولة الولايات المتحدة لبناء دولة ديمقراطية وليبرالية وفقًا لتصورها الخاص. وأعلن الرئيس جو بايدن بعد الانسحاب من أفغانستان أن المهمَّة الأمريكية في أفغانستان لم تكن لنشر الديمقراطية أو النظام الليبرالي في البلاد، بل لمحاربة الإرهاب. إن تقليل الرئيس بايدن من أهمية التدخُّل المبني على القيم في أفغانستان ليس سوى أحدث دليلٍ على تضاؤل ​​سياسة التدخل الليبرالي الأمريكية، وعلامة واضحة على تراجع الهيمنة الليبرالية. ومع ذلك، فإن هذا التراجع لا يعني انهيار النظام الليبرالي العالمي المبني على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتجارة الحرة والاعتماد المتبادل. حيث سيبقى النظام الليبرالي يعمل بوصفه إطارًا أساسيًّا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن صنَّاع القرار في واشنطن انتقلوا من سياسات التدخُّل الليبرالي (على سبيل المثال، استبدال الأنظمة غير الليبرالية بحكومات ديمقراطية تتبنَّى مبادئ ليبرالية وتحترم حقوق الإنسان) إلى سياسة خارجية واقعية، لا سيما استجابةً للتحدي الذي تفرضه القوى الصاعدة، مثل الصين وروسيا. وسينعكس هذا التحوُّل الجديد في المنظور في السياسة الدولية على ثلاثة مجالات مترابطة ومتشابكة: توازن القوى، وسباق التسلُّح، وإعادة صياغة التحالفات، والتي يمكن اعتبارها المبادئ الأساسية للواقعية.

النظام الليبرالي في السياسة العالمية

يمكن القول إن أولَ نسخة حديثة من النظام الليبرالي المبنية على القيم قد ظهرت في أوروبا بعد حروب نابليون. كما عكس الوفاق الأوروبي المزعوم بعض المبادئ التأسيسية للنظام الليبرالي، حيث سعى المتنافسون إلى الحفاظ على الاستقرار العام من خلال الإجماع والاجتماع على أرضية مشتركة من القيم المتبادلة. وكما قال كيسنجر، لم يكن هناك توازن مادي فحسب، بل توازن أخلاقي أيضًا. حيث كانت السلطة والعدالة في وئامٍ مستدامٍ، وكانت النتيجة المباشرة لهذا التحوُّل انخفاضًا واضحًا في استخدام القوة1.

نجح تحالف أوروبا في حفظ السلام في أوروبا لما يقارب المئة عام. وإلى جانب بعض الحروب الصغيرة، مثل حرب القرم، لم تندلع حرب كبرى بين القوى العظمى في أوروبا خلال ذلك الوقت، إلى غاية الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك، سرعان ما وُلِدت المرحلة الثانية من النظام الليبرالي الدولي تحت رماد الحرب.

استنفدت الحرب العالمية الأولى أوروبا، وسرعان ما ستغمرها قريبًا قوة جديدة من خارج المحيطات، وهي الولايات المتحدة الأمريكية. فقد سافر الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عبر المحيط الأطلسي حاملًا معه رؤية لنظام ليبرالي جديد تحتلُّ فيه حقوق الإنسان والمؤسسات الديمقراطية موقعًا محوريًّا. وكان ويلسون يعتقد أن توازن القوى وسباق التسلُّح المتأصل في النظام الدولي الأوروبي الصُّنع قد جعل الحرب أمرًا لا مفرَّ منه. ولمعالجة ذلك، اقترح بناء نظام تقبل الدول بموجبه قيودًا قانونية واجبة التنفيذ على تحركاتها المحلية والدولية.

وقد أدى هذا إلى ولادة عصبة الأُمم في معاهدة فرساي، التي أراد ويلسون أن تكون منظمةً تسعى فيها القوى إلى حلِّ نزاعاتها من خلال الإجماع. ومع ذلك، فإن الرجل الذي يقوده حلمٌ طوباويٌّ لإقامة نظام ليبرالي سلميّ سيموت في نهاية المطاف حزينًا بعد أن فشل في إقناع زملائه الأمريكيين بالتخلي عن الانعزالية والتصديق على معاهدة فرساي للسماح للولايات المتحدة بأن تصبح عضوًا في العصبة.

وعلى الرغم من ذلك، فمع وصول فرانكلين دي روزفلت إلى السلطة ونهاية الحرب العالمية الثانية الكارثية، تمكَّن نظام ويلسون العالمي أخيرًا من صياغة المبادئ التي وجَّهت العلاقات الدولية منذ ذلك الحين. وقد تردَّد صدى هذا الأمر في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتمَّ تنفيذه وفقًا للقواعد التي وضعتها مؤسسات مثل: الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، ومنظمة التجارة العالمية. ويستند النظام الليبرالي إلى مبدأ مفاده أن الدول لا بدَّ أن تسعى إلى تحقيق مصالحها من خلال التعاون والمساعدة المتبادلة.

يعتقد الفلاسفة الليبراليون أن نشر القيم الديمقراطية والمبادئ الليبرالية -مثل الحرية والتعاون والترابط وحقوق الإنسان ونظام التجارة الحرة- من شأنه أن يحوِّل النظام الدولي إلى مجتمعٍ دوليٍّ، حيث تخضع الدول لقوانين مُلزِمة تتجاوز حدود السلطة الوطنية، بالإضافة إلى التفاوضية بوصفها مرجعًا لمعالجة نزاعاتها.

عززت الحرب الباردة -التي اندلعت مباشرةً بعد الحرب العالمية الثانية- الحاجةَ إلى تعزيز النظام الليبرالي وتوسيعه. وقد حدَّد ما يُسمَّى بسياسة الاحتواء السياسةَ الخارجية للولايات المتحدة خلال حقبة الحرب الباردة بأكملها، وكانت تهدف إلى تطويق الاتحاد السوفيتي ومحاربة الشيوعية، أو “إمبراطورية الشر”، كما وصفها الرئيس رونالد ريغان، وتطلبت سياسة استباقية من الديمقراطيات الليبرالية الرائدة في العالم للعمل معًا والحفاظ على نظامٍ حُرٍّ ومنفتحٍ مع تعاون متعدِّد الأطراف قائم على التحالفات.

الهيمنة الليبرالية

وصِفت نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي بأنها لحظة ليبرالية، لحظة نهاية التاريخ عندما انتصرت القيم الليبرالية والديمقراطية على الشمولية. كما ستعمل كلٌّ من إدارتي جورج دبليو بوش وبيل كلينتون على خلق “نظام جديد”، نظام يسوده تقرير المصير، وسيادة القانون بين البلدان وداخلها، والاقتصاد الليبرالي، وحماية حقوق الإنسان. وقد تحوَّل النظام العالمي إلى نظامٍ أحادي القطب تهيمن عليه قوةٌ ليبرالية عُظمى واحدة فقط. ولأول مرة في التاريخ الحديث، تمتَّعت الولايات المتحدة بحرية تشكيل العالم في ظل القيم الليبرالية. خلال ذلك الوقت، كانت روسيا أضعفَ من أن تتحدى الموجة الليبرالية الجديدة، وكانت الصين لا تزال تشقُّ طريقها للخروج من أزمة مجاعة ماو العظمى. وكانت هذه هي لحظة “الهيمنة الليبرالية”، حيث اتخذت النخبة في واشنطن الهيمنة الليبرالية بوصفها استراتيجية طموحة لتحويل أكبر عددٍ ممكنٍ من البلدان إلى ديمقراطيات ليبرالية، بالإضافة إلى تعزيز اقتصاد دولي مفتوح وبناء مؤسساتٍ دولية هائلة. وفي جوهرها، سعت الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل العالم حسب تصورها الخاص.

على غرار خطة مارشال الطموحة التي تمَّت صياغتها لإنقاذ أوروبا الغربية من الوقوع في براثن الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، سارعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على حدٍّ سواء للتوسُّع نحو الشرق وجلب دول أوروبا الشرقية -التي كانت في السابق مقاطعات سوفيتية- إلى حيز النفوذ الغربي. ليس هذا فحسب، بل إن الولايات المتحدة سارعت إلى توسيع مظلة حلَّف شمال الأطلنطي (الناتو) لتشمل العديد من البلدان، مثل بولندا، التي كانت تخضع في السابق للمدار الشيوعي. وقد أثارت هذه التحركات غضب روسيا، التي اكتسبت الثقة للرد عندما تولَّى فلاديمير بوتين السلطة. وبمرور الوقت، أدت هذه السياسة إلى اندلاع الأزمة الأوكرانية، التي راح ضحيتها المئات من القتلى والمفقودين، ووضعت أمن واستقرار أوروبا بالكامل على المحكّ.

بشكل عام، كانت المبادئ الليبرالية وإرساء الديمقراطية هي القوة الدافعة وراء هذه السياسة. فمنذ أن اكتسبت بعض الأفكار -مثل “السلام الديمقراطي”- أهمية كبيرة، اعتقدت النُّخب السياسية أن السبيل الوحيد للحفاظ على أمن الغرب واستقراره يأتي من خلال نشر مبدأ حقوق الإنسان والمعايير الليبرالية. وقد استند هذا الاعتقاد إلى “نظرية السلام الديمقراطي”، وهي الاعتقاد بأن الدول الديمقراطية والليبرالية لا تحارب بعضها بعضًا، بل تتعايش وتحلُّ نزاعاتها بشكلٍ سلميّ.

استخدمت الولايات المتحدة الكليشيهات الليبرالية نفسَها لتبرير شنِّ حربيها على أفغانستان والعراق. وعلى الرغم من أن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول هزت كبرياء الولايات المتحدة وكرامتها وأطلقت العنان لانتقامها، فإن السياسة الخارجية القائمة على الليبرالية ما زالت تغلب على خطابها. وكان السرد الرئيس الذي استُخدم لتبرير الغزو هو تحرير الشعبَيْن الأفغاني والعراقي من القبضة الحديدية للطغاة والإسلاميين المتطرفين على غرار صدام حسين. ومع ذلك، يمكن القول إن حرب العراق كانت المسمار الأول في نعش الهيمنة الليبرالية. فقد دمَّر نهج إدارة بوش “معنا أو ضدنا” التعدُّدية التي بنتها الولايات المتحدة على مدى عقود، وجعلها على خلافٍ مع بعض أقرب حلفائها، مثل فرنسا وألمانيا، اللتين رفضتا الحرب.

السياسة الخارجية للولايات المتحدة: الخروج عن التدخُّل الليبرالي

بالإضافة إلى حرب العراق عام 2003، أسهمت عدَّة عوامل أخرى في تراجع الهيمنة الليبرالية. حيث إن صعود بلدان أخرى غير ليبرالية على المسرح الدولي، مثل الصين وروسيا، والنجاحات الملحوظة التي حقَّقتها في كلٍّ من الاقتصاد والسياسة، وظهور الإرهاب العالمي، وانتشار الأزمات العابرة للحدود الوطنية، مثل الأزمة المالية العالمية في عام 2008 ووباء فيروس كورونا، كلها عوامل أسهمت في ذلك. هذا فضلًا عن الصعود العالمي للشعوبية؛ ولذلك لم يكن فوز دونالد ترامب في انتخابات عام 2016 وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) سوى بعض أبرز مظاهره. وغني عن القول أن السياسة العليا في أجندة الشعبويين كانت بناء الجدران وتشجيع الانعزالية والحمائية، وخرق التقاليد السياسية الليبرالية في بلادهم.

وعلاوة على ذلك، ينعكس عيب النظام الليبرالي في فشل الدول الليبرالية في التنسيق والتعاون في معالجة بعض الأزمات العالمية الشديدة مثل الاحتباس الحراري، أو نتائج التطور التكنولوجي المتقدِّم مثل حملات التضليل الإعلامي والأخبار المزيفة. لكن الأمر الأكثر إثارةً للصدمة هو أن تلك الأنظمة الليبرالية قد فشلت في دعم عملية التحوُّل الديمقراطي الجديدة في دول العالم الثالث مثل مصر وتونس بعد الثورات العربية. فعلى سبيل المثال، اعترفت معظم القوى الليبرالية الغربية بالانقلاب العسكري في مصر عام 2013 ضد رئيس منتخب انتخابًا حرًّا وعادلًا؛ وفي نفاقٍ مطلقٍ، أعطت الأولوية لأمنها على المبادئ الليبرالية.

كان هذا التراجع في الهيمنة الليبرالية واضحًا في سياسة باراك أوباما “القيادة من الخلف”، والانعزالية الوطنية لترامب، وسحب بلاده من العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، مثل خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) بشأن برنامج إيران النووي أو اتفاقية باريس في مكافحة تغيُّر المناخ.

يمكن للمرء أيضًا أن يفهم رحيل الولايات المتحدة الأخير من أفغانستان في السياق نفسِه الذي كان بمثابة الدليل الأخير على انحدار الهيمنة الليبرالية، وأن الليبرالية قد تحتلُّ قريبًا المرتبة الثانية في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. ولم تذكر ملاحظات الرئيس بايدن التي بلغ عددها ثلاثة آلاف كلمة حول نهاية الحرب في أفغانستان أيَّ إشارة إلى الليبرالية أو الديمقراطية أو أيَّ كلمات أخرى ذات صلة. وكما ذكر بايدن مرارًا وتكرارًا في خطاباته الأخيرة، لم يكن لدى الولايات المتحدة سوى سبب وجيه واحد لاستخدام القوة: “إلقاء القبض على الإرهابيين الذين هاجمونا في 11 سبتمبر”، و”إضعاف التهديد الإرهابي لمنع أفغانستان من أن تصبح قاعدةً يمكن مواصلة الهجمات ضد الولايات المتحدة من خلالها”. وبمجرَّد تحقيق هذا الهدف، لم يكن لدى الولايات المتحدة أيُّ مصلحة في شنِّ حرب جديدة. لقد كان على “الشعب الأفغاني وحده تقرير مستقبله”، بما في ذلك ما إذا كان سيعيش في ظلِّ ديمقراطية على النمط الغربي أو تحت حكم حركة طالبان.

وعلاوة على ذلك، يشير خطاب بايدن إلى الافتراضات الأساسية التي ستشمل المجالات الثلاثة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة في المستقبل المتوسط الأجل. أولًا: سوف تتخلَّى الولايات المتحدة عن القيم باعتبارها قوة دافعة لسياستها الخارجية. ثانيًا: ستتخلَّى تمامًا عن العمليات العسكرية البرية في مكافحة الإرهاب، بدلًا من إطلاق عمليات عسكرية شبيهة بالجراحة تشنُّها طائرات قتل بدون طيار متطورة. وأخيرًا: سوف تعيد نشر قواتها لمواجهة التهديد الحيوي الذي تفرضه الصين، وروسيا إلى حدٍّ ما. وفي خطابه، أقرَّ بايدن بالتغيرات المستمرة التي يشهدها العالم، حيث تشارك الولايات المتحدة في منافسة جادَّة مع الصين، وتتعامل مع التحديات على جبهات متعدِّدة مع روسيا، وتتصدى للهجمات الإلكترونية والانتشار النووي.

نظام الهيمنة بعد الليبرالية

قد تكون هذه الافتراضات بمثابة قاعدة جديدة للنظام الدولي المنظور، حيث تكون القوة المجردة والاعتبار الاستراتيجي محور المنافسة العالمية بين القوى العظمى بدلًا من القيم أو المبادئ. وإذا تحقَّق ذلك، فإن هذه الفرضية تعني أن الليبرالية سوف تخضع للواقعية.

ومع ذلك، فإن النظام العالمي الواقعي لا يتطلَّب حتميَّة الصراع والحرب بين القوى العظمى. في الواقع، انتهت الحرب الباردة دون نشوب حربٍ مباشرةٍ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. والنقطة المهمَّة هنا هي أن دوافع النظام العالمي الجديد لن تدور حول الحروب. وبعبارة أخرى: في حين أن الحروب ستظلُّ بمثابة الكيان لأيِّ نظام عالمي، فإن الشيء الذي سيكون مختلفًا هو الطريقة التي تنظر بها القوى العظمى إلى الحروب. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة على الأقل، فإن الحروب لن تدور حول تغيير الأنظمة أو فرض الديمقراطية بالقوة، بل حول حرمان القوى الصاعدة من فرصة تحدي قيادتها العالمية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ستبقى القوة العظمى الليبرالية الرائدة، فلن تكون الحوافز الليبرالية هي التي تحفز تحركاتها على الأرض أو استعراض قوتها.

وبصفة عامَّة، لا يزال من المبكِّر جدًّا رسمُ أي حدود واضحة للنظام العالمي الجديد. كما حذَّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بخصوص المنافسة بين الصين والولايات المتحدة قائلًا إن “إمكانية التنبؤ بها أقلُّ بكثيرٍ من الحرب الباردة”. وأحد أسباب عدم القدرة على التنبؤ بالمنافسة ينبع من الغرب نفسِه، وخاصةً الولايات المتحدة، التي تواجه قوة صاعدة غير أوروبية لأول مرة منذ فرض الغرب تفوُّقه على العالم. إن سياسة الاحتواء -على سبيل المثال- التي نفذها الغرب ضد الاتحاد السوفيتي في أثناء الحرب الباردة قد لا تكون مثمرةً مع الصين. فمن ناحية، لا تملك الصين أيديولوجية سياسية صارمة تسعى إلى فرضها على الآخرين كما فعل الاتحاد السوفيتي. ومن ناحية أخرى، تتمتَّع الصين بوصول مركزي مجاني إلى البحار، على عكس الاتحاد السوفيتي، الذي لم يكن على الساحل بفعل البحار المتجمِّدة خلال معظم العام.

ورغم ذلك، فإن اللعبة الجديدة المتمثِّلة في منافسة القوى العظمى قد تعطي دماء جديدة لبعض المبادئ السياسية الواقعية، التي لا تولي إلَّا اهتمامًا بالاعتبارات الأساسية مثل: حجم الدولة، وموقعها في النظام العالمي، وحجم سلطاتها، وقواها العسكرية والاقتصادية. وهذا يعني أن المفاهيم الأيديولوجية أو الأُسس الأخلاقية لن تكون ذات أولوية بعد الآن على رقعة الشطرنج الجيوسياسية الدولية.

وبشكل عام، سوف تعتمد لعبة القوى العظمى الجديدة على ثلاثة مجالات مترابطة ومتداخلة: توازن القوى، وسباق التسلُّح، وإعادة صياغة التحالفات، التي يمكن اعتبارها المبادئ الأساسية للواقعية.

لطالما كان مبدأ توازن القوى واحدًا من أبرز ركائز النظرية الواقعية في فهم ديناميكيات العلاقات بين الدول. في السابق، بعد نهاية الحرب الباردة، فَقَد المفهوم بعضًا من بريقه، عندما كانت هناك قوة عظمى واحدة فقط دون منازع. يوجد اليوم تحوُّل جوهريٌّ في ميزان القوى داخل النظام الدولي، إذ نشهد تصاعدًا مطردًا في نفوذ الصين. وفي الوقت نفسِه، أصبحت روسيا منخرطةً في العديد من المجالات في العالم، سواء في أوروبا (الأزمة الأوكرانية)، أو الشرق الأوسط (الأزمة السورية)، أو إفريقيا (ليبيا). ومن ثَمَّ يشكِّل صعود هذه القوى تحديًا أساسيًّا لهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي، مما يجبرها على العمل وفقًا لمبدأ ميزان القوى لمواجهة هذه القوى الصاعدة التي تتحدى قيادتها العالمية.

ضمن هذه التطورات، ستلجأ القوى الكبرى إلى تعزيز تحالفاتها. حيث إن بناء التحالفات هو الخطوة الأولى في لعبة توازن القوى. وفي نظامٍ إقليميٍّ متعدِّد الأقطاب مثل ذلك الذي نراه في جنوب شرق آسيا، ستعمل القوى الكبرى وفقًا لمبدأ منع أيِّ دولة من الوصول إلى مستوى الهيمنة المطلقة. هنا نرى كيف تحركت الولايات المتحدة لتوطيد علاقتها مع أستراليا بصفقة الغواصات النووية الأخيرة. وستحتاج الولايات المتحدة إلى استعادة الثقة مع حلفائها التقليديين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وفي الوقت نفسِه، ستعمل على طمأنة بعض القوى المتردِّدة -مثل إندونيسيا- للانضمام إلى جهودها. ولا شكَّ أن هذه التحركات ستثير غضب الصين، التي ستتحرك لمواجهة الولايات المتحدة. وقد تلجأ إلى استخدام استراتيجية الضربات الاستباقية من خلال ضمِّ تايوان إلى أراضيها وتوسيع سيطرتها على جزرها الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي.

تعزِّز عملية المواءمة وإعادة التوافق عدمَ الثقة داخل النظام العالمي. ولذلك، تسعى الدول إلى الاعتماد على نفسِها من أجل البقاء. فضمن نظام البقاء للأصلح، ستسعى كلُّ دولة إلى تعزيز مصادر قوتها، لا سيما تلك المتعلِّقة بالقوة الخشنة. وفي نطاق القوة الخشنة، ستعمل الدول على تعزيز ترسانتها من الطاقة النووية، الأمر الذي قد يعيدنا إلى عصر موازنة القوى النووية. ومع ذلك، فإن العصر الذريَّ الجديد يتضمَّن هذه المرة عددًا أكبر بكثيرٍ من القوى النووية، مما يشكِّل خطرًا غير مسبوقٍ على حياة الإنسان. ففي آسيا وحدها، توجد حاليًّا أربع قوى نووية: الصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية، مع قوى أخرى -مثل اليابان وأستراليا- على استعدادٍ للانضمام إلى النادي. يمكننا فقط أن نتخيَّل كيف سيبدو سباق التسلُّح في نظامٍ متعدِّد الأقطاب للقوى النووية.

وعلى المنوال نفسِه، ستعزِّز القوى العظمى المتنافسة قوتَها الحادة. وأقصد بالقوة الحادة -على وجه التحديد- القوة المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات. حيث سنشهد في العقد المقبل المزيدَ من الهجمات الإلكترونية، والهجمات المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي، واستخدام طائرات بدون طيار والمركبات غير المأهولة. وبعبارة أخرى: ستقع الحروب اللاحقة بشكل أساسي في مجال الفضاء السيبراني والفضاء البعيد. لا يتطلَّب الأمر سوى إلقاء نظرة سريعة على الخطاب الذي تستخدمه النخبة السياسية اليوم لمعرفة أهمية المجالات الجديدة للحرب والمنافسة، حيث إنهم كثيرًا ما يذكرون الحرب الإلكترونية والآلات المجهَّزة بالذكاء الاصطناعي من بين مخاوفهم بشأن خطر الحروب المستقبلية. في الواقع، يجب أن نشعر جميعًا بالقلق. ولا يحتاج المرء إلَّا إلى النظر إلى الكيفية التي اغتالت بها إسرائيل واحدًا من أبرز علماء إيران النوويين باستخدام وسائل الذكاء الاصطناعي المحسَّنة لفهم الخطر الحقيقي الذي يفرضه الجيل الجديد من الحرب على أمن الدول.

وفي نهاية المطاف، لقد عكس انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان اتجاهًا ثنائي الأبعاد. أولًا: إنه آخر دليل على انحدار التدخُّل الليبرالي، كما أنها استراتيجية اعتمدتها الولايات المتحدة بشكل أساسي في نهاية الحرب الباردة. ثانيًا: تعيد الولايات المتحدة صياغة استراتيجيتها العالمية لتتماشى مع التطورات الراهنة على الساحة الدولية، وبصورة أساسية احتواء القوى الصاعدة التي تشكِّل تحديًا حقيقيًّا لقيادتها الدولية، وعلى رأسها الصين. بَيْدَ أن تراجع الهيمنة الليبرالية لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلَّى عن الليبرالية بين عشيَّة وضحاها. حيث ستبقى القيم الليبرالية نشطةً، وستستمر في لعب دورٍ مهمٍّ في تشكيل السياسة الخارجية للقوى الليبرالية. ومع ذلك، سوف تكون ليبرالية يتمُّ تهذيبها بشكلٍ متزايدٍ بسبب الضرورات السياسية الواقعية لعالمٍ متعدِّد الأقطاب.