الذكرى العاشرة للثورة السورية

إبَّان الإطاحة الدرامية والسريعة بِبن علي في تونس ومبارك في مصر، استَبعد بشار الأسد الأصغر سنًّا والأكثر شعبيةً -كما يُزعم- احتمالَ أن يلقى مصيرًا مشابهًا في تصريحاتٍ أدلى بها على الملأ، فقد كان واثقًا من قدرته على الإبحار في المياه العكرة، والحفاظ على علاقةٍ جيدةٍ مع المجتمع الدولي بالرغم من محاولاته السابقة للعزلة، ما منحه شعورًا بالأمان وبأنه مُنزَّه عن النقد. وقد تعزَّز هذا الشعور الزائف بالأمان من خلال عشر سنواتٍ متتاليةٍ من نموٍّ إيجابيٍّ للناتج المحلي الإجمالي، وزيادةٍ كبيرةٍ في دَخْل الأسر في دمشق وحلب، أكبر مركزين حضريَّيْن في سوريا. وفي واقع الأمر، كانت سوريا -في نظر الأسد والكثير من المراقبين- مُحصَّنةً ضد الثورات العربية.

لقد بدا كلُّ شيءٍ هادئًا على السطح، غير أن أسباب الاضطرابات السياسية والاجتماعية الهوجاء كانت تغلي في الأسفل، وفي الواقع يحكمُ سوريا الأسد أحدُ أكثر الأنظمة قمعًا وعنفًا في التاريخ الحديث. لقد ترافق الصعود الشرس لرأسمالية المقربين من النظام مع تحرير الاقتصاد، بالاضافة للقطاع العام الذي كان ينخره الفساد والمحسوبية. ربما أخذ اندلاع الثورة الشعبية واسعة النطاق في 18 مارس/ آذار 2011 النظامَ السوريَّ على حين غرَّة، بَيْد أن قسمًا كبيرًا من الشعب السوري كان ينتظر أية حجةٍ للتخلُّص من 40 عامًا من الدكتاتورية.

لقد بدأت الثورة السورية كصرخةٍ من أجل الكرامة واستعادة الاستقلال الذاتي مع آمالٍ كبيرةٍ في التغيير، وحملت الأهدافَ ذاتها التي نادت بها ثوراتُ الربيع العربي، وهي: الديمقراطية، وسيادة القانون، والتوزيع العادل للثروة، والمشاركة السياسية، والحكم الفعَّال غير التمييزي. كما نادى النشطاء بقيمٍ عالميةٍ، بُغية حشدِ الشعب السوري والحصولِ على دعم المجتمع الدولي، وكلهم إيمانٌ بأن هذه القيم قد تكون بمثابة أسسٍ لسوريا جديدةٍ، ليردَّ نظامُ الأسد بعنفٍ شديدٍ، حيثُ لم يتردَّد في اللجوء إلى كل ما في جعبته من حيلٍ لإذكاء الانقسام الطائفي والتطرف الأيديولوجي والتوترات العرقية.

وقد أدى ذلك إلى اندلاع أكثر الصراعات دمويةً في القرن الحادي والعشرين، فقد قُتل نصف مليون مدنيٍّ، وتشرد نصف السكَّان قسرًا من منازلهم، ودُمرت البنية التحتية في البلاد. لقد كان تطوُّر الثورة السورية من انتفاضةٍ سلميةٍ إلى صراعٍ مسلحٍ نتيجةً لردِّ فعل الأسد القمعي وتدخل القوى الأجنبية لحماية الوضع الإقليمي الراهن أو تغييره. إن نزعة الأسد لإبقاء قبضته مسلطةً على البلاد دفعته إلى السعي لإحداث الدمار والفوضى وإثارة الخوف خارج حدود سوريا. غير أن المدنيين الأبرياء والعُزَّل هم من دفعَ الثمن الباهظ لهذا الصراع.

ومع دخول الصراع عامَه العاشرَ، تمكَّن بشار الأسد من البقاء في السلطة، كما تحوَّل النضال من أجل الحرية إلى وضعٍ أمنيٍّ وإقليميٍّ ودوليٍّ غاية في التعقيد، راحت مضاعفاتُه تتردَّد في جميع أنحاء المنطقة، وأثَّرت في جيران سوريا، وصولا إلى شواطئ أوروبا. تقدِّم هذه الورقة قراءةً للثورة السورية، وللأسباب الرئيسة التي حالت دون انتصارها، وأطالت أَمَدها وعواقبها، وفي الورقة كذلك مجموعةٌ من التوصيات للشعب السوري الذي ما زال يطمح في إحداث تغييرٍ إيجابيٍّ.

عاجزون عن تحقيق الوحدة

لم تَنقصِ الشعبَ السوريَّ الشجاعةُ أو التصميم في السعي إلى تحقيق أهدافه السياسية، فقد تدفَّق المتظاهرون إلى الشوارع وحاولوا سلميًّا احتلالَ الساحات والمواقع الرئيسة في المدن. وأسبوعًا بعد آخر، ازدادت وحشية النظام، وتعرَّض النشطاء وعامَّة المواطنين للتعذيب والموت عند القبض عليهم من قِبل قوات الأمن. وبالرغم من نقص التدريب والسلاح، حملَ بعضُ المدنيين السلاح لحماية الثورة وردعِ اعتداءات النظام على أبناء جلدتهم. وبالمثل، انشقَّ الضباط عن الجيش والحكومة احتجاجًا على عنف النظام رغم كل الأخطار والتهديدات التي ستحدق بعائلاتهم.

بيد أن إظهار الشجاعة والعزم لم يقابله وجود قيادة موثوقة وقادرة؛ إذ فشلتِ الجهاتُ الفاعلة التقليدية والناشئة على حدٍّ سواء في التغلُّب على خلافاتها الأيديولوجية وتشكيل وحدةٍ هي بأمسِّ الحاجة إليها لتقديم بديلٍ موثوقٍ للأسد. وبعد أنِ استنزفتها الخصوماتُ الشخصية، فشلت جميع محاولات توحيد المعارضة السياسية في تشكيل مشروعٍ شاملٍ يمكنه حشد الدعم الشعبي أو الدولي الكافي، وأصبح الشقاق في صفوف المعارضة موضوعًا متكررًا وذريعةً للمجتمع الدولي لتبرير تقاعسه في سوريا.

وبالمثل، وبتشجيعٍ من الداعمين الإقليميين ذوي الأهداف المتضاربة، فضَّلتِ الجهاتُ المسلَّحة الناشئة استقلالَها الذاتي على تشكيل مقاومةٍ مسلحةٍ متماسكةٍ. كما شعرت المعارضة المسلحة، التي شعرت بالتمكين من خلال القوة التي اكتسبتها حديثًا، بأن من حقها السعي وراء مُثلٍ أيديولوجيةٍ، وراحت الفصائل تسعى إلى فرض يوتوبيا الحُكم الخاصَّة بها، ودخلت في صراعٍ داخليٍّ لحماية مكاسبها السياسية والاجتماعية المتصوَّرة في أثناء دخولها ساحة المعركة ضد كلٍّ من قوات الأسد وجماعات المعارضة الأخرى. وفي نهاية المطاف، أدَّى عدم قدرة المعارضة السورية المسلحة على الاتحاد إلى فشلها في مقاومة استراتيجية الأرض المحروقة التي تبنَّتها قوات النظام، وفَقَدت معظمَ أراضيها بعد سيطرتها على ما يقرب من 60 في المئة من البلاد عام 2014.

ولم يعق تشتُّتُ المعارضة قدرتَها المتأصلة على العمل فحسب، بل شجَّع أيضًا على ظهور مجموعاتٍ جهاديةٍ متطرفةٍ عابرةٍ للحدود، فقد تسرَّب تنظيمُ القاعدة والدولةُ الإسلامية في العراق إلى الثورة مستغلَّين الفراغ، وحشدا المؤيدين في جميع أنحاء العالم للانضمام إليهما في شكليهما الجديدين. وبالاستفادة من القدرات المالية والتنظيمية الفائقة، أقام هذان التنظيمان ملاذاتٍ آمنةً في شرق سوريا، وطردا المعارضة الرئيسة، وغزوَا غربَ العراق، وأعلنا في نهاية المطاف قيامَ الخلافة في عام 2014. لقد أدَّى صعود التيار الجهادي في الساحة السورية إلى تشويه رواية الثورة السورية عن الحرية، وتشويه خطابها تشويهًا لا يمكن إصلاحه.

غير أن هذه الفوضى لم تفد الجهاديين، فقد شجَّعت حزب العمال الكردستاني (PKK) على استجماع قواه في سوريا بعد أن ضَعُف في تركيا. وبموافقة النظام السوري، سيطر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) -الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني- على شمال شرق سوريا وأسَّس إدارةً أخرى، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي ومشهد الحوكمة. كما أدى التوسُّع السريع لحزب الاتحاد الديمقراطي على حدودها الجنوبية إلى تداعياتٍ مضاعفةٍ أثرت في تركيا، وأنهى فعليًّا عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني، ودفَعَ الجيشَ التركي في نهاية الأمر إلى التدخل في الصراع.

الإخفاقات الدولية

بعد كارثة العراق، غدا الانسحابُ من الشرق الأوسط جزءًا أساسيًّا من الخطاب السياسي للولايات المتحدة، واكتفى الغرب بدورٍ سلبيٍّ في سوريا على عكس دوره في ليبيا. لقد تمثَّلت استراتيجية الولايات المتحدة في بادئ الأمر في احتواء الصراع داخل حدود البلاد، ومنع السقوط السريع والدراماتيكي للنظام في دمشق خشية حدوث فراغٍ أمنيٍّ. وقد عبَّرت كلٌّ من واشنطن وباريس ولندن وبرلين عن دعمها السياسي للثورة، وطالبوا برحيل الأسد في مناسباتٍ عدةٍ، لكنهم لم يسعَوا أبدًا إلى الإطاحة به بالقوة، وتُرجِم الدعمُ الغربي في الغالب إلى مساعدةٍ ماليةٍ محدودةٍ للمعارضة، ورسم “خطوطٍ حمراءَ” على أمل ردع دمشق عن استخدام القوة المفرطة.

كما أظهرَ تقاعسُ أوباما في الرد على استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية عام 2013 فشلَ هذه الاستراتيجية. فقد كان لعدم وجود موقفٍ حازمٍ من سوريا تداعياتٌ هائلةٌ على تطور الصراع؛ إذ اعتُبر تقاعس أوباما بمثابة إشارةٍ قويةٍ إلى أن أية قوةٍ عالميةٍ لن تتدخل ضد الأسد حتى وإن استخدم الأسلحةَ الكيماوية. ونتيجةً لذلك، أصبح الأسد وحلفاؤه أكثر جرأةً، فيما استغلَّ المتطرفون مظالمَ الشعب لتوسيع سلطتهم وتأكيدها أكثر فأكثر.

هدَّد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المصالحَ الأمريكية في العراق، ونفَّذ هج