نحو تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية

الدوافع التركية

تشير التقارير والمؤشرات كافَّة إلى تميُّز العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل، وأن هذه العلاقات عميقة لدرجة جعلت تضرُّرها من الجمود السياسي محدودًا للغاية، وأن الجمود السياسي بين البلدين لم يصاحبه جمود في التعاون الاستخباري والاقتصادي والسياحي.

ويشير الكاتب الإسرائيلي إيال زيسر إلى أن انهيار رؤية أردوغان للهيمنة على الشرق الأوسط ورهانه الخطأ على نجاح الربيع العربي وجماعة الإخوان المسلمين قد أدى إلى عزلة تركيا وتخلُّفها عن قطار التعاون الإقليمي الحاصل بين معظم دول المنطقة، وأنه بينما تسير دول شرق المتوسط اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر بخطى جيدة في إنتاج الغاز من مياه البحر المتوسط، تتخلَّف تركيا كثيرًا في هذا الملف. يضاف إلى ذلك أن الضغوط الأمريكية التي تمارسها إدارة بايدن على أنقرة في العديد من الملفات ربما كانت -طبقًا لرؤية باحثين إسرائيليين- سببًا إضافيًّا في دفع تركيا نحو السعي إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل[1]. ويمكن القول إن الاهتمام الأمريكي المتراجع بمنطقة الشرق الأوسط قد دفع الأطراف كافَّة في المنطقة إلى النظر من جديد في خريطة تحالفاتهم، دون أن يكون لضغوط إدارة بايدن على تركيا تأثير مباشر في دفع تركيا نحو التطبيع مع إسرائيل.

أضف إلى ذلك أن حالة العزلة السياسية التي تعيشها تركيا إقليميًّا يواكبها مشاكل اقتصادية كبيرة في الداخل، مما سيترك أثره على الناخب التركي في الانتخابات المقبلة عام 2023، ويهدِّد مكانة الحزب الحاكم هناك. وإذا كانت تركيا تريد الخروج من هذه العزلة بهدف أن يكون لذلك انعكاساته الإيجابية على الوضع الاقتصادي الداخلي، فإن ذلك يوفر فرصًا اقتصادية لإسرائيل؛ فالأزمة الاقتصادية التركية يمكن أن تكون أرضًا خصبة للاستثمارات الإسرائيلية إن قرَّرت إسرائيل التطبيع، وإذا كانت العلاقات الاقتصادية في السابق لم يصبها تضرُّر من تدهور العلاقات السياسية، فإن تطبيع العلاقات سوف يصل بالتجارة والتعاون الاقتصادي بين البلدين إلى مستوياتٍ غير مسبوقة[2].

كيف تقرأ إسرائيل دوافع تركيا؟ وهل هي متعجلة؟

تبدو إسرائيل متشكِّكة في رغبة تركيا في العودة إلى علاقاتٍ طبيعية معها، وتتحدَّث مراكز الأبحاث الإسرائيلية عن تردُّد إسرائيلي إزاء الإشارات التركية، وأن هذا التردُّد ناتج عن شعور باحتمالية أن يكون السعي التركي إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين يهدف إلى تخريب العلاقات الوثيقة بين إسرائيل واليونان وقبرص[3].

وتشير التوقعات كافَّة في الصحافة الإسرائيلية إلى أن إسرائيل لا تبدو في عجلة من أمرها في الاستجابة للإشارات التركية بالرغبة في تطبيع العلاقات بين البلدين، خاصةً أن الشكوك الإسرائيلية حول أردوغان ومواقفه تجاه إسرائيل كبيرة للغاية[4].

كذلك فإن التحالفات التي أقامتها إسرائيل مع دول المنطقة سيكون لها تأثير في هذا الشأن؛ فاتفاق أبراهام من ناحية، والتقارب الواقع بين إسرائيل واليونان وقبرص من ناحية ثانية، والتنسيق غير المسبوق مع مصر من ناحية ثالثة، كل ذلك يؤثر سلبًا في وزن العلاقات الإسرائيلية التركية عند متخذي القرار في إسرائيل ويجعلهم غير متعجلين من أمرهم. ومع ذلك، فإن مراكز الدراسات الاستراتيجية في إسرائيل توصي بأن تنتهز إسرائيل هذه الفرصة وتحاول بحذرٍ تحسين العلاقات مع تركيا؛ لِما لها من أهمية استراتيجية كبيرة لإسرائيل، ولِما يمكن أن يؤدي إليه التحسُّن في العلاقات من تعاونٍ أكبر في ملفاتٍ أخرى؛ كالملف السوري، وإيران، وفي شرق المتوسط، دون أن تكون هناك توقعاتٌ مفرطة في هذا الشأن[5].

هناك عامل آخر يعزِّز عدم التعجُّل من جانب إسرائيل يتعلَّق بطبيعة الحكومة الإسرائيلية وأيديولوجية المكونات الرئيسة فيها، ومواقفها السابقة من الحكومة التركية؛ فمواقف رئيس الوزراء نفتالي بينيت الماضية قبل توليه رئاسة الحكومة كانت تتَّسم بالعداء والتشدُّد. ففي عام 2018، وفي أثناء توليه وزارة التعليم في حكومة نتنياهو، غرَّد على صفحته في تويتر بقوله: “أردوغان متورط في إرهاب حركة حماس من رأسه حتى أخمص قدميه. لقد كان خطأ فادحًا في ذلك الوقت حين وقَّعنا على اتفاق تعويضات بعشرات ملايين الدولارات عقب أحداث السفينة مرمرة. لقد قلت إنه -أي أردوغان- سيلدغنا ثانية”[6]، وطالب الكنيست بأن تعترف إسرائيل رسميًّا بمذابح الأتراك ضد الأرمن[7]، كما طالب الإسرائيليين أيضًا بتغيير وجهتهم السياحية وعدم الذهاب إلى تركيا: “إنني أتوجَّه إلى الإسرائيليين: توقفوا عن زيارة تركيا فورًا”[8].

كما أن شريكه في الحكومة ووزير خارجيته يائير لبيد سبق أن طالب في عام 2018 بقطع الاتصالات مع نظام أردوغان، والاعتراف بمذابح الأرمن، وتقديم الدعم المعلن للأكراد، كردٍّ على قرار تركيا حينها بإعادة سفيرها من تل أبيب وطرد السفير الإسرائيلي بعد أن قتلت إسرائيل عددًا من المتظاهرين الفلسطينيين على حدودها مع قطاع غزة[9]، وفي مناسبة أخرى غرَّد لبيد مهاجمًا أردوغان بقوله: “أردوغان يقول إننا دولة إرهابية تقتل الأطفال، مَن ينكر قتل الأطفال في مذابح الأرمن لا يجب أن يحاضرنا عن الأخلاق”[10]. صحيح أن مصالح الدول تفرض على قادة الدول اتخاذ قراراتٍ تخالف أيديولوجياتهم في كثيرٍ من الأحيان، لكن تظل الأيديولوجيات صاحبة تأثيرٍ كبيرٍ فيما يتخذه القادة من قرارات، وفي سرعة تطبيقها وكيفية فعل ذلك، خاصةً إذا كان هناك اتفاق بين هذه الأيديولوجيات ومصالح الدولة ولو بقدر ضئيل.

ماذا تريد إسرائيل لتحسين علاقاتها بتركيا؟

تدرك إسرائيل أن لتركيا أهمية استراتيجية كبيرة لأمنها القومي؛ ويقول الباحث حاي إيتان كوهين ياناروجيك -المتخصِّص في العلاقات التركية الإسرائيلية في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب- إن إسرائيل حريصة تمامًا على ألَّا تتحوَّل تركيا إلى عدو، لكن في المقابل على تركيا أن تدرك أيضًا أن إسرائيل لم تعُد ما كانت عليه في عام 1948[11]. وطبقًا لرأيه، فإن أنقرة إذا كانت مهتمَّة بتحسين علاقاتها مع مصر وإسرائيل في المقام الأول، فإن هذين البلدين حاليًّا هما صاحبا اليد العليا في هذا القرار، والدولتان لن تذهبا إليه إلَّا في حالة وجود مكاسب دبلوماسية في المقابل. فقد أدركت الدولتان -مصر وإسرائيل- في الشهور الأخيرة حالة الضعف التي وصل إليها الرئيس التركي دبلوماسيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وهو السبب الذي يدفعه إلى إعادة التطبيع معهما على وجه التحديد[12].

وقد رصد معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب عددًا من المتغيرات في الداخل التركي ذات تأثيرٍ مهمٍّ في ملف تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل؛ من ذلك حديثه عن وجود اتفاق واسع بين الطبقة السياسية التركية ضد إسرائيل، وتراجع الدور السياسي للجيش الذي كان في الماضي عنصرًا مؤيدًا بقوة لإسرائيل، علاوة على الدعم التركي لحركة حماس، في ظل ما تراه إسرائيل من تقارب أيديولوجي بين الحركة والقيادة التركية الحالية، يضاف إلى ذلك أن تركيا كانت قد وافقت على استضافة بعض المُحرَّرين من أبناء الحركة في صفقة الإفراج عن جلعاد شاليط على أراضيها، وهو ما يجعل إسرائيل تشعر بالقلق من أن إسطنبول قد أصبحت أحد مراكز العمل التي تنطلق منها حركة حماس. وتقول إسرائيل إنها كشفت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي خليةً تخطط لتفجيرات ضد الإسرائيليين في الضفة الغربية تأخذ توجيهاتها من قيادات تابعة لحركة حماس في الخارج بعضها من إسطنبول.