تاريخ التسويات السياسية في لبنان الكبير حتى اليوم: الأزمة أزمة نظام؟

قبيل مئوية لبنان الكبير، الذي أعلنه المندوب السامي الفرنسي هنري غورو بحضور وموافقة البطريرك الماروني إلياس الحويك ومفتي الجمهورية مصطفى نجا، في قصر الصنوبر، عاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد مرور أكثر من شهر على انفجار المرفأ. وفي قصر الصنوبر، مقر إقامة السفير الفرنسي اليوم، التقى ماكرون بالقوى السياسية الأبرز والأكثر تأثيرًا ليقدِّم لهم خارطة طريق لتشكيل حكومة والولوج إلى الإصلاحات اللازمة.

لقاء سبقته جولة للرئيس الفرنسي في الأحياء المتضررة، خاطب فيها الناس بالقول: “المطلوب هنا تغيير سياسي. وهذا الانفجار يجب أن يكون بدايةً لعهد جديد”، مضيفًا أنَّه “سيقترح على المسؤولين اللبنانيين ميثاقًا سياسيًّا جديدًا لتغيير النظام”. لكن اللافت أنَّ ماكرون لم يقدِّم خلال اجتماعاته مع المسؤولين اللبنانيين ورؤساء الأحزاب أيَّ طرح شامل ولا أيَّ كلام عن ميثاق سياسي جديد.

نظام يُذكِي مخاوف الأقليات

لم يفلح لبنان الكبير منذ تأسيسه على أيدي الفرنسيين بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية في حماية تكوينه. فقد صنع الفرنسيون زعماء متعدِّدين لمجموعات طائفية متعدِّدة، ووزَّعوا عليهم الحصص مع تقديم الموارنة بشكلٍ كبيرٍ على الطوائف الأخرى كافَّة منذ كتابة دستور عام ١٩٢٦، فطغت على صورة لبنان منذ تأسيسه مخاوفُ الأقليات، وصراع الطوائف، وسقط المفهوم الوطني الجامع من قاموس اللبنانيين.

شهدت الفترة الشهابية، أواخر الخمسينيات والستينيات، محاولاتٍ حثيثةً لبناء دولة ومؤسسات وإدارات عامة يُعتَد بها، غير أنَّ سبعينيات القرن الماضي، وخاصةً بعد توقيع اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩، دارت صراعات ذات أوجه متعدِّدة، صراعات حول هوية لبنان (العربي)، وعقديته (اليمين ضد اليسار)، وتوجُّهه السياسي (مع المقاومة الفلسطينية)، وصولًا إلى خلافات على نهائية الكيان اللبناني أو عدمها.

أشعلت هذه الخلافات فتيل حرب أهليَّة مدمِّرة استدعت تدخلات عسكرية من كل حدب وصوب، فاستحالت البلاد مسرحًا لكل أنواع اقتتال الإقليم، وساحةً للصراع الأُممي، ومختبرًا لتجربة الوسائل اللازمة في الصراعات والنزاعات. واندلعت حروبٌ من كل الأشكال: بين اللبنانيين والفلسطينيين، وبين المسلمين والمسيحيين، وبين المسيحيين فيما بينهم، والشيعة كما السُّنَّة فيما بينهم، ناهيك عن حروب متناسلة مع إسرائيل ومعارك مع السوريين أفضت -في نهاية المطاف- إلى اتفاقٍ سياسيٍّ اسمه “اتفاق الطائف”، الذي بات دستورًا.

وقد وُقِّع الاتفاق بحضور الأطراف اللبنانيين الممثلين في مجلس النواب باعتراض من قائد الجيش، ورئيس الحكومة الانتقالية ميشال عون، الذي أطلق حروب تحرير وإلغاء انتهت بإغارة الطيران السوري على قصر بعبدا بعد تسوية بين الغرب والرئيس السوري حافظ الأسد. وقد أفضت التسوية إلى مغادرة عون القصر إلى السفارة الفرنسية ومنها إلى باريس.  

تاريخ من التسويات رسَّخت للمحاصصة

منذ عام 1920، أبرم اللبنانيون جملة تسويات بعد مساومات بدأت بـميثاق ١٩٤٣ الذي وزَّع السلطات بين الطوائف لمصلحة الموارنة كما أسلفنا، مستندًا إلى دستور عام ١٩٢٦ الذي وُضِع بعد ولادة لبنان الكبير. خلقت هذه التسوية تفاوتًا رهيبًا على المستويات الاجتماعية والاقتصادية، فازدهرت العاصمة بيروت وجبل لبنان، أمَّا الأطراف فرزحت تحت ضغط الفقر والبطالة وسوء الخدمات.  

في عام ١٩٥٨، ارتأى اليمين اللبناني ضرورة الانضمام إلى حلف بغداد، ما دفع البلاد إلى صراعاتٍ أنتجت تسوية جديدة. وأدت هذه التسوية إلى العودة إلى عدم انخراط لبنان في أحلاف أو محاور، فارضةً تحقيق قدر من التوازن بين الطوائف على مستوى توزيع الوظائف العامة. وهكذا، دخل لبنان مرحلة إصلاحات سياسية وإدارية، إلَّا أنَّها لم تلامس جوهر مشكلة البلاد الطائفية التمييزية.

مع انطلاق المقاومة المسلحة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقعت صداماتٌ بين الجيش والفلسطينيين أفضت إلى اتفاق القاهرة، الذي عُقد برعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر في عام ١٩٦٩. وقضى الاتفاق بإقامة قواعد عسكرية في جنوب لبنان، وعدم عودة المخافر العسكرية اللبنانية إلى المخيمات. وزاد من الحضور الفلسطيني العسكري في لبنان ما جرى في سبتمبر/ أيلول عام ١٩٧٠ من أحداث دموية بين الجيش الأردني والفلسطينيين في الأردن، فقررت القيادة الفلسطينية حينئذ الانتقال إلى لبنان لإدارة المقاومة المسلحة.

يؤرَّخ لاتفاق القاهرة بوصفه تسوية ثالثة بعد العامَيْن ١٩٤٣ و١٩٥٨ عقب الحرب الأهلية التي شكَّلت التسويات الثلاثة دوافعَ لها. خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 1975، عُقد في جنيف في عام 1983 مؤتمر حوار وطني برعاية سوريا والسعودية وبمشاركة الرئيس أمين الجميل، وانتهى بتأكيد المشاركين على عروبة لبنان، كما طالبوا بإلغاء اتفاق 17 مايو/ أيار 1983. وبعدها بعام، عُقد مؤتمر الحوار الوطني الثاني في لوزان، وتمَّ الاتفاق على إطار يعطي الأولوية لوقف النار، ويقرِّر عودة الجيش إلى ثكناته وتشكيل هيئة لمراجعة الدستور. وفي عام 1985، أُبرم الاتفاق الثلاثي بين حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، في دمشق، ما منح سوريا نفوذًا سياسيًّا في لبنان. وبعد سقوط الاتفاق الثلاثي، كانت التسوية الأكبر والرابعة: اتفاق الطائف، الذي أُريد له أن يكون انتقاليًّا ليفضي إلى نظامٍ أكثر عدالةً ومساواةً. غير أنَّ بنود هذه التسوية التي أُقرت في عام ١٩٨٩ لم تُطبَّق، كما لم تُحترم آلياتها ولا التواريخ التي وُضِعت فيها.

بعد عام ٢٠٠٠، عام التحرير، ارتفع تأثير حزب الله وحضوره في المعادلة اللبنانية، وما لبث للبنان أن بدأ ينزلق رويدًا رويدًا إلى محور إيران بشكل واضح وجليّ. وفي ظل هذه الظروف، عُقدت التسوية الخامسة بين القوى السياسية والمقاومة على الشكل التالي: لكم المحاصصة والأعمال والوظائف، ولنا المقاومة بكل أبعادها.  

وفي الثاني من سبتمبر/ أيلول عام ٢٠٠٤، صدر القرار رقم ١٥٥٩ عن مجلس الأمن، الذي طالب كل القوات الأجنبية (أي الجيش السوري) بالانسحاب من لبنان، ودعا إلى حلِّ جميع المليشيات اللبنانية ونزع سلاحها (أي حزب الله)، مؤيدًا بسط الدولة سيطرتها على جميع الأراضي اللبنانية.

أَذِنَ هذا القرار لدخول لبنان مرحلة جديدة عنوانها الاغتيالات السياسية التي طالت في أوجها زعيم الغالبية السُّنية في مجلس النواب ورئيس الحكومة رفيق الحريري في ١٤ فبراير/ شباط ٢٠٠٥.

حزب الله يشارك في الحكومة للمرة الأولى

حكمت التوترات هذه المرحلة التي شهدت إعادة توزيع للحصص والمواقع بين الأحزاب، فاستقال رئيس الحكومة عمر كرامي وكُلِّف الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة بموجب توافق فرنسي-سعودي-أميركي، على أنَّ مهمَّة هذه الحكومة انطوت على التحضير لانتخابات مايو/ أيار النيابية. وفي تلك الفترة، تسارعت الأحداث، فعاد عون من فرنسا وانقسمت البلاد عموديًّا بين تحالف 14 آذار وتحالف 8 آذار، الفريق الأول موالٍ للغرب والسعودية، وأمَّا الثاني فموالٍ لإيران ودمشق. جرت الانتخابات وفاز تحالف 14 آذار بالأغلبية النيابية، فكُلف وزير المال السابق فؤاد السنيورة بتشكيل الحكومة التي شارك فيها حزب الله للمرة الأولى. بدوره، خرج رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من السجن بعد 11 عامًا. تحالف جعجع مع تحالف 14 آذار، أمَّا عون فمع حزب الله، وفي 6 فبراير/ شباط من عام 2006، أبرم الطرفان اتفاق مار مخايل الذي أسهم في رسم المشهد السياسي الراهن.

محاولات لبنانية داخلية للحلحلة

إن الانقسام بين القوى الخارجية المؤثرة تقليديًّا في لبنان، وغياب أُفق التسويات الخارجية المعتادة، دفعا القوى السياسية إلى البحث عن سبيلٍ لحلِّ التوترات التي ما انفكَّت تتعمَّق. وبناءً على دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري، انطلقت أولى جلسات الحوار في مارس/ آذار عام 2006 بين تحالفَي 14 آذار و8 آذار. وكانت الملفات التي وُضعت على الطاولة ملفات دسمة، وشملت اغتيال الحريري والعلاقة مع سوريا وترسيم الحدود معها وسلاح حزب الله. وبعد انعقاد 7 جلسات كان آخرها في نوفمبر/ تشرين الثاني، توافق الفرقاء على ميثاق شرف للتخاطب السياسي والإعلامي، وعلى نزع السلاح الفلسطيني خلال ستة أشهر، إلَّا أنَّهم لم يتوافقوا على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقرَّروا تأجيل البحث في الاستراتيجية الدفاعية.

وبعد عدوان يوليو/ تموز في عام 2006، ونتيجة لمعادلة الردع التي أرساها في مواجهة العدو الإسرائيلي، اتخذ نفوذ حزب الله بعدًا إقليميًّا، فبات تطويقه مستحيلًا. وقد بدا ذلك واضحًا في آخر جلسة حوار عُقدت في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني، فلم يتوافق الفرقاء لا على المحكمة الدولية ولا على تشكيل حكومة وحدة وطنية.

في عام 2007، قررت فرنسا الدخول على الخطِّ بعدما انقطع الحوار بين الفرقاء اللبنانيين، فأقنعتهم الخارجية الفرنسية بعقد جلسة حوار في يوليو/ تموز في سان كلو، إلَّا أنَّه لم يتم التوصل إلى نتيجة.

اتفاق الدوحة

ظلَّ نفوذ حزب الله يتنامى إلى أن بلغت التوترات ذروتها في عام 2008، ففي ما بات يُعرف بأحداث 7 أيار، نزل الحزب وحلفاؤه إلى الشارع في أحداثٍ أعادت إلى الأذهان الحرب الأهلية. ولم تنته أحداث 7 أيار إلَّا بموجب التسوية السادسة في الدوحة، وهكذا أنهى اتفاق الدوحة الأزمة السياسية بعد 18 شهرًا على اندلاعها وفراغ رئاسي استمر من 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2007 حتى 25 مايو/ أيار 2008، فتوصل الفرقاء -بضمانات عربية- إلى حلٍّ لانتخاب رئيس للبلاد وتشكيل حكومة وحدة وطنية، كما اتفقوا على إجراء الانتخابات وَفْقَ قانون عام 1960، ومناقشة البنود الإصلاحية الواردة في اقتراح القانون الذي أعدَّته اللجنة الوطنية، وعلى وضع آلية لبحث ملف سلاح حزب الله. وبعد هذه التسوية، انتُخب ميشال سليمان رئيسًا، وبدأ الحديث عن ثلث ضامن في الحكومات.

عودة إلى الحوار الوطني بين عامي 2008 و2014

انتُخب سليمان رئيسًا وعُقدت أول جلسة حوار برعايته في بعبدا في سبتمبر/ أيلول 2008 بحضور الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك عمرو موسى. وخلال هذه الجلسات، تمَّ التوافق على ملفي النفط والعلاقة مع سوريا، كما كُلِّفت لجنة عسكرية بدراسة الاستراتيجية الدفاعية، وتمَّ التوافق على مواكبة الانتخابات النيابية والبلدية عامي 2009 و2010 في أجواء من الشفافية والهدوء، وتجنيب لبنان تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009. وقد بلغ عدد جلسات الحوار في عهد سليمان 14 جلسةً كان آخرها في 31 مارس/ آذار 2014.

في 11 يوليو/ تموز من عام 2012، أي بعد عام على اندلاع الثورة السورية، تكلَّلَت جلسات الحوار بإعلان بعبدا الذي هدف بشكل أساسي إلى تحييد لبنان عن التداعيات السلبية للأزمات الإقليمية، “ما عدا ما يتعلق بواجب التزام قرارات الشرعية الدولية والإجماع العربي والقضية الفلسطينية المحقة، بما في ذلك حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم”. ومنذ عام 2012 حتى اليوم، بات التأكيد على الالتزام بإعلان بعبدا عرفًا عند تشكيل الحكومات، علمًا بأنَّ نسخةً منه سُلِّمت إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة.

وفي جلسة الحوار الأخيرة، لم يتم البحث في الاستراتيجية الدفاعية، ولا في إعلان بعبدا، فانتهت ولاية سليمان من دون انتخاب خلف له، وعاش لبنان فراغًا رئاسيًّا دام هذه المرة 888 يومًا. وفي مسعى إلى وضع حدٍّ للتوترات التي كانت تتفاقم، دعا بري مجددًا إلى حوار بين حزب الله وتيار المستقبل في عين التينة، فعُقِدت عدَّة جلسات توافق فيها الطرفان على عدم التصعيد. إلَّا أنَّ أزمة الفراغ الرئاسي لم تُحل إلَّا بانتخاب عون رئيسًا بموجب اتفاقٍ بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية وتيار المستقبل في ما بات يُعرف بالتسوية الرئاسية.

لم تنجح جلسات الحوار الوطني في حلِّ جميع الملفات العالقة بشكل جذري، بل تفاقم بعضها مع مرور الوقت، مثل سلاح حزب الله، لا سيما بعد مشاركته في الحرب السورية في عام 2013، أي بعد سنة من إعلان بعبدا.

الحوار في عهد عون

بعد ظهر الثاني من سبتمبر/ أيلول 2019، عُقدت جلسة اقتصادية جامعة برئاسة عون، وبحضور بري ورئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري، إلى جانب رؤساء الأحزاب والكتل النيابية وممثليهم، انتهت بإعلان حالة طوارئ اقتصادية. وبعد انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول، عُقدت جلسة ثانية في بعبدا في مايو/ أيار عام 2020، وقد هدفت هذه الجلسة إلى التوصل إلى نقاطٍ مشتركة لحلِّ الأزمة الاقتصادية. وفي بداية العام الجاري، دعا الرئيس عون إلى جلسات جديدة، ولكن تحت عنوان “طاولة حوار وطني”، أي إنَّها غير محصورة بالملفات الاقتصادية كسابقتيْها، بل تتعداها لتشمل نقاط الخلاف السياسية الأساسية بين الفرقاء، إلَّا أنَّ دعوته قوبلت بمقاطعة من الفرقاء السياسيين.

عقد اجتماعي جديد

يُلاحظ من خلال ما سبق أنَّ فشل التسويات والاتفاقات ونجاحها مرتبطٌ بعوامل داخلية وإقليمية متداخلة ومتشعبة، فعلى سبيل المثال نجحت القوى المحلية في التوصل إلى إعلان بعبدا، إلَّا أنَّها فشلت في التوصل إلى حلٍّ لملف سلاح حزب الله، أمَّا السلاح الفلسطيني، فتم التوافق على نزعه في غضون أشهر في عام 2006، إلَّا أنَّ خرقًا لم يُسجل على هذا المستوى. وفي المقابل، حقَّقت أغلبية التسويات التي لعبت فيها القوى الخارجية دورًا مباشرًا خروقاتٍ واضحة.

ويُستشف من التجارب أعلاه أنَّ لنجاح الحوار اليوم شروطًا أساسية؛ إذ يجب أن يسبقه تكوين بنود مُجدية من جهة، وقابلة للتنفيذ من جهة ثانية، وذلك ضمن إطار زمني واضح ومحدَّد. إلَّا أنَّ الواقع اللبناني اليوم وتأثير القوى الخارجية ليسا كما كانا في عام 2006، عندما انطلقت أولى جلسات الحوار، فموازين القوى تبدَّلت على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. ولعل التغيير الداخلي الأكبر الذي يمكن الحديث عنه في هذا السياق يتمثَّل في نفوذ حزب الله وقوته العسكرية.

بعد مبدأ الثلث الضامن الذي تكرَّس عقب اتفاق الدوحة في عام 2008، تكرَّس مبدأ التوقيع الشيعي الثالث في عام 2021، فلم تولَد حكومة ميقاتي الثالثة إلَّا بعد حصول الطائفة الشيعية على وزارة المالية. وليس هذا المكسب الذي حقَّقه الثنائي الشيعي سوى مؤشر إلى أنَّ النظام الذي كان قائمًا لم يعُد متماشيًا مع التطورات الراهنة.  

وبعد هذا العرض، يطرح السؤال البديهي نفسه: ما هي التسوية المطلوبة سياسيًّا كي تستقرَّ أوضاع لبنان لعقود؟ في الواقع، هناك شبه إجماع في لبنان والخارج على الحاجة إلى عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ يُسهِم في إعادة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة ومؤسساتها. فعلى مر السنوات، وابتداءً من عام 1920، فشلت الجمهورية بكل مؤسساتها الدستورية في ابتداع حلولٍ للمشاكل اللبنانية، قديمها وحديثها، بل شهد لبنان مراحلَ تعطَّلت فيها تلك المؤسسات بشقيْها السياسي والمالي. كما تسبَّبت مجموعة قضايا رُفعت إلى القضاء في عطبه هو الآخر عبر تأثيرات سياسية مباشرة. ومن أجل إنجاح الحوار اللبناني اليوم، لا بدَّ من إجابة الأطراف السياسية والمدنية والنخبوية والشعبية عن سلسلة أسئلة:

–  كيف نضع حدًّا للتوترات المذهبية والطائفية المتنقلة في كل المناطق اللبنانية؟

–  كيف نعالج الزبائنية وتفشي الفساد المجتمعي؟

–  كيف نعالج التراجعات الثقافية والتربوية والعلمية والطبية؟

–  كيف نعزِّز وظيفة القضاء ودوره واستقلاله؟

–  هل يُفضَّل تطبيق فدرالية في لبنان؟ وما هي آ