توضّح مطالعة التطورات الطارئة على المشهد اللبناني مؤخراً وفي المرحلة الحديثة أنّ الأزمة اللبنانية في عناصرها سياسية الأصل، وهي تعود لفقدان الحوكمة الرشيدة والسياسات الاقتصادية العاقلة من جهة، ولسعي الأطراف منذ تأسيس لبنان إلى استدعاء قوى إقليمية ودولية للتدخل عن طريق الرعاية والتمويل من جهة ثانية. أمّا في الشق الاقتصادي والمالي، فتنطوي الأزمة على مشاكل بنيوية وفساد أدى إلى سقوط لبنان في مديونية تعتبر من بين الأعلى في العالم مع قطاع مصرفي ترهّل وزادت هشاشته حتى انهار.

وبالتزامن مع النهج السياسي-الاقتصادي، استندت القوى السياسية اللبنانية بمعظمها إلى العنصر الطائفي، كونه جوهر الكيان اللبناني، واعتبرت وسوقت لفكرة ضرورة الحفاظ على أهمية هذا العنصر وفاعليته كي لا يفتقد التوازن بين الطوائف ويسقط الكيان برمته.

ولهذا فقد تراكمت تداعيات الممارسات الفاسدة حتى انفجرت في العام 2015، واتضح من تعاطي القوى السياسية مع الأزمة المندلعة آنذاك أنها تلتقي على إجهاض أي تحرك مطلبي وشعبي، والتمسك بالصيغة القائمة رغم الاختلاف على قواعد اللعبة السياسية-المصلحية.

انهيار لبنان الكبير في مئويته الأولى وفشل محاولات بناء الدولة في بلد الطوائف

لم يفلح لبنان الكبير منذ تأسيسه على أيدي الفرنسيين، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، في تكوين هوية وطنية موحدة؛ إذ صنع الفرنسيون زعماء متعدّدين لمجموعات طائفية متعدّدة، ووزعوا الحصص عليهم مع تقديم الموارنة بشكل كبير على الطوائف الأخرى كافّة منذ كتابة دستور ١٩٢٦، فطغت على صورة لبنان منذ تأسيسه مخاوفُ الأقليات وصراعات الطوائف، ما أسقط المفهوم الوطني الجامع من قاموس اللبنانيين.

لقد عقد اللبنانيون منذ إقامة لبنان الكبير جملة تسويات بعد مساومات بدأت بميثاق ١٩٤٣ الذي وزع السلطات بين الطوائف لمصلحة الموارنة كما أسلفنا، مستنداً إلى دستور ١٩٢٦ الذي وُضِع بعد ولادة لبنان الكبير عام ١٩٢٠.

خلقت هذه التسوية تفاوتاً رهيباً على المستويات الاجتماعية والاقتصادية، فازدهرت العاصمة بيروت وجبل لبنان، وناءت الأطراف تحت ضغط الفقر والبطالة وسوء الخدمات.

وفي عام ١٩٥٨، ارتأى اليمين اللبناني حينها ضرورة الانضمام إلى حلف بغداد، ما دفع البلاد إلى صراعات أنتجت تسوية جديدة أدت إلى العودة إلى عدم انخراط لبنان في أحلاف أو محاور، وفرضت تلك التسوية تحقيقَ قدرٍ من التوازن في توزيع الوظائف العامة، ودخل لبنان مرحلة إصلاحات سياسية وإدارية لم تلامس جوهر مشكلة البلاد الطائفية التمييزية. شهدت الفترة الشهابية، أواخر الخمسينيات وكذلك الستينيات، محاولات حثيثة لبناء دولة ومؤسسات وإدارات عامة يُعتدّ بها.

ومع انطلاق المقاومة المسلحة لمنظمة التحرير الفلسطينية، حصلت صدامات بين الجيش والفلسطينيين أفضت إلى اتفاق في القاهرة، برعاية جمال عبد الناصر، يقضي بإقامة قواعد عسكرية في جنوب لبنان وعدم عودة المخافر العسكرية اللبنانية إلى المخيمات، وزاد من الحضور الفلسطيني العسكري ما جرى في أيلول/سبتمبر ١٩٧٠ من أحداث دموية بين الجيش الأردني والفلسطينيين هناك، ما دفع القيادة الفلسطينية إلى الانتقال إلى لبنان لإدارة المقاومة المسلحة. ويؤرخ لاتفاق القاهرة كتسوية ثالثة بعد تسويتي ١٩٤٣ و١٩٥٨.

وشهد لبنان، بعد توقيع اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩، صراعاتٍ ذات أوجه متعدّدة: صراعات حول هوية لبنان (العربي)، وحول عقيدة لبنان (يمين ضد اليسار)، وحول التوجه السياسي (مع المقاومة الفلسطينية)، وحتى خلاف على نهائية الكيان اللبناني من عدمه. وقد أفضت هذه الخلافات إلى حرب أهلية مدمرة استدعت تدخلات عسكرية من كل حدب وصوب، فاستحالت البلاد مسرحاً لكل أنواع اقتتال الإقليم وساحة للصراع الأممي، بالإضافة إلى تحول لبنان إلى مختبر لتجربة كل الوسائل اللازمة في الصراعات والنزاعات. فقد اندلعت حروبٌ من كل الأشكال بين اللبنانيين والفلسطينيين، والمسلمين والمسيحيين، والمسيحيين فيما بينهم والشيعة كما السُّنة فيما بينهم، حروب متناسلة مع إسرائيل ومعارك مع السوريين أفضت في نهاية الأمر إلى اتفاق الطائف الذي وُقّع بحضور كل الأطراف اللبنانية الممثّلة في مجلس النواب باعتراض من قائد الجيش، ورئيس الحكومة الانتقالية ميشال عون، الذي أطلق حروب تحرير وإلغاء انتهت بإغارة الطيران السوري على قصر بعبدا بعد تسوية بين الغرب وحافظ الأسد أفضت إلى مغادرة عون القصر إلى السفارة الفرنسية ومنها إلى فرنسا.

الطائفة كلمة السر

تحكم الحسابات الطائفية قرارات القوى اللبنانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا تنطلق التعقيدات الحكومية الراهنة وسواها من التحديات، وعلى هذه الأركان استندت مكونات السلطة كي تستقطب الناس، وتواجه خصومها، وتستدعي القوى الإقليمية لدعمها، وتبني إمبراطوريات مالية وسياسية يصعب اختراقها.

 

وبموجب هذه المعادلة، تقاسمت القوى السياسية وظائف الدولة وخيراتها على مرحلتين:

  • المرحلة الأولى بين عامي ١٩٩٢ و٢٠٠٥، حيث توزعت السلطة والمصالح برعاية وإدارة سوريتَيْن مباشرتَيْن بين أحزاب المستقبل، والمردة، والكتائب، وحركة أمل، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب الله وفقاً لأولويات حلفائه من غير الأحزاب المذكورة، ناهيك عن تقديمه البعد الإقليمي على حساب المحلي.
  • والمرحلة الثانية من عام ٢٠٠٥، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري حتى يومنا هذا، حيث أضيف إلى القوى السياسية التيار الوطني الحر وحزب الله الذي انغمس في العمل السياسي والحكومي ولحقت بهما القوات اللبنانية.

ومنذ هذا الحين وإلى اليوم بلغت الطائفية ذروتها، وكذلك الزبائنية التي حرمت المواطن من حقوقه ما لم يمر عبر هذه القوى حصراً وزعمائها بشكل أدق، إذ حصرت تسمية وزراء الحكومة كل حسب طائفته ومذهبه دون السماح لأي طرف بتسميات من خارج طائفته، وتكاد وظائف القطاع العام من الفئة الأولى إلى أدنى الفئات وحتى المياومين تكون محصورة في مَنْ هم محسوبون على الأحزاب، بل تُقسم المناصب وفقاً لحصة كل طائفة.

أمّا بالنسبة إلى المشاريع العامة، فكثيرة هي المناقصات التي تتم بالتراضي بين الخصوم، على أن يحصل كل طرف على حصته. بمعنى آخر، يجري استخدام الموارد العامة لتحقيق المنفعة الخاصة. فتوزع الفساد على القطاعات كافّة: كهرباء وبواخر الطاقة، ونفايات، ومحروقات، واتصالات وإنترنت غير شرعي، وأملاك بحرية، وبنى تحتية وتعهدات، ومرافق عامة مثل الكازينو، والمستشفيات الحكومية وصناديق الإغاثة والجنوب والصناديق المتفرعة كلها.

بداية الحراك المدني : شرارة آب/أغسطس 2015

يؤرخ الجميع للعام ٢٠١٥ بكونه عام انطلاق الحراك المدني اللبناني البعيد عن الاصطفافات السياسية والطائفية والمذهبية، وهو حراكٌ عَبَّر عن وجع الناس وغضبهم من سوء الإدارة والفساد السياسي والعجز عن اتخاذ قرارات على المستويات كافّة. وقد جاء هذا الحراك بعد قرارين متتاليين بتأجيل الانتخابات النيابية اتخذهما مجلس النواب تباعاً في ٣١ أيار/مايو ٢٠١٣ بسبب “عدم الاستقرار في البلاد على خلفية الصراع في سوريا، ونظراً لعدم الاتفاق على قانون انتخابي جديد”، وفي العشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١٤، للأسباب ذاتها، توسطهما فراغ في سدّة الرئاسة الأولى بدأ في أيار/مايو ٢٠١٤ واستمر حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٦. والمفارقة أن التمديد وقتها تمّ بحجّة تفادي الفراغ الشامل، بعد عجز المجلس الممدّد له عن انتخاب رئيس للجمهورية، والتوافق على قانون للانتخابات النيابية، والبتّ في سلسلة الرتب والرواتب، وإقرار الموازنة، ودفع الرواتب في موعدها، ما وضع النظام اللبناني برمّته في أزمة سياسية ودستورية أدت مع الوقت إلى بلوغه حد الانهيار الموائم والموازي للانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي الذي حصل عام ٢٠١٩.

في ١٧ تموز/يوليو من العام ٢٠١٥، ومع انتهاء عقد شركة سوكلين المكلّفة بجمع النفايات في العاصمة وعدد من المناطق، وبُعيدَ إقفال مطمر الناعمة الذي يستقبل نفايات العاصمة، اندلعت أزمة سياسية في لبنان كان عنوانها تراكم النفايات في الشوارع وفقدان السياسات الحكومية لمعالجة تلك الأزمة. وقد أظهرت هذه الأزمة بوضوح تغوّل الفساد من جهة، وتآكل مؤسسات الدولة من جهة ثانية، فما طالب به المواطنون وقتها كان أموراً بديهية تهدف إلى “تبني طريقة مستدامة لمعالجة النفايات، وفرزها من المصدر، ومعالجتها في مراكز متخصّصة في كل قضاء”. وفي ٢١ تموز/يوليو، أُعلن عن تكوين مجموعة “طلعت ريحتكم” التي لم يتجاوز عددها الخمسة عشر يومها، والتي اتجهت لرمي النفايات صوب السراي الحكومي. وقد شكّل ٢٢ آب/أغسطس ٢٠١٥ منعطفاً رئيساً من حيث الأعداد المشاركة في التظاهرة يومها واستخدام القوى الأمنية العنف المفرط كذلك.

ورغم أحقية مطالبه، عجز الحراك الأهلي عن خلق تنظيم وهيكلية واضحة وطنية له، عابرة للطوائف والمناطق، وعجز أيضاً عن إبراز أصوات مؤثرة تتحدث باسمه وتقنع الرأي العام اللبناني بأفكاره.

نقطة اللاعودة

بعد شغور رئاسي قاسٍ على الدولة والإدارة والاقتصاد دام لأكثر من عامين ونصف العام، وفي ٣١ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٦، انتُخب ميشال عون رئيساً للجمهورية بموجب تسوية سياسية بين القوات اللبنانية (سمير جعجع – ماروني) والتيار الوطني الحر (ميشال عون – ماروني)، نتيجةَ ما عُرف باسم تفاهم معراب أولاً، والتحاق تيار المستقبل (سعد الحريري – سني) بالقوات بإجراء تسوية مع التيار الوطني الحر ثانياً. وأفضت هذه التسوية إلى تلازم انتخاب عون بتكليف الحريري بتشكيل حكومة تتمثّل فيها القوات اللبنانية إلى جانب الأطراف الأخرى، وهذا ما حصل.

وفي ١٨ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٦، شكّل الحريري الحكومة الأولى في عهد عون، والتي أقرّت في 14 حزيران/يونيو ٢٠١٧ قانوناً جديداً للانتخابات النيابية يعتمد النظام النسبي وتقسيم لبنان إلى ١٥ دائرة انتخابية، إلى جانب إقرار الصوت التفضيلي على أساس القضاء (الدائرة الإدارية).

 ولكن كان لاستقالة الحريري من الرياض في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٧ وَقْعٌ مدوٍّ على المشهد السياسي اللبناني، وكذلك على الواقع المالي والاقتصادي، وشكّلت منعطفاً وإشارة واضحة إلى تبدّل اهتمامات السعودية واعتمادها سياسة إدارة الظهر لما يجري في لبنان من حينها إلى يومنا هذا.

جرت الانتخابات وعاد الحريري إلى رئاسة الحكومة مكلفاً بتاريخ ٢٤ أيار/مايو ٢٠١٨، ومشكّلاً لها بتاريخ ٣١ كانون الثاني/يناير ٢٠١٩، بتأخير قارب الأشهر التسعة في مؤشر إلى أولى تعقيدات العلاقة بين الرئيسين. آثار المحاصصة والممارسات الفاسدة كانت تشتدّ، ووضع المصارف والليرة لم يكن مطمئناً إلى أن أعلنت الحكومة برئاسة الحريري في ١٧ تشرين الأول/أكتوبر 2019 عزمها فرض رسم مالي على الاتصالات المجانية عبر تطبيقات المراسلة الإلكترونية مثل “واتس آب”. وقد فجّرت تلك الخطوة غضب لبنانيين كانوا قد بدأوا قبل أسابيع يلمسون مؤشرات أزمة اقتصادية حادة، فنزلوا إلى الشوارع تعبيراً عن رفضهم للقرار، مردّدين شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”. تراجعت الحكومة عن فرض الرسم المالي، لكن الاحتجاجات الشعبية استمرت وتصاعدت وخلفت قتلى وجرحى. وبدأ القطاع المصرفي بالترنح مع إجرائه تحويلات غير أخلاقية إلى الخارج لأصحاب المصارف وبعض المتنفذين بحسب الدعاوى المقامة من أكثر من طرفٍ على المصارف في لبنان وفي الخارج.

وتحت ضغط الشارع، استقال الحريري في 29 تشرين الأول/أكتوبر، أي بعد حوالي أسبوعين من اندلاع الاحتجاجات وبعد صدامات بين المتظاهرين ومؤيدين لحزب الله (حسن نصرالله – شيعي) وحركة أمل (رئيس مجلس النواب نبيه بري – شيعي)، الذين مزقوا خيم المحتجين وتعرضوا لهم بالضرب وسط العاصمة. وقد استاء التيار الوطني الحر كما الثنائي الشيعي -أي حركة أمل وحزب الله- من استقالة الحريري.

وبتاريخ ١٩ كانون الأول/ديسمبر، كُلف الدكتور حسان دياب بتشكيل حكومة اللون الواحد التي لم تكسب لا ثقة الداخل ولا الخارج على الرغم من تقديمها خطة اقتصادية مقبولة. فقد عجزت حكومة دياب عن تسويق الخطة وتحشيد رأي عام دولي حولها، وسط عدم رغبة النخبة السياسية بإجراء الإصلاحات الضرورية وتوزيع الخسائر التي مُنيت بها البلاد، ما ترك الناس وحدهم عرضةً لدفع الخسائر إلى يومنا هذا بدل توزيعها على الدولة ومصرف لبنان المركزي والمصارف التجارية الخاصة.

أبرز المبادرات التي طرحت وفشلها

أ. مذكرة الحياد

واصل الوضع السياسي تأزّمه، أمّا حكومة دياب فظلّت عاجزة عن إحداث خرق على المستويات كافّة، وانطلاقاً من التدهور الحاصل، دعا البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، في الخامس من تموز/يوليو ٢٠٢٠ من الديمان، إلى تبنّي لبنان سياسة الحياد، وأعاد شرح ذلك في مذكرة، نشرها في 17 آب/أغسطس، ربطت الحياد “بأبعاد ثلاثة مترابطة ومتكاملة وغير قابلة للتَّجزئة”:

البُعد الأوَّل: هو عدم دخول لبنان قطعيًّا في أحلافٍ، وامتناع أيِّ دولة إقليميَّة أو دوليَّة عن التَّدخُّل في شؤونِه أو الهيمنة عليه أو اجتياحه أو احتلاله أو استخدام أراضيه لأغراض عسكريَّة.

البُعد الثَّاني: هو تعاطف لبنان مع قضايا حقوق الإنسان وحرِّيَّة الشُّعوب، ولا سيَّما العربيَّة منها، التي تُجمِع عليها دولُها والأمم المتَّحدة؛ وبذلك يُواصِل لبنان الدِّفاع عن حقِّ الشَّعب الفِلسطينيّ والعمل على إيجاد حلٍّ للَّاجئين الفِلسطينيّين، لا سيَّما الموجودين على أراضيه.

البُعد الثَّالث: هو تعزيز الدَّولة اللُّبنانيَّة لتكون قويَّةً عسكريًّا بجيشها وبمؤسَّسَاتِها وقانونها وعدالتها وبوحدتها الدَّاخليَّة وإبداعاتها، لكي تضمن أمنها الدَّاخليّ من جهة، وتدافع عن نفسها بوجه أيِّ اعتداءٍ برِّيٍّ أو بحريٍّ أو جوّيٍّ يأتيها من إسرائيل أو من سواها من جهة أخرى. ويَستلزم لبنانُ الحيادي أن يُصارَ إلى معالجةِ الملفَّات الحدوديَّة مع إسرائيل على أساس خطِّ الهدنة، وترسيم الحدود مع سوريا أيضًا”.

لم ينل طرح الراعي إعجاب جميع الفرقاء اللبنانيين، وعلى رأسهم حزب الله. وفي حين دعم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط (درزي) الراعي بتغريدة قال فيها: “نعم يحق للبطريرك الراعي أن يطالب بالحياد، الحياد الإيجابي على الأقل”، رفض رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان فكرة الحياد. وقال قبلان: “من السخافة والنذالة أن نجد من يتعاطف مع الخونة والعملاء تحت عناوين شتّى تريد تشويه صورة لبنان المقاوم والمنتصر على العدو الصهيوني بغية إخراجه من دائرة الصراع مع عدو ظالم لا يزال محتلاً لأرضنا وينتهك على الدوام سيادتنا فضلاً عن سرقة ثرواتنا المائية والنفطية”. أما رئيس التيار الوطني الحر النائب، جبران باسيل، فلفت إلى أن “التيار مع تحييد لبنان، وطبقنا هذا الموضوع في وزارة الخارجية أيضاً”، معتبراً أنّ “التحييد هو قرار ذاتي، أما الحياد فهو قرار مطلوب منا ومن الغير”. وقد ظلّ هذا الأخذ والرد يتفاعل حتى 4 آب/أغسطس.

ب. المبادرة الفرنسية: انفجار 4 آب/أغسطس ودخول فرنسا إلى المشهد اللبناني

في الرابع من آب/أغسطس ٢٠٢٠، وقع انفجار مرفأ بيروت الذي سُمع دويّه في جزيرة قبرص البعيدة ٢٤٠ كيلومتراً عن لبنان، بل عُدَّ واحداً من أعنف وأكبر الانفجارات غير النووية في العالم.

بعد يوم ونيف على الانفجار، توجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت، وكان لحضوره الأثر الأكبر على الناس الذين تجوّل بينهم وخاطبهم بعاطفة غير مسبوقة. وفي نهاية جولته، خاطب ماكرون في مؤتمر صحافي الطبقة السياسية بالقول: “أنتظر من السلطات اللبنانية أجوبة واضحة حول تعهداتها بالنسبة لدولة القانون والشفافية والحرية والديمقراطية والإصلاحات الضرورية”. بعد ستة أيام من الانفجار، استقالت حكومة دياب تحت ضغط وزراء مشاركين فيها وقوى سياسية أرادت التخلّص من دياب وحكومته. في الحادي والثلاثين من شهر آب/أغسطس ٢٠٢٠، كلّف عون سفير لبنان في ألمانيا، مصطفى أديب، بتشكيل الحكومة بعد أن حصل الأخير على غالبية 90 صوتاً من أصل 120 صوتاً في البرلمان.

عاد ماكرون إلى بيروت في الأول من أيلول/سبتمبر، ذكرى مئوية لبنان الكبير الأولى
الذي أعلنه المندوب السامي الفرنسي هنري غورو بحضور وموافقة البطريرك الماروني إلياس الحويك ومفتي الجمهورية مصطفى نجا، في قصر الصنوبر، مقر إقامة سفير فرنسا اليوم. عاد ماكرون إلى المقر نفسِه بعد انفجار مرفأ بيروت ليلتقي بالقوى السياسية الأبرز والأكثر تأثيراً. وهو لقاء سبقته جولة في الأحياء المتضررة خاطب منها اللبنانيين بالقول: “المطلوب هنا هو تغيير سياسي. وهذا الانفجار يجب أن يكون بداية لعهد جديد”. وقال ماكرون إنه “سيقترح على المسؤولين اللبنانيين ميثاقاً سياسياً جديداً لتغيير النظام”، وإجراء الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي، مضيفاً أنّ المبادرة التي عرضها على المسؤولين الذين التقاهم تقوم على “تحمّل مسؤولياتهم خلال الأسابيع المقبلة، وإطلاق الإصلاحات، وتشكيل حكومة وحدة وطنية خلال الأشهر القادمة، وإنهاض البلاد”. لكن اللافت أن ماكرون لم يقدّم خلال اجتماعاته مع المسؤولين اللبنانيين ورؤساء الأحزاب أيَّ طرح شامل ولا أيَّ كلام عن ميثاق سياسي جديد.

التقى الرئيس الفرنسي خلال زيارته، التي استمرت يومين، ثماني قوى سياسية، هي: “تيار المستقبل”، و”حركة أمل”، و”حزب الله”، و”التيار الوطني الحر”، و”الحزب الاشتراكي”، و”تيار المردة” (سليمان فرنجية – ماروني)، و”القوات اللبنانية”، و”الكتائب اللبنانية” (سامي الجميل – ماروني). كما التقى في قصر الصنوبر البطريرك الراعي‎.‎

يومها أطلق ماكرون من قصر الصنوبر مبادرته الشهيرة بحضور أغلب الأطراف السياسية اللبنانية، ودعا إلى تشكيل حكومة من اختصاصيين عمرها ستة أشهر، تطبق بنوداً إصلاحية أبرزها:

١- إعادة تأهيل مرفأ بيروت عبر إطلاق استدراج عروض بسرعة وفقاً لإجراءات محايدة، وإجراء تحقيق محايد ومستقلّ يتيح تبيان الحقيقة كاملة في ما يتعلق بأسباب الانفجار، بمساندة من شركاء لبنان الدوليين في مجالي التعاون والخبرات، وذلك في إطار مدة زمنية معقولة. وكذلك إنشاء بوابات رقابة، وتعزيز الرقابة في مرفأي بيروت وطرابلس ومطار بيروت، وأيضاً في نقاط المرور الأخرى على الحدود، وتخفيف المعاملات، وفقاً للمهل المتبعة في الإدارة.

٢- استئناف فوري للمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والموافقة السريعة على التدابير الوقائية التي طلبها، بما في ذلك القانون المتعلق بالكابيتال كونترول والتدقيق في حسابات مصرف لبنان (عن طريق المباشرة فوراً في التدقيق المصرفي لهذه الغاية).

٣- تعيين المسؤولين في الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء في إطار القانون 2002/462 من دون تعديلات، مع تزويد هذه الهيئة بالإمكانيات الفعلية لممارسة عملها. وإطلاق استدراجات عروض فيما يتعلق بمحطات توليد الكهرباء بواسطة الغاز، التي تُعتبر ذات أولوية لتقليص الاستعانة بالمولّدات.

٤- إنجاز التعيينات القضائية (قضاة مجلس القضاء الأعلى) والمالية (أعضاء هيئة المراقبة على الأسواق المالية) والقطاعية (الهيئات الناظمة لقطاعات الكهرباء والاتصالات والطيران المدني)، وذلك وفقاً لمعايير شفافة تعتمد على الكفاءة، مع موافقة البرلمان على اقتراح قانون حول استقلالية القضاء.

٥- تعيين أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومنحها الصلاحيات الضرورية للقيام بالمهمات المنوطة بها والإطلاق الفعلي لأعمالها.

٦- التطبيق الفوري للإصلاحات الجمركية.

٧- إصلاح الشراء العام عبر إعداد مشروع قانون حول إصلاح الشراء العام واعتماده وتطبيقه.

٨- تنظيم انتخابات تشريعية جديدة في مهلة سنة كحد أقصى على أن يتم إصلاح القانون الانتخابي مع ضمّ المجتمع المدني بشكل كامل، ما يسمح للبرلمان بأن يكون أكثر تمثيلاً لتطلعات المجتمع المدني.

في ٨ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠، فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على كل من المعاون السياسي لرئيس المجلس النيابي وزير المالية السابق علي حسن خليل، والقيادي في تيار المردة الوزير يوسف فنيانوس، لتنسف المبادرة الفرنسية، يُضاف إلى ذلك تصلّب “الثنائي الشيعي” في رفض المداورة ورفض السماح لأي كان بتسمية أي وزير شيعي إلا الثنائي نفسه، فأفرغت المبادرة من شكلها ومضمونها بشكل كامل.

استقال مصطفى أديب وكُلّفَ سعد الحريري بتشكيل حكومة لم تشكل في تسعة أشهر بعدما استغرقت محاولاته تشكيلها أكثر من ١٩ زيارة لرئيس الجمهورية وعدداً لا بأس به من السفرات إلى الخارج دون جدوى. وفي 26 تموز/يوليو، كُلفَ الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة، ونجح في تشكيل حكومة بعد مرورعامٍ ونيف على المبادرة الفرنسية واستقالة حكومة حسان دياب بعد انفجار المرفأ. حيث عجزت القوى السياسية كلها عن تشكيل حكومة جديدة تواكب المرحلة وتضع كابحاً للسقوط الحر الذي تعيشه البلاد، ما يعني أن الإصلاحات باتت مستبعدة جداً قبل الانتخابات النيابية (إذا حصلت في العام 2022 كما يُفترص) وقبل نهاية عهد رئيس الجمهورية ميشال عون.

وقد بدأت عرقلة الولوج إلى الإصلاحات لحظة إعداد الحكومة المستقيلة لخطة التعافي الاقتصادي في نيسان/أبريل ٢٠٢٠ دون أن تتمكّن من إقرارها في المجلس النيابي.

استنفدت المبادرة الفرنسية بالكامل ولم يحقّق الرئيس الفرنسي قصة نجاح عالمية كما تمنّى، ولم يدفع بطوق نجاة لتفادي غرق لبنان في العتمة والظلمة والظلام والانهيار.

لبنان نحو الهاوية

يندفع لبنان اليوم بسرعة صاروخية نحو الانفجار والتشظي، وما الأحداث الأمنية المتكررة على طول البلاد وعرضها إلا دليل على هذا المسار، وما سقوط الطبقة المتوسطة التي تشكّل صمام أمان في المجتمعات إلى مستويات من الفقر قد لامست ٦٠٪ من الشعب اللبناني ومُقدّر لها أن تصل إلى ٧٥٪ إلا دليلٌ ثان.

وفي تقرير لمنظمة اليونيسيف، تشير الأرقام إلى نتائج مريعة، إذ يرد أنّ ٧٧٪ من الأسَر اللبنانية ليس لديها ما يكفي من الأغذية أو المال لتأمين حاجتها إلى الغذاء وحده، وأن ٦٠٪ من الأسَر تستدين من أجل شراء الأطعمة والمواد الغذائية الأساسية، وأن ٣٠٪ من الأطفال ينامون جياعاً و٣٠٪ منهم لا يتلقون العلاجات اللازمة ولا الرعاية الصحية الأولية.

كما يشهد لبنان حالياً موجة الهجرة، أو “التهجير”، الثالثة في تاريخه، ومع ارتفاع معدلات الهجرة والساعين إليها بشكل لافت في الأشهر الأخيرة، يحذّر الخبراء من أنّ التأثيرات المتوقعة “ستكون وخيمة عبر خسارة يصعب تعويضها للرأسمال البشري اللبناني، وهو المدماك الأساسي في إعادة بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد”. ومع تعمّد اللاقرار الممنهج، لا يستبعد الخبراء “أن تتلاشى مؤسسات الدولة أكثر وأكثر وتسقط في دوامة مميتة تمتد لعقدين من الزمن”. ويتطابق هذا التوقع مع تقييم البنك الدولي الذي قدر أن يستغرق “لبنان ما بين 12 و19 عاماً للتعافي”. لا سبيل إلى التعافي من دون خطة، وبانتظار حصول خرق يُعتد به، يسير لبنان بسرعة على طريق الزوال، وهو المحظور الذي لطالما خوَّف السياسيون اللبنانيين منه، ولكن من دون تحريك ساكن على أرض الواقع.

الإرادة مفتاح الحل

اليوم، يبدو السؤال البديهي ما هو المطلوب سياسياً كي تستقر أوضاع لبنان لعقود؟

هناك شبه إجماع في لبنان والخارج على حاجة البلاد إلى عقد اجتماعي جديد يُسهِم في إعادة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة ومؤسساتها كلها.

لقد فشلت الجمهورية بكل مؤسساتها الدستورية في خلقِ حلول للمشاكل اللبنانية قديمها وحديثها، وتعطلت تلك المؤسسات بشقيها السياسي والمالي، كما تسبّبت مجموعة قضايا رُفعت إلى القضاء في عطبه هو الآخر عبر تأثيرات سياسية مباشرة.

وجود حكومة في لبنان مسؤولة أمام المواطنين هي فرصة لإلتقاط الأنفاس والحصول على بعض المقدرات لمعالجة الأزمات التي تضرب المجتمع اللبناني، وفرصة للتفكير في أي لبنان يريد اللبنانيون على مستوى النموذج المالي والإقتصادي وتوزيع السلطات والإصطفافات الإقليمية المحورية أو عدمها الى ما هنالك من أسئلة وجودية بات طرحها ملحًا و لو أن الإجابة عليها تحتاج أكثر من حوار و أكثر من تنازل و تسوية.