الإسلاميون والموجة الثانية من الربيع العربي … نهاية الاستثنائية

صدر عن منتدى الشرق يونيو الماضي 2020 ستة أبحاث؛ هي نتاج مجموعة عمل الإسلام السياسي لمدة عام بحثت فيها وضعية الإسلام السياسي في الموجة الثانية من الربيع العربي. خصصت الأوراق لدراسة حالة كل من الجزائر والسودان والعراق ولبنان، وقد اختص كل من البلدين الاخيرين بدراستين، تركزت إحداهما على الحركات الشيعية بينما كانت الثانية لحركات السنة، وإن كان من وجهة نظري أن التفرقة بين الحركات الشيعية والسنية ليست ذات دلالة هامة في هذا الصدد؛ لأننا بإزاء فواعل يسيطر على سلوكها السياسة أكثر من الايديولوجيا، فهم يتصرفون باعتبارهم حركات سياسية وإن استخدموا ديباجات دينية ومذهبية.

وقد أحسن المشروع صنعا حين وصف الاحتجاجات التي جرت في أربعة بلدان عربية عام ٢٠١٩ باعتبارها امتدادا للانتفاضات التي تعاقبت نهاية 2010 وعلى امتداد 2011: “جاءت هذه الموجة من الأحداث بمثابة مفاجأة تامة منذ وقوعها في وقت كان فيه الناس في العالم العربي قد أصيبوا بـ “إرهاق الربيع العربي”. على الرغم من بعض الديناميات الجديدة والفريدة في الجزائر والسودان ولبنان والعراق، يجادل فريق عمل الشرق بأن هذه الاحتجاجات تنتمي إلى ظاهرة الانتفاضات العربية من حيث طبيعة مطالب المحتجين وتعبئتهم. وبالتالي، ينبغي أن ينظر إليهم على أنهم موجة ثانية من هذه الانتفاضات وليس بعض الأحداث المتناثرة والمنفصلة التي تظهر بشكل عشوائي”.[1]

ويري المشروع وجه الاختلاف بين وضعية هذه الحركات في الموجة الأولي عن الثانية: “الموجة الأولى، كانت حركات الإسلام السياسي في المعارضة التي تكافح ضد الحكام والأنظمة الحالية. ومع ذلك، في الموجة الثانية، في ثلاث من الحالات الأربع، نرى الإسلاميين إما حكامًا أو داعمين للنظام الحالي”.

وهذا يخلق ديناميكية مختلفة تمامًا للإسلام السياسي في دراسات الحالة المختارة، ففي بعض البلدان، حشدت فصائل الإسلاميين في المعارضة ضد أقسام أخرى من الإسلاميين في السلطة، ويمكن تفسير ذلك – كما يري المشروع – على أنه تعبير عن تعميق الانقسام داخل الحركات الإسلامية في العالم العربي أو كفرصة لعدد لا يحصى من الإسلاميين لتوضيح مواقفهم المتباينة بشأن القضايا السياسية الرئيسية، ولكن أليس الأمر يتعلق بالتعددية التي باتت حقيقة واقعة في مجمل الحالة الإسلامية وليس الانقسام فيما بينها كما يؤكد المشروع.

ما سنحاوله في هذه المقالة هو إعادة قراءة الدلالات التي كشفتها أوراق المشروع من خلال عدد من الإشكاليات التي يمكن أن تكون أرضية للحوار حول كيف يمكن إعادة انتاج الإسلامية في المجال السياسي في القرن الواحد والعشرين. أؤكد في المجال السياسي وليس في غيره من المجالات.

الانطباع الرئيس الذي تخرج به بعد الانتهاء من قراءة هذه الأوراق هو تطبيع هذه الحركات مع الواقع العربي بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات سلبية وإيجابية، بما يمكن معه القول بانتهاء الاستثنائية الإسلامية التي حاول أن يصمها بها تابعيها ومعارضيها على حد سواء؛ وإن اختلفت الدوافع بينهما: فالاتباع يريدون أن يضفوا عليها نوعا من القداسة؛ في خلط واضح بين النص المنزل والتعبير عنه؛ خطابا وممارسة، أما المعارضون فقد أرادوا التشكيك في قدرتها على الاندماج في النظام السياسي سبيلا لحرمانها من الوجود، أما المحللون والباحثون فقد رأوا في علاقتها بالديموقراطية ضرورة توفر عدد من الاشتراطات لضمان نجاح اندماجها في النظام السياسي القائم، وكأن هذا مما لا تتطلبه القوي السياسية الأخرى.

الإسلاميون في السلطة -كما في المعارضة- يتصرفون مثل الفواعل السياسية الأخرى حين تحركهم إدراكاتهم لمصالحهم الذاتية التي يبغون تحقيقها، ويبنون تحالفاتهم ليس وفق أسس أيديولوجية بل كان التنافس فيما بينهم أشد من تنافسهم مع الآخرين، والأهم أن الربيع العربي بموجتيه أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنهم لا يملكون مشروعا فارقا للسلطة بل يتصرفون كأي حاكم عربي: الانتهازية السياسية التي طبعت تجربة وممارسة كثير منهم؛ في الحكم وخارجه، وتقلبات مواقفهم وتحالفاتهم، وتعدد انتقالاتهم من خندق إلى آخر، وتفشي مظاهر الفساد في بعض أوساطهم، أسقط عنها لبوس “التقوى”، وأزاح من فوق رؤوس قادتها “هالة القداسة”، إذ أثبتت السنوات الأخيرة، أن المشروع في بنيته السياسية متهافت لدرجة لا تؤهله ليكون مشروعًا للحكم يقدم البديل للدولة العربية المتأزمة، على العكس أظهرت تجربة الإسلاميين أن المشروع الذي حملته حركات الإسلام السياسي، يزيد الواقع مأساة، إذ هو منفصل بقدر كبير عن متطلبات الواقع وما يمليه، ويميل في معظمه للشعاراتية الذي لا تدعمه برامج ومشاريع واضحة للحكم.

أولا: هل انتهت سردية القرن العشرين؟

استندت سردية الحركات الإسلامية في القرن العشرين إلى مرتكزات ثلاثة: شمولية الإسلام؛ أي تعلق المرجعية الإسلامية بشئون الحياة جميعا، ومحورية السلطة كأداة أساسية لتطبيق الشريعة، رفض الدولة الوطنية والسمو فوقها، بل محاولة اعادة بناء الأمة نفسها على أساس هوية وشرعية جديدة باستخدام التنظيم المقدس؛ قدسيته تتأتى من مهمته.

لن نناقش مكونات هذه السردية وإلى ماذا انتهت وما هي عناصر فشلها ونجاحها، فالكاتب يجادل بأن هناك سردية جديدة لانتفاضات الربيع العربي تعلن نهاية صيغ القرن العشرين وفي القلب منها دولة ما بعد الاستقلال والحركات السياسية الإسلامية والعلمانية التي استندت إلى أيديولوجيات شمولية، وأننا بصدد صيغ جديدة لم تتمأسس بعد؛ فقد غلب عليها الاحتجاج وافتقدت إلى بلورة قاعدتها الاجتماعية الحاضنة والدافعة لها.

القراءة التاريخية لانتفاضات الربيع العربي هي أننا أمام إعادة تشكل للتاريخ كله في المنطقة؛ نحن أمام محطة تاريخية فاصلة: فالقديم قاد إلى الانفجار، ولم يعد قادرا على تقديم استجابات لتحديات المجتمع والدولة. ولكن الجديد لم يتبلور بعد وهذه هي مهمتنا التاريخية كما أعتقد، واللحظة ليست خواء كما يظن الكاتب، بل تمتليء بالكثير والكثير مما يصب في المستقبل، وبمقدار قدرة الإسلاميين أو غيرهم على التقاط مقومات هذه اللحظة بمقدار ما سيستردون حضورهم وزخمهم الذي تراجع إلى حد كبير.

أنا أدرك أن مشاريع الماضي المرتحل لم تكن مجرد صياغات وعبارات عابرة تحملها قوة السلطة بالمعني الذي يقدمه فوكو؛ إنها شكل أو مقترح للحياة، ولطبيعة المجتمع بشبكة علاقاته، وهي خطاب وممارسة لتصورات وخيال سياسي واجتماعي واقتصادي، وتصور معرفي للحياة والدولة، تنبثق عنهما أعراف وتقاليد ومؤسسات ولغة وتصور للمجتمع ولأفراده؛ تصور للذات والآخر يعبر عن نفسه في قوانين وتشريعات ودستور وعلاقات انتاج.

سردية الانتفاضات العربية بحث عن عقد اجتماعي جديد يتم به إعادة بناء الدولة الوطنية بنخب جديدة، ويستند هذا العقد إلى مقومات ثلاثة: الحرية/الديموقراطية، والعدالة الاجتماعية/التوزيع العادل للموارد، وتحرير الإرادة الوطنية من الهيمنة الإقليمية والدولية. هذا الحلم يكاد يكون عليه توافق من الطبقة الوسطي والطبقات الدنيا وبعض شرائح من الطبقة الوسطي العليا، لكن قوته المحركة أجيال جديدة من الشباب مع حضور نسائي مُلفت.

والآن دعنا نناقش كيف يمكن أن تتفاعل سردية الإسلام السياسي مع سردية الانتفاضات العربية، وهنا يحسن أن نؤكد أن هذا التفاعل يصدر عن الإسلامية لا تجاوزا لها:

  1. الحرية منظور شامل: يجادل كاتب هذه السطور أن غياب الحرية/الديموقراطية على مدار القرنين الأخيرين قد جرت الكوارث على الأمة جميعا وتجعله يقول باطمئنان ألا مقايضة عليها: فلا نهضة من غير ديموقراطية (تجربة محمد على )، ولا استقلال وطني من غير ديموقراطية (تجربة سعد زغلول)، ولا وطنية من غير ديموقراطية (تجربة عبدالناصر)، ولا محافظة على مكاسب الحرب من غير ديموقراطية (تجربة السادات )، ولا توزيع عادل لموارد التنمية من غير ديموقراطية (تجربة مبارك)، ولا حفاظ على الدولة الوطنية من غير ديموقراطية (تجربة السيسي)، وأقول لا إسلام من غير ديموقراطية (تجربة البشير وآل سعود وغيرهم كثير). في المقابل فإن الإسلام السياسي يسعي لإقامة “نظامٍ إسلاميّ” يتمثّل في دولةٍ تُحكَم بالشّريعة وتفرِض القوانين الأخلاقيّة الخاصّة بها في المجتمعات الإسلاميَّة؛ وبناءً على هذا فإنَّ الارتباط بالدولة/السلطة ملمَحٌ أساسٌ للحركات الإسلامية وكذلك ارتباط هدفها الأساس بإقامة المجتمع العقائديّ المستند إلى واجبات الرعايا وليس المواطنين.

في هذا التصور لا موقع للحرية، وهي إن وجدت ففي علاقة بين الإسلامية وبين مكونات الحرية المتعددة، ولا تقدم الأخيرة باعتبارها منظورا شاملا يتأسس عليه الإيمان الديني ويحكم حركة التكليف الشرعي، ويصبح السؤال هو: هل الدخول في الإيمان والخروج منه مناطه الإرادة الفردية الحرة، ويأتي بعده الالتزام بالتكليف الشرعي الذي يقوم على إرادة حرة وإلا سنكون بإزاء ظاهرة المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار.

في الحرية كمنظور شامل نكون بإزاء إعادة تأسيس لفهمنا للدين، ونظرة للتاريخ، وإدراك للواقع، وتطلع للمستقبل، والبديل عن ذلك احتجاج جماهيري متسع ضد من يريد فرضه بقوة السلطة كما جري في سودان البشير، أو قوة السلاح كما جري في غيره من التجارب. هذه السردية تطرح تحديا على أتباع الإسلام السياسي يدور حول موقع السلطة في مشروعهم لتطبيق الشريعة: هل هي الأداة الأساسية للتطبيق أم المطلوب منها أن تخلي بين الناس وتفاعلهم مع النص المنزل فينشئوا تجربتهم في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والمؤسسات، وهذا يجعل من التطبيق الإسلامي مفتوحا على تجارب متعددة ونماذج مختلفة.

  1. من الطأفنة إلى التيار الوطني العام: تقدم لنا دراسة الجماعة الإسلامية في لبنان بالتفصيل كيف استطاعت بتجاوبها وتموضعها الصحيح في حراك أكتوبر أن تتجاوز الطائفية التي باتت طبقات بعضها فوق بعض، إذا أخرجت يدك منها لم تكد تراها. في الحراك اللبناني استطاعت الجماعة الإسلامية أن تتجاوز طائفيتها التنظيمية وفي نفس الوقت تبلور وتدعم مطالب الحراك فتنقل سنة لبنان من ضيق الطائفة إلى الآفق الوطني المتسع.

وفي المقابل فإن ارتهان حزب الله اللبناني للمشروع الطائفي الإيراني، وتحول الحركة الإسلامية السودانية إلى عصبية بالمعني الخلدوني -كما يري البروفيسور التيجاني عبد القادر- وطائفة مغلقة، أو اغتراب جذري كما يري محمود هدهود في بحثه عن الإخوان المسلمون في مصر إبان ثورة يناير وما بعدها، الوقوع في فخ الطائفية بالمعني المذهبي أو السياسي جعل الحراك في موجتيه الأولي والثانية يتجه ضد التشكيلات الإسلامية.[2]

في الانتقال من ضيق الطأفنة إلى سعة الوطنية يعني ثلاثة أشياء: القدرة على بناء تحالفات وطنية متسعة تتجاوز الانتماءات الأيدولوجية؛[3] خاصة إذا علمنا أن طبيعة الحراك لا أيديولوجي، ثانيا: حل المشكل الذي هيمن على بعض الإسلاميين بين الإقليمية/الأممية وبين الانتماء الوطني؛ بما يضمن ألا يكون الوطني مرتهنا للإقليمي كما في تجربة حزب الله. الثالث والأخير؛ ضرورة التصالح مع مفهوم الدولة الوطنية وقد باتت الفرصة سانحة لإعادة بنائها على أسس وطنية جديدة وإصلاح هياكلها ومؤسساتها بعد أن انتهت صيغة دولة ما بعد الاستقلال.

  1. تمكين المجتمع بدلا من تمكن التنظيم: واحدة من الخيارات الأساسية التي انتهجتها الحركات الإسلامية في تجاربها في الحكم من قديم، كان خيار الأسلمة للمؤسسات في دولها، كان هذا الخيار الإستراتيجي للإسلاميين الواصلين للحكم، سواء كان الحديث عن طالبان أفغانستان أو إسلاميي السودان أو إخوان مصر أو غيرها من تجارب. نَبع هذا الخيار من تصور أن وجود تابعين لهذه الحركات داخل أجهزة الحكم والإدارة، سيضمن لهم حماية وهيمنة على جهاز الدولة، ومن ثم استخدام هذه المؤسسات لتحقيق المشروع الإسلامي، وضد الخصوم السياسيين عند الحاجة. إن نجاح أو فشل عملية الأسلمة ليس هو النقطة المحورية في حقيقة الأمر، لَكِن الخيار في ذاته هو الإشكال على الحقيقة.

فلم تدرك هذه الحركات أَنَّ الأسلمة لهذه المؤسسات يصنع منها مادة قابلة للتشكيل وإعادة التشكيل مرة أخرى تبعًا لأيديولوجية النظام الحاكم، فإذا سقط الإسلام السياسي اليوم كما في السودان، وجاء بعده الىسار، أو الليبرإليون أو غيرهم، فإننا سنكون أمام استخدام وتلون لأجهزة الدولة في كل مرة.

 أما الدمقرطة فهي الغائبة عن هذه التجارب الإسلامية في الحكم، والدمقرطة تعني هنا التأسيس لمؤسسات حكم تقف على مسافة واحدة من الجميع، ولا تُفرق بين مواطني الدولة على أي أساس غير أساس المواطنة، فلا يعنيها الأيديولوجية السياسية أو الدين أو المذهب أو العرق أو غيره. هذه الدمقرطة غابت عن أُفق الحركات الإسلامية، وتبدلت برغبة عارمة في الهيمنة وبسط النفوذ ومحاولة الحصول على القدر الأكبر من الكعكة -كعكة الوطن -، وهو الخيار الاستراتيجي الذي كان حاسمًا في فشل هذه التجارب، وفي تآكل التيار الإسلامي على امتداد تجاربه الواصلة للحكم.

ويظل التحدي يطرح نفسه؛ فبين تمكين المجتمع عن طريق الدمقرطة لتقويته أما السلطة التي كان منزعها الدائم على مدار القرن العشرين هو الهيمنة عليه، أو تمكين الجماعة عن طريق الأسلمة، بين هذين الخيارين يقع التحدي للحركات الإسلامية.

  1. من أيديولوجيا الهوية إلى خطابات المعاش: في هذه النقطة هناك ملمحان: الأول أن المطالب المتعلقة بمعاش الناس الكريم صارت الأولوية الأولي لهم متقدمة على أيديولوجيا الهوية، بالطبع، استُخدمت ولا تزال تستخدم مسائل الهوية للحشد والتعبئة من أطراف عدة في موجتي الربيع العربي، ولكنها كانت سبيلا لزيادة النفوذ السياسي وتحقيق مكاسب انتخابية، أو للتغطية على قضايا أخري، أو لتحقيق التماسك للقاعدة الاجتماعية المساندة. الطريف أن الأبحاث تقدم أمثلة متعددة لتجاوز القاعدتين الاجتماعية والتنظيمية للحركات الإسلامية لموقف قادتهم حين سارعوا بالانضمام للحراك فما كان من قادتهم إلا أن لحقوا بهم بعد أن رفضوا المشاركة فيها، جري ذلك في لبنان والجزائر والعراق.

الملمح الثاني في هذه النقطة أن المطلوب الآن ليس حديث في المرجعيات الأيديولوجية والأطر الفكرية العامة ولكن تقديم سياسات عامة وبرامج تفصيلية من شأنها أن تعالج مشاكل الناس الواقعية وتجيب على أسئلتهم الصغرى، فالسياسة الآن باتت تدور حول معاش الناس.

ويبقي نقطة أخيرة يحسن مناقشتها هنا هل التعددية بين الإسلاميين التي باتت حقيقة واقعة في المجالات كافة وفي المجال السياسي خاصة تدور حول سياسات عامة متنوعة لها انحيازاتها الاجتماعية الواضحة، أم أن هناك عجز في بعض التجارب عن تقديم هذه السياسات العامة بدليل استمرار معاناة الناس وتراجع الإسلاميين في أي استحقاق انتخابي. تجيب أبحاث المشروع أن الانقسام مبعثه تنافس قيادات هذه الحركات وموقفها قربا أو بعدا من السلطة القائمة كما في الجزائر، أو صراع على النفوذ والموارد كما في العراق، أو تشظي الحالة الإسلامية نتاج الإقصاء من السلطة كما في السودان.

ألخص فأقول إن أولوية المواطن العربي الآن هو الملف الاقتصادي الاجتماعي وليس جدالات الهوية، وأن دور المرجعيات الفكرية عند الإسلاميين أو غيرهم هي تقديم حلول من خلال السياسات العامة لمشكلات الواقع وليس الوقوف عند منطلقاتها النظرية، وهذه الحلول تقدم في المجال السياسي عبر السلطة العامة وليس عبر آليات المجتمع المدني.

  1. حضور النساء: تقدمت النساء في هذه الانتفاضات الصفوف متجاوزة ثنائية الرجل/المرأة التي حكمت التفكير النسوي التقليدي والخطابات الإسلامية التي تقوم على الفصل بينهما مستندة إلى تأويلات محافظة للنص الديني؛ تجاوزت هذه الممارسات نحو أفق المواطنة؛ فلم تعد تدرك ذاتها في المجال العام من منظور ثنائية ذكر/أنثي ولكن من مدخل المواطنة. هذا الاقتراب الجديد الذي دشنته انتفاضات الربيع العربي سيكون له تداعيات على حضور النساء في المجال العام خاصة أن هذا المنظور يدعمه تطور آخر وهو أن قضاياهم باتت تطرح ليس باعتبارها قضايا تخص النساء بل في علاقتها بالقضايا العامة الأخرى وهذا من شأنه أن يوسع القاعدة الاجتماعية الداعمة لها.

ثانيا: إعادة التفكير في السياسة والدولة

كتبت محذرا من أواخر الثمانينات من خطورة تضخم المكون السياسي الصراعي/التنافسي في العمل الإسلامي، وكانت حجتي وقتها أن السياسة بحكم الطبيعة والتعريف تعيد صياغة بقية مكونات العمل كله ليكون على مثالها وصورتها، ويتعمق ذلك في ظل عدم امتلاك نظرية للدولة وفهم لطبيعتها المعاصرة، ويزداد الوضع تفاقما إذا فهمنا أن الإسلام السياسي في جزء منه هو تمرّد على الدولة الحديثة برمّتها: تمرّد على حاكمية هذه الدولة وإطلاقيتها، تمرّد على تطبيقاتها القسرية للحداثة الغربية، ولكن في نفس الوقت يقع في حبائلها، وقد عبر وائل حلاق عن هذا المأزق في كتابه الدولة المستحيلة.

تصرف الإسلاميون في السلطة في مواجهة الاحتجاجات كما تصرف غيرهم، بل تشابهت الخطابات مع أي مستبد يحكم كما يوضح البحث الذي خصص لدراسة ردود فعل الأحزاب الشيعية في العراق، إذ “اعتبرت الأحزاب الإسلامية الشيعية حركة الاحتجاج تهديدًا وجوديًا لقوتهم، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى رفض الاحتجاجات لنظام لعبت الأحزاب الإسلامية الشيعية دورًا مهمًا في خلقه والحفاظ عليه.”

وتضيف الورقة: “استخدمت الجماعات الموالية لإيران تسميات تشمل الانقلاب والمؤامرة الصهيونية الأمريكية والمشاريع السعودية الخليجية لوصف الاحتجاجات”.

وفي تفسيرها للدوافع والأسباب تشير الورقة إلى أنه “يجب النظر إلى هذه الانقسامات على أنها جزء من صراع أكبر بين الشيعة على السلطة والذي هيمن على السياسة العراقية منذ عام 2003، حين سيطرت الأحزاب الشيعية الإسلامية التي تبنت الخطابات الدينية والطائفية على التعبئة السياسية في المناطق ذات الأغلبية الشيعية؛ لغرض البقاء في السلطة بما يعزز الهوية الدينية أو – بشكل أدق – الهوية الطائفية”.

وتضيف الورقة أن الطبيعة الطائفية لنظام العراق السياسي لم تتعرض أبدًا للتهديد الشديد كما جري من هذه الاحتجاجات؛ فقد “هزت الاحتجاجات الحالية البلاد في أسسها، والأهم من ذلك، أن الحركة الاحتجاجية جلبت لاعبا جديدا في السياسة الشيعية؛ الشارع العراقي”.

وتضيف الورقة: “اعترضت الاحتجاجات بشدة على معنى الشرعية السياسية التي ادعت الأحزاب الإسلامية الشيع