الأزمة المغربية الإسبانية

شهد كلٌّ من المغرب وإسبانيا العديد من الأزمات الدبلوماسية فيما سبق، أبرزها تلك التي وقعت بسبب جزيرة ليلى سنة2002 . وذلك ليس بالأمر المستغرب، فالعقيدة الدفاعية الرسمية لإسبانيا تعتبر منطقة شمال أفريقيا تقليديًّا -وخاصة المغرب- التهديد الأمني ​​الأكبر لها[1]، وذلك ليس فقط للموقع الجغرافي المهم الذي يتشارك فيه المغرب مع إسبانيا، ولكن لتقاطع الطموحات، فإن كانت إسبانيا بوابة أفريقيا لأوروبا، فالمغرب هو بوابة أوروبا لأفريقيا.

من هنا يمكنُ فهمُ أهمية الأزمة الإسبانية المغربية الأخيرة، التي لا يمكن اختزالها فقط في وجود زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي على الأراضي الإسبانية، ودخوله لها بواسطة جواز سفر مزوَّر[2]، وتغاضي السلطات الإسبانية عنه رغم وجود اتهاماتٍ ضد الإنسانية مرفوعة ضده في الأراضي الإسبانية[3] ، التي دفعته بفعل ضغط المغرب إلى الإدلاء بأقواله للقضاء الإسباني[4] ومن ثَمَّ ترحيله إلى الجزائر[5]. غير أن هذا لم يوقف الأزمة التي اندلعت بين المغرب وإسبانيا، وهو ما يجعلنا نتساءل عن دوافع هذه الأزمة ومحركاتها الرئيسة ومآلتها المستقبلية، وهو ما سنسعى إلى تقديمه في هذه الورقة.

أولًا: الولايات المتحدة والسيادة المغربية على الصحراء الغربية وأثرها في الأزمة

 من الضروري العودة إلى الاعتراف الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة في شخص رئيسها السابق دونالد ترامب، حينما أقرَّ بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية[6]، وذلك حتى نفهم دوافع المغرب نحو التصعيد، وكذا فهم لمَ أقدمت إسبانيا على خطوة استفزازية للجانب المغربي مثل استضافة إبراهيم غالي داخل ترابها.

بالنسبة إلى المغرب، يُعَدُّ التصعيد ضرورةً من أجل استثمار الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، من أجل الضغط على الجانب الأوروبي ليغيّر موقفه تجاه ملف الصحراء الذي يُعَدُّ ملفًا محوريًّا في السياسة الخارجية المغربية. ولا تكْمُن قيمة الاعتراف الأمريكي في كون الولايات المتحدة الأمريكية عضوًا يتمتع بعضوية دائمة في مجلس الأمن، وكونها أكبر دولة اقتصادية وعسكرية في العالم فقط، ولكن لكون المغرب قد اكتسب اعترافًا من دولة كانت ترجح في السابق كفَّة الجانب الإسباني على الجانب المغربي في أزماتهما الحدودية. وتوسُّط وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بين حليفيه المتوسطيَّيْن لحل أزمة “جزيرة ليلى” مثال على هذا الأمر، حيث أكسب الموقف الأمريكي حينها قوة للجانب الإسباني، وهو ما جعل المغرب يضطر إلى إغلاق ملف “جزيرة ليلى“، مقابل استئناف المفاوضات الثنائية حول مواضيع مثل الهجرة والصحراء الغربية والحدود البحرية والعلاقات الاقتصادية، التي تمثلت حينها في تقديم حزمة من المساعدات المالية للمغرب بقيمة 390 مليون يورو[7]. وذلك مثال على ترجيح الجانب الأمريكي للكفَّة الإسبانية حينها، وهو ما لم يعُد ممكنًا في ظل المتغيرات الحالية.

فقيمة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء الغربية تدلُّ على تغيُّر نظرة الولايات المتحدة الأمريكية للمغرب، التي تمثَّلت في الشراكة التي بدأت تجمعهما في ملفات معيَّنة. فوفقًا لهذه الشراكة، لم يعُد الجانب الأمريكي يجنح بشكلٍ مؤثرٍ لفائدة دول الاتحاد الأوروبي عامَّة وإسبانيا خاصَّة على حساب المغرب؛ لأن سياسة الولايات المتحدة تتَّسم بالواقعية في نظرتها للمصالح والتحديات. وقد كانت إسبانيا مهمَّة جدًّا للجانب الأمريكي خلال أزمة “جزيرة ليلى”؛ لأن هذه الأزمة كانت متزامنةً مع دخول الجانب الأمريكي للعراق[8]، وهو ما جعله يحتاج إلى إسبانيا بحكم أهمية معبر جبل طارق بوصفه منفذًا مسهلًا لمرور الأسلحة الأمريكية صوب العراق[9]، وهو ما يفسّر امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية قاعدتين عسكريتين مهمتين في إسبانيا، وهما: “قاعدة مورون الجوية”[10]، والأهم هي قاعدة روتا البحرية، القاعدة المموَّلة بالكامل من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية، ويشكل سكَّان القاعدة أكبر تجمُّع أمريكي على الأراضي الإسبانية، وهي بوابة البحر الأبيض المتوسط، وتشمل مطارًا وميناءً في موقع استراتيجي بالقرب من مضيق جبل طارق[11]، وتجسّد هذه القاعدة العسكرية مدى علاقة الجانب الأمريكي مع إسبانيا، وقد ألقت هذه الأهمية بظلالها على التوترات التي جمعت بين المغرب وإسبانيا بخصوص “جزيرة ليلى”.

وقد تغيَّر هذا الأمر بفعل تغيُّر السياسة الدولية، وكذا موازين القوى الدولية. فلم يعُد الاتحاد الأوروبي يلعب نفس الدور والأهمية بالنسبة إلى قضايا عديدة، وكذا تغيُّر طبيعة الشراكة الأوروبية مع الجانب الأمريكي، سواء في إدارة ترامب أو الإدارة الحالية التي لم تعُد بالقوة نفسِها، رغم سعي الطرفَيْن لتقويتها، وذلك لاختلاف نظرة الطرفين للدور الصيني[12] والروسي[13] معًا، والذي يغاير الموقف الأمريكي. ومن جهة أخرى، فإن صعود قوتَيْن مثل الصين[14] وروسيا وسعيهما لضمان مكانة مهمَّة في أفريقيا، جعل المغرب يحظى بمكانة أكبر بالنسبة إلى الجانب الأمريكي[15]، وهو ما بدأ يجعل إمكانية إغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية في إسبانيا وتحويلها للمغرب أمرًا ممكنًا جدًّا[16]، والعمليات العسكرية مثل عملية “الأسد الأفريقي” التي جمعت بين الجانبين الأمريكي والمغربي[17]، والتي عرفت مقاطعة الجانب الإسباني رغم مشاركة 7800 عسكري من تسع دول، بما في ذلك المملكة المتحدة[18]، هي مؤشرٌ على هذا الانتقال الذي تخطوه أمريكا نحو أفريقيا عبر بوابة المغرب دون الاستعانة بإسبانيا.

واجتماع مجموعة السبعة الأخير يجسّد هذا التصور الأمريكي المنفتح على شريكه الأوروبي ما دام منخرطًا في الحد من تمدُّد نظيره الصيني، فالرئيس الأمريكي جو بايدن يسعى إلى تعزيز شراكته مع الاتحاد الأوروبي التي تخفف من توغل الجانب الصيني في أوروبا، الذي يتجسَّد في جنوب شرق أوروبا[19]، التي تربطها علاقات قوية مع روسيا، والتي انخرطت فيها الصين بتزويد الجبل الأسود بقرضٍ لبناء طريق أدى إلى ارتفاع ديونها الوطنية إلى مستويات عالية، بالإضافة إلى سيطرة شركة صينية على أحد أكبر موانئ اليونان، حيث تخطط بكين لبناء خط سكة حديد لنقل البضائع من الميناء إلى المجر عبر مقدونيا الشمالية، وكلتاهما عضو في الناتو[20]. ومن ثَمَّ فإن سعي الإدارة الأمريكية إلى تعزيز علاقتها مع الجانب الأوروبي لن يكون على حساب المغرب؛ لأن المُحرك الرئيس للبوصلة الأمريكية هو التمدُّد الصيني في مناطق مهمَّة للجانب الأمريكي، وهي ما يتجسَّد بالأساس في شرق أوروبا وأفريقيا التي يحتاج الجانب الأمريكي فيها إلى المغرب أكثر من نظيره الإسباني.

ثانيًا: حدود انخراط الاتحاد الأوروبي في الأزمة المغربية الإسبانية

سعت إسبانيا إلى إقحام الاتحاد الأوروبي في أزمتها مع المغرب، حتى تكثف ضغطها عليه من أجل أن تحلَّ الأزمة بأقل الخسائر بالنسبة إليها، فسعت إلى إصدار قرار من المفوضية الأوروبية “يدين” المغرب، ولكنها تحصلت فقط على موقف صادر من البرلمان الأوروبي لا “يدين” ولكنه “يرفض استخدام المغرب لمراقبة الحدود والهجرة كورقة ضغط سياسي ضد إسبانيا، مع استنكار أعضاء البرلمان الأوروبي ذلك”[21]. وهنا تجدر الإشارة إلى أن موقف البرلمان الأوروبي لا يُلزم السياسة الأوروبية بشيء بالضرورة؛ حيث إن البرلمان الأوروبي ليس هيئة تشريعية بالمعنى الدقيق للكلمة رغم ما يقدِّمه في هذا الاتجاه، كما أنه لا يقوم بانتخاب حكومة، حيث لا توجد حكومة أوروبية، بل تتكثَّف مهمته في تعديل طبيعة العلاقات بينه وبين مؤسسات الاتحاد الأخرى فقط[22]. ومن ثَمَّ فإن البرلمان الأوروبي لا يمتلك صلاحيات تنفيذية[23] تدخل الاتحاد الأوروبي وتجعله طرفًا في النزاع الدائر بين المغرب وإسبانيا، وهذا هو ما حرص الجانب المغربي على إظهاره في البيان الصادر عن وزارة خارجيته، الذي ركَّز فيه على ضرورة عدم إقحام الاتحاد الأوروبي في الأزمة المغربية الإسبانية[24]، كما أن المغرب وظَّف علاقاته لكي يصدر كلٌّ من البرلمان الأفريقي[25] وكذا البرلمان العربي[26] بيانَيْن يصبّان في المنحى نفسِه الرامي إلى