قراءة في التقرير الاستراتيجي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي

اعتاد معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب إصدار تقريره الاستراتيجي بشكل سنوي مطلع كل عام ميلادي، أي إن التقرير الذي بين أيدينا هو التقرير الثاني خلال عام واحد للمرة الأولى منذ أن بدأ المعهد إصدار تقريره الاستراتيجي.

وقد أوضح المعهد أن هذا التقرير يخصُّ النصف الثاني من عام 2021، وأنه صدر بشكل استثنائي نتيجةَ متغيرات دولية ومحلية حدثت خلال النصف الأول من العام، أهمُّها وجود إدارة أمريكية جديدة وقرارها بإعادة إيران إلى الاتفاق النووي، وتولي حكومة إسرائيلية جديدة، وتصاعد حالة التوتر داخل المجتمع الإسرائيلي بما في ذلك الاشتباكات بين العرب وإسرائيل داخل المدن الإسرائيلية[1].

هناك ملاحظة شكلية حول التقرير، فأكثر التحديات التي تضمَّنها التقرير السابق (يناير 2021)[2] جاءت كما هي في التقرير الحالي، أو بإضافات محدودة تتناسب مع التطورات السياسية الدولية والإقليمية، وربما كان الأنسب لو كان التقرير الحالي مجرَّد تحديث للتقرير الأساسي الصادر في بداية العام.

حين ننظر إلى المتغيرات الجديدة وانعكاسها على ما جاء في التقرير الحالي من تحديات وتوصيات ونقارنها بما جاء في التقرير السابق لن نجد جديدًا فيما يتعلَّق بالتحديات إلَّا في قضيتين: الأولى تتعلَّق بمحاولة إدارة بايدن إعادة إيران إلى الاتفاق النووي، والأخرى بما حدث من اشتباكات واسعة داخل المدن المحتلة بين العرب واليهود قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة وفي أثنائها، وتنامي التأييد الفلسطيني لحركة حماس في مناطق السلطة الفلسطينية. أما في التوصيات، فهناك نقاط تستحقُّ المناقشة تتعلَّق بدور إسرائيل تجاه حالة الانهيار التي يواجهها لبنان، وتجاه أزمة المياه في الأردن، ومرحلة ما بعد أبي مازن، وكذلك حالة المجتمع الإسرائيلي والاشتباكات بين العرب واليهود داخل المدن المحتلة.

إيران

عادةً ما تأتي إيران على رأس التحديات الاستراتيجية التي تواجهها إسرائيل. وقد رصد التقرير نقطتَيْن رئيستَيْن: الأولى تتعلَّق بالبرنامج النووي الإيراني ووصول الإيرانيين إلى مستوى متقدِّم في تخصيب اليورانيوم، وتشغيل أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وشروعهم في إنتاج اليورانيوم المعدني، مع عدم وضوح إن كانت لدى إيران الرغبةُ الفعلية للعودة إلى الاتفاق النووي أم لا. أما النقطة الأخرى، فتتعلَّق باستمرار التمدُّد الإيراني وزيادة تأثيرها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد أوصى التقرير بضرورة التعاون مع الولايات المتحدة للضغط على إيران للعودة إلى الاتفاق، بالتوازي مع تجهز إسرائيل للقيام بعمل عسكري ضد إيران في حال فشل المفاوضات.

يبدو احتمال قيام إسرائيل بعمل عسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية أمرًا مستبعدًا للغاية، ورغم توصية التقرير بذلك في حال فشل مفاوضات عودة الإيرانيين إلى الاتفاق النووي، فإن ذلك لن يحدث دون موافقة الأمريكان بالطبع، وإذا كانت التقديرات الإسرائيلية وقت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب كانت تستبعد احتمالية قيام الولايات المتحدة بأيِّ عمل عسكري بهذا المستوى ضد إيران أو سماحها بذلك[3]، فإن هذا الاحتمال أصبح بعيد المنال بالنسبة إلى إسرائيل في ظل إدارة بايدن. وجلُّ ما يمكن أن يحدث بين الدولتَيْن هو تلك العمليات المحدودة التي تجري بينهما في البحار باستهداف كل طرفٍ سفن الآخر، أو توظيف حلفاء إقليميين (منظمات أو ميليشيات عسكرية) في هذا الصراع دون أن يؤدي ذلك إلى الذهاب لمواجهة شاملة لا تريدها إيران ولا إسرائيل[4]. ومن ثَمَّ فإن سيناريو الحرب الباردة القائم في الأصل بين الدولتَيْن مرشَّحٌ في هذه الحالة للاستمرار في ظل المكاسب الاستراتيجية التي يحققها كلُّ طرف نتيجة وجود الطرف الآخر بوصفه تهديدًا إقليميًّا، ما يعني أن إيران وإسرائيل مستفيدتان من حالة اللاسلم واللاحرب القائمة بينهما.

الجبهة الشمالية

احتلَّ الوضع في لبنان موقعَ الصدارة في هذه الجبهة، سواء في التحديات أو التوصيات. واعتبر التقرير أن ما يعانيه لبنان من انهيار اقتصادي بسبب صراع القوى السياسية مسألةٌ شديدة الحساسية بالنسبة إلى إسرائيل، خاصةً أن المؤسسات الدولية والدول المانحة الراغبة في مساعدة لبنان تضع شروطًا قاسية للإقراض، وطبقًا للتقرير فإن هذا الوضع الصعب يقيّد خيارات حزب الله تجاه التصعيد ضد إسرائيل، وإن ظلَّ احتمالًا واردًا.

والحقيقة أن الحسابات الإسرائيلية فيما يتعلَّق بمحدودية خيارات حزب الله تجاه التصعيد ضد إسرائيل حساباتٌ صحيحة وتتوافق مع الظروف السياسية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، وعدم قبول الشارع اللبناني في أغلبه أو استعداده لأن يُقدم الحزب على مثل هذه المغامرة التي ستعجل بانهيار الدولة وفشلها، وقد أظهرت بعض الفيديوهات المصورة من الجنوب اللبناني قيام سكان قرية شوَيا الدرزية باعتراض راجمة صواريخ تابعة لحزب الله، والاعتداء على بعض عناصر الحزب بعد إطلاقهم الصواريخ باتجاه شمال الأراضي المحتلة، رفضًا لما يقوم به الحزب من جرِّ لبنان إلى حربٍ لخدمة المصالح الإيرانية، لا اللبنانية[5].

يدرك حزب الله جيدًا أن التماسك المجتمعي اليوم في لبنان لم يعُد مثلما كان في حربه السابقة ضد إسرائيل في عام 2006، ومن ثَمَّ فإنه -رغم تبعيته لإيران- لن يكون راغبًا في خوض حرب جديدة في ظل هذا الانهيار الاقتصادي والسياسي، خاصةً أنه متهمٌ بأن المواد التي أدت إلى انفجار المرفأ في العام الماضي كانت تابعةً له[6]. ولذلك فإن القصف الصاروخي الذي قام به حزب الله تجاه شمال الأراضي المحتلة ردًّا على القصف الإسرائيلي استهدف مناطقَ مفتوحةً لتجنُّب التصعيد.

لم يكن حزب الله وحده مَن استهدف مناطقَ مفتوحةً، فالقصف الإسرائيلي أيضًا كان على مناطق مفتوحة في الجنوب اللبناني[7]، أي إن إسرائيل كذلك لم تكن تريد التصعيد، وذلك يعود لسببَيْن: أولهما أن إسرائيل التي لم تستطع أن تحقق أيًّا من أهدافها في حربها الأخيرة على غزة تدرك أن إمكانات حزب الله العسكرية أكبر كثيرًا مما تمتلكه المقاومة الفلسطينية المحاصرة؛ حيث كانت قوة حزب الله الصاروخية فقط في عام 2018 تُقدَّر بما يصل إلى 140 ألف صاروخ طبقًا للتقديرات الإسرائيلية[8]، ومن المؤكَّد أن هذه القوة قد زادت كثيرًا في الأعوام الثلاثة الأخيرة، مما يجعل قيام إسرائيل بخوض مغامرة جديدة في الجنوب اللبناني أمرًا محفوفًا بالمخاطر، وقد تكون نتيجتها أسوأ بكثيرٍ من نتائج حربها السابقة عام 2006.

أما السبب الآخر فيرتبط بالتخوف الإسرائيلي من دخول لبنان في حرب أهليَّة باتت مؤشراتها تتردَّد على ألسنة بعض اللبنانيين نتيجة حالة الانهيار التي تعيشها البلاد، ولذلك لم يكن غريبًا أن يوصي التقرير بأن تقوم إسرائيل بجهود دولية وإقليمية لمنع انهيار لبنان والوصول إلى مرحلة الفوضى الشاملة التي قد تؤدي إلى حرب أهليَّة تفضي بدورها إلى سيطرة حزب الله، وفي هذا السياق يمكن فهم العرض الإسرائيلي الذي أعلنه وزير الدفاع بيني جانتس الأسابيع الماضية بتقديم مساعدات إنسانية للبنان من خلال اليونيفيل[9]. لكن على الرغم من ذلك، أوصى التقرير بأن تتجهز إسرائيل للمواجهة العسكرية ضد حزب الله، مع بذلها كل الجهود الممكنة لتجنُّب وقوع هذا الصراع.

أما في سوريا فإن الوجود الروسي باعتباره القوة المهيمنة هناك يبقى الضامن لأمن إسرائيل، لكن مع ذلك يظل وجود إيران وأتباعها، ومنافسة إيران لروسيا على التأثير في الشأن السوري مصدرَ تهديد بالنسبة إلى إسرائيل. وفي هذا السياق أوصى التقرير بأن تضع إسرائيل سياسةً فعالةً لإخراج إيران وأتباعها من سوريا من خلال التعاون الدولي والإقليمي وتأييد حلفاء إسرائيل المحتملين في سوريا.

يبدو هدف إخراج إيران من سوريا أمرًا مستبعدًا على المدى المنظور. ورغم ما تقوم به إيران أحيانًا من تخفيض للقوات الموالية لها في سوريا مثلما حدث في العام الماضي[10]، وكذلك العام الحالي، فإن ذلك راجعٌ لخفض إيران الرواتب التي كانت تقدمها للمقاتلين الشيعة المُستقدَمين من أفغانستان وباكستان[11]. ومن المؤكَّد أن المصالح الاستراتيجية الإيرانية تفرض عليها البقاء في سوريا، وعدم الخروج منها إلَّا حال أُجبرت على ذلك من قِبَل الروس الذين لن يفعلوا ما قد يؤدي إلى خسارة الحليف الإيراني[12]، وإن كان يهمهم تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، وتقليل التهديدات التي يمكن أن تُسبّبها القوات الإيرانية هناك لإسرائيل.

الوضع الفلسطيني والموقف في غزة

فصل التقرير في الشأن الفلسطيني بين الحالة الفلسطينية عامَّة، والوضع في غزة على وجه الخصوص. وقد ركَّز التقرير في المسألة الأولى على تحديين: أولهما العلاقة التي أظهرتها عملية حامي الأسوار بين ما حدث من صدام في غزة وما وقع في القدس وفي كل مكان داخل إسرائيل، خاصةً في المدن التي يتشارك العرب واليهود سُكناها، وهو الأمر الذي اعتبره التقرير مصدرَ تحدٍّ كبير. أما التحدي الآخر فيتعلَّق بـ “مرحلة ما بعد أبي مازن”، وهي مرحلة باتت قريبةً للغاية، خاصةً مع التآكل المستمر لشرعية السلطة الفلسطينية، في الوقت نفسِه الذي تتزايد فيه شعبية حركة حماس بين الجمهور الفلسطيني.

واللافت للنظر هنا أن التقرير رغم توصيته بالاستعداد لمرحلة ما بعد أبي مازن، لم يحدِّد أيَّ خطوات في هذا الشأن.

وقد أوصى التقرير بتقوية السلطة الفلسطينية، والاحتفاظ بالسلطة بوصفها شريكًا في أيِّ ترتيبات مستقبلية من خلال حوار سياسي رفيع المستوى، وتعميق التنسيق الأمني معها. كما أوصى بأن تكون إسرائيل جاهزةً لنهاية مرحلة أبي مازن خاصةً في ظل تعاظم حركة حماس. وبالنسبة إلى غزة، ينبغي على إسرائيل الوصول إلى هدنة طويلة الأمد في غزة من خلال وساطة مصرية وتعاون دولي تتضمَّن إعادة البناء وتنمية اقتصادية، مع وضع آلية فاعلة لمنع تعاظم قوة حركة حماس، في الوقت نفسِه الذي تقوم فيه إسرائيل بتعزيز جاهزيتها لعمل عسكري قد يتضمَّن اجتياحًا بريًّا يوقع أضرارًا هائلة بالذراع العسكرية لحركة حماس.

وقد رأى التقرير في المسألة الأخرى أن معركة حامي الأسوار كانت بمثابة جرس إنذار لإسرائيل، فعلى الرغم من أن الفصائل الفلسطينية في غزة -وعلى رأسها حركة حماس- لا ترغب في التصعيد، فإن احتمال المواجهة الواسعة يظل أمرًا محتملًا، وفي هذه الحالة يجب أن يستخدم الجيش الإسرائيلي إمكاناته القاتلة ليوقع أكبر الخسائر في الفصائل الفلسطينية. تكْمُن المشكلة هنا في ما ستتعرض له الجبهة المدنية الأمامية في إسرائيل من قصف عنيف، واحتمال تغلغل قوات فلسطينية داخل المناطق الإسرائيلية، مع القيام بهجمات إلكترونية ومعلوماتية ضد إسرائيل، أضف إلى ذلك أن الإنجاز الإعلامي وتحقيق أهداف سياسية وإعلامية لصالح إسرائيل بعد انتهاء الحرب الأخيرة لم يكن بالمستوى المنشود، وهو ما عبَّر عنه التقرير بالحديث عن الفجوة بين الأهداف العملياتية والسياسية، وهذا الذي جعل التوصيات تركِّز على تقليص هذه الفجوة في أيِّ عمل عسكري لاحق، وأن تكون لدى إسرائيل القدرةُ على التعامل مع المتغيرات، ومعرفة كيف يتصرف العدو، والعمل على أن يكون المجتمع الداخلي في إسرائيل جاهزًا لتلافي حالة الكراهية والخوف التي كشفتها الحرب الأخيرة ضد غزة من صدامات بين اليهود والعرب في كافة المدن الإسرائيلية تقريبًا، ومن ثَمَّ ضرورة تحسين العلاقات بين اليهود والعرب داخل إسرائيل، خاصةً أن إحصائيات استطلاعات الرأي التي قام بها المعهد تُظهر أن التوتر بين اليهود وعرب 48 مصدرُ قلق داخلي كبير. ففي استبيان حول أكثر ما يخيف الإسرائيليين، أجاب 52% ممَّن شاركوا في الاستبيان أنهم يخشون من الصراع الداخلي بين اليهود والعرب داخل المدن الإسرائيلية، كما أن نسبة 64% من المستطلعة آراؤهم رأوا ضرورة أن تنفق الحكومة على عرب 48 مثل ما تنفقه على اليهود دون تمييز، أو تنفق على العرب ما يحتاج إليه الأمر للإسراع بسدِّ الفجوة بين اليهود وعرب الداخل.

لقد مثَّل تفاعل عرب 48 مع أحداث الحرب الأخيرة على غزة، والمواجهات التي اندلعت بينهم وبين اليهود داخل الأراضي المحتلة- مفاجأةً صادمةً وغير متوقعة لإسرائيل، جعلت كثيرًا من المحللين يتحدثون عن التهديد الوجودي الذي تتعرض له إسرائيل نتيجة انكشاف مدى هشاشة المجتمع الإسرائيلي[13]. فقد كانت إحصائيات الأعوام السابقة تقول بأن 20% فقط من فلسطينيي 48 يعتبرون أنفسهم إسرائيليين، بينما غالبيتهم كانوا يعتبرون أن الهوية الإسلامية أو العربية هويتهم الأساسية، وأن الهوية الإسرائيلية بالنسبة إليهم هوية فرعية، وكان ذلك يتكشف بمجرَّد وقوع أحداث تتعلَّق بالقضايا الإسلامية أو المسجد الأقصى، مثلما حدث في أحداث المسجد الأقصى والشيخ جراح والحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة؛ حيث تكون مثل هذه الأحداث مناسبةً للتأكيد على أن عكا والقدس وحيفا ويافا واللد وغيرها مدن فلسطينية ستعود إلى أصحابها يومًا ما[14]. وهذا بالطبع