تنزيل الـ PDF

تقدير موقف على هامش مشاورات تشكيل الحكومة التونسية: هل تستفيد الأحزاب السياسية من رسائل الانتخابات؟

مقدمة: حملت الانتخابات التونسية الأخيرة رسائلَ عديدة، أهمها الإحساس الفاجع بالفجوة بين متانة المنجز الديمقراطي الذي كانت هذه الانتخابات في مسارها ومناخاتها ونتائجها أحدَ تجلياته الكبرى، وبين الضعف الفادح للمنجز التنموي والفشل الذريع في اعتماد ثقافة الحوكمة الرشيدة وقواعدها في إدارة شؤون البلاد .

لقد صدح الناخب التونسي بهذه الحقيقة التي تؤشر على ضعف المحتوى الاجتماعي للديمقراطية التونسية بما يهدِّدها بأن تُصنَّف في خانة الديمقراطيات الفاشلة، كما حمَّل هذا الناخب مجمل الطبقة السياسية الحاكمة مسؤوليةَ هذا الفشل في تحقيق الحدِّ الأدنى من استحقاق الكرامة .

مضى شهر واحد على الانتخابات التشريعية في ظلِّ مشهدٍ برلمانيٍّ جديد سِمته التشتُّت والتباين، يضمُّ ثلةً من الناجين من تسونامي التغيير، وثلةً من المنتصرين الجدد؛ فهل يعي هؤلاء وأولئك رسائل الناخبين؟ المؤشرات الأولى غير إيجابية. تحاول هذه الورقة الوقوفَ عند الدروس الكبرى للانتخابات الأخيرة لتجيب عن سؤال: هل تقدر الكتل الفائزة على تجنُّب أخطاء الماضي؟ وما هي شروط ذلك؟

استعادة الصورة

لعل أهمَّ ما يُستخلص من تاريخ السياسة التونسية خلال العشرين سنةً الماضية، هو أن الأخطاء الكبرى إنما هي نتيجة خللٍ في ترتيب الأولويات، وفي اتجاه التحالفات، وفي العقلية الإقصائية الاحتكارية، وفِي ضعف ثقافة النقد والاعتبار.

لقد كانت السنوات الأقسى على التونسيين في تاريخ دولة الاستقلال هي سنوات التسعينيات من القرن العشرين، حينما بسط ظلام الاستبداد هيمنتَه على الحياة الفردية والعامَّة، وكان ذلك نتيجة نجاح سياسة “فرِّق تَسُد” المعتادة، حينما تسرَّعت بعض القوى السياسية ومضت في مواجهة الاستبداد ميدانيًّا دون التشاور مع بقية القوى السياسية والتنسيق معها، وكذلك خطأ البعض الآخر في المشاركة السياسية طمعًا في ديمقراطية تشمله فيما تتعرَّض فئة واسعة من المواطنين للاستئصال.

لقد تتطلَّب الأمر زمنًا حتى يتأكَّد الجميع أن الديمقراطية إما أن تكون أو لا تكون، وأن القمع لا يفرِّق بين القوى السياسية المطالبة بالحرية، وأن مواجهته لا تكون ناجعةً دون توحيد الجهود، وأن الوحدة لا تعني التماهي بين القوى السياسية، وإنما تعني الالتقاء على القضايا المشتركة، وأن المشترك الأهمَّ والمدخل الوحيد هو الحدُّ الأدنى الديمقراطي .

سيسجِّل التاريخ أن تحالف 18 أكتوبر للحقوق والحريات المعلَن عام 2005 كان محطَّةً فارقة في تاريخ البلاد، حيث كان روحًا وعقليةً جديدة، ومسارًا تمهيديًّا للتحولات من بعده، ومنهجًا في البناء الوطني، وإزالةً للحواجز النفسية بين الفرقاء السياسيين، وترسيخًا لمعنى التسامح والتعايش .لقد أفضى هذا المسار إلى ترتيبٍ للخارطة الذهنية للنخبة التونسية المناضلة، يُبرز المشترك السياسي ويجعله عنوان المرحلة، ويحيِّد الصراع الهوياتي الثقافي بعد ضبط حدٍّ أدنى من القضايا المشتركة يُطمئن الجميع على إمكانية التعايش مع صراع سلميٍّ يأخذ مداه. لقد ثبَّتت صفقة القوى المناضلة أولويةَ البُعْد السياسي دون أن تلغي أهمية البُعْد الثقافي .

لكن الإنهاك أصاب الإطار التنظيمي للتحالف حتى تحلَّل في خضمِّ الاستعداد للانتخابات الرئاسية سنة 2009. ومع ذلك، فقد كان من المأمول أن تستمرَّ روحه بعد الثورة في وضعٍ جديد. إلا أن الفرصة فُوِّتت، بسبب أخطاء التموقع السياسي، ونوازع الاستقواء بالجمهور، وتغذية الفرز الثقافي في حرب تموقعاتٍ نخبويَّة.

فقد سمحت الثورة بنشوء فضاء سياسيٍّ تداوليٍّ، وأتاحت تنافسيةً على الحكم لم تكن موجودةً من قبل، والحكم هو امتحانٌ لمدى قدرة النخبة المناضلة ضد الاستبداد – بعالمها وأولوياتها واهتماماتها المختلفة – على ولوج العالم الجديد وقيادته، حيث الأولوية للإنجاز. كما فرضت الثورة محورًا جديدًا في اهتمامات القوى المناضلة؛ إذ يلتحق البُعْد الاقتصادي الاجتماعي التنموي بالبُعْدين السياسي والثقافي .والمفروض أن يكون ترتيب الأولويات التي تعمل النخبة على تحقيقها هو الترتيب الموضوعي نفسه عند الناس لتكون النخبة نخبةَ شعبها، وليكون لنتائج الصندوق معنًى .

فالباعث الأساسيُّ للثورة هو باعث اجتماعيٌّ كثَّفه مشهد التهابِ جسدِ بائع الخضار في إحدى مدن الدواخل (لحظة 17 ديسمبر)، وتُوِّج هذا الباعث بآخر سياسيٍّ كثَّفه مشهد احتلال الشوارع في كل المدن تحت شعار “الشعب يريد إسقاط النظام “(لحظة 14 يناير). لقد كانت الثورة في عمقها فرصةً لإعادة بناء المشروع الوطني في مضامينه وأبعاده التنموية والسياسية والثقافية، وفِي منهجيته، وفي أوعيته.

غير أن فجوةً حصلت بين عالمِ النخبة وعالمِ الجماهير في الأولويات وفي المضمون وفي الوظيفة، فالجميع متفقٌ على المدخل السياسي وعلى ترسيخ الديمقراطية والحريات، غير أن هذا المدخل يمكن أن يكون بابًا لتحرير الطاقات المجتمعية للفعل، كما يمكن أن يصبح غايةً في ذاته ويوفِّر فضاءً لصراع التموقعات وللمناكفات حول الحريات والحقوق الفردية، فيغيب التوازن بين طلب الحقوق الفردية والتركيز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتضيع البوصلة.

والجميع متفقٌ حول إعادة بناء الثقافة الوطنية، غير أن مشروع النخبة مستغرقٌ في تصفية حساباتٍ أيديولوجية في حين تضيع الثقافة الوظيفية المعنيَّة ببناء إنسان الثورة، الإنسان المسؤول الذي يعلي من قيم العمل والإتقان والنجاح والتنافس، والمتوازن بين طلب الحقوق وأداء الواجبات، والمتحرِّر من التواكل على العائلة أو الدولة. والجميع متفقٌ على التنمية والإصلاح ويتحدَّث عنهما، ولكن لا شيء يتقدَّم، وكل المؤشرات تتراجع، والدولة تصبح مستنزفةً وتوشك على الإفلاس.

إن الاضطراب في تحديد الأولوية في الترتيب بين ثالوث السياسة والاقتصاد والتنمية، وعدم القدرة على الالتزام بمنهجٍ جديدٍ يؤمن بالتشارك والعلاقات الأفقية، وعجز الأحزاب والمنظمات عن تجديد نفسها لاكتساب المؤهلات التي تحتاجها المرحلة، والعجز عن بناء أحزابٍ جديدة تملك سرعة المبادرة وتكون متخفِّفةً من الماضي بثقافته ومعاركه؛ كل ذلك أدى إلى تحالفاتٍ ضد المنطق في عامي 2012 و2013، سمحت للقوى القديمة غير المتحمِّسة للتغيير أن توظِّف أخطاء بعض القوى المناضلة للعودة إلى صدارة المشهد والحكم عبر صناديق الاقتراع. كما أدى ذلك إلى صراعاتٍ بين الأحزاب على محاور فرز لم تكن هي الأولويات الموضوعية، فاختلطت الصورة، وتغلَّب اليسار الأيديولوجي على اليسار الاجتماعي، وتملَّكت التيار الوطني فكرةُ استعادة الدولة المنفلتة منه، ولم تتحرَّر الأحزاب الجديدة من ثقل المعارك القديمة التي لم تكن شريكًا فيها، وارتبك الإسلاميون بين السعي للتجميع والاغترار بوزن صندوق الانتخابات، ولم يستطيعوا التمايز في الوقت المناسب وبالوضوح الكافي عن تيارات التشدُّد، وروَّج الليبراليون لديمقراطية غير ديمقراطية، وبدا الائتلاف الحاكم (الترويكا) قلقًا في علاقاته الداخلية لشعور شريكي الحزب الأول بالغُبن، وهكذا ارتسمت صورة حرب الكل ضد الكل في عالم الأحزاب، وتعمَّقت الفجوة بين عالمِ النخبة وعالمِ الناس .

لقد كان بالإمكان أن يتمَّ تدارك الإحساس بالغُبن الذي توَّج سنوات التأسيس الثلاث خلال الخمس سنوات التي تلتها، خاصةً أن عنوان الحملة الانتخابية التي مهَّدت لها كان تحقيق الانتقال الاقتصادي بناءً على ما تحقَّق من منجز سياسيٍّ، لكن طغيان العقلية التكتيكية من الجميع أضاع الفرصةَ حين تحوَّل الاستقرار إلى هدفٍ لا إلى رافعةٍ للإقلاع التنموي.

فقد غرق الحزب الأول (نداء تونس) في صراعاته، ولم يتخلَّص الحزب الثاني (حركة النهضة) من المخاوف التي تسكنه باعتباره أحد تعبيرات الإسلام السياسي ولا من الآثار النفسية لمحنِهِ الكثيرة والثقيلة، ولم تستثمر المعارضة الفرصةَ للانتقال من موقع الاحتجاج إلى موقع البديل، وعجزت المنظمات الجماهيرية الكبرى على بناء استراتيجياتٍ متناسبة مع مجتمعٍ يتحرَّر من الاستبداد، ويبني ديمقراطيته، ويتخلَّص من كل مواريث المرحلة السابقة .

كان ائتلاف المرحلة الأولى (الترويكا) غير متوازن، أما شراكة المرحلة الثانية (توافق النداء-النهضة) فلم تُبْنَ على أسسٍ واضحة أو برنامجٍ دقيقٍ، فقد أعطت صورة تبعيَّة الحزب الثاني للحزب الأول، وصورة تغليب التأمين المتبادل للحزبين على خدمة المصالح الوطنية؛ فهل يس