ليس السؤال اليوم ما إذا كان لبنان قد خرج من الحرب، بل ما إذا كان قد دخل فعلًا في مرحلة ما بعدها. فوقف إطلاق النار، في التجربة اللبنانية كما في تجارب المنطقة، لا يُنهي الصراع بقدر ما يعيد تشكيله. هو انتقال من مواجهة مكشوفة إلى صراع مُدار، ومن نار ظاهرة إلى توتر كامن، قابل للانفجار عند أول اختبار.

بهذا المعنى، لا يقف لبنان أمام خيار واضح بين حرب وسلام، بل أمام منطقة رمادية: هدنة هشّة، ومسار تفاوضي ملتبس غير مجمع عليه داخليًا، ودولة لم تستعد بعد قدرتها على الإمساك بقرارها.

هدنة بلا توازن

الهدنة القائمة اليوم في لبنان لا تستند إلى توازن مستقر، بل إلى إرهاق متبادل، في ظل ضغط دولي وإقليمي، ولا سيما من الولايات المتحدة وإيران، باتجاه تثبيت هدنة الأيام العشرة، وتمديدها إذا أمكن، رغم محاولات الفصل بين المسارين التفاوضيين في إسلام آباد وواشنطن.

الخسائر التي تكبّدها لبنان بشريًا واقتصاديًا، والدمار الذي لحق بجنوبه وأجزاء من بقاعه يفوق التصوّر، كما تكبّدت إسرائيل بدورها خسائر ملحوظة، تمثّلت بإصابة ما يقارب 700 جندي (1)، دفعت جميع الأطراف نحو الهدنة، لا نحو تسوية حقيقية. وهذا فارق جوهري.

فالاتفاق، بصيغته الحالية، لا يبدو متكافئًا. إذ يترك لإسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك تحت عنوان “الوقاية من الخطر”، ما يعني عمليًا أن وقف النار مشروط، وقابل للاهتزاز عند أي تقدير أحادي. وفي المقابل، لا يستطيع الطرف الآخر القبول بمعادلة “يُضرب ولا يرد” (2).

هكذا تتحول الهدنة إلى اختبار يومي: إما أن تُصان بتوازن فعلي، أو تنزلق تدريجيًا نحو انهيار يعيد فتح الجبهات.

في هذا السياق، يُطرح التفاوض كمدخل للمرحلة المقبلة. لكن السؤال ليس في مبدأ التفاوض، بل في شكله وتوقيته وسياقه.

التفاوض، في القاعدة السياسية، ليس ضعفًا. الدول تتفاوض مع خصومها، بل مع أعدائها. لكن التفاوض الناجح لا يبدأ بلقاءات علنية بين القادة، بل ينتهي بها. أما القفز مباشرة إلى صورة “اللقاء”، تحت ضغط خارجي، فيحمل دلالات مختلفة.

الضغط الأمريكي لجمع الرئيس اللبناني برئيس الحكومة الإسرائيلية، في هذا التوقيت، لا يبدو تفصيلًا بروتوكوليًا. هو إما استعجال لتحقيق إنجاز سياسي سريع، أو محاولة لدفع لبنان إلى مسار غير ناضج داخليًا. وفي الحالتين، يصبح التفاوض عرضة لأن يتحول من أداة سياسية إلى فخ سياسي.

ولا يمكن فصل هذا الاندفاع نحو التفاوض عن البعد الاقتصادي الضاغط. فلبنان، الغارق في واحدة من أعمق أزماته المالية، يبحث عن أي نافذة استقرار قد تفتح باب الدعم الخارجي والاستثمار. في هذا السياق، يُقدَّم التفاوض، أحيانًا، بوصفه مدخلًا إلى “الإنقاذ”، على قاعدة الربط بين الأمن والاقتصاد.

غير أنّ هذا الربط يحمل أخطارًا لا تقل عن فوائده. إذ إن تحويل الاستقرار إلى شرط اقتصادي قد يدفع نحو تنازلات سياسية غير محسوبة، خصوصًا إذا جرى التعامل مع التفاوض كوسيلة سريعة لافتراض فتح أبواب الدعم، لا كمسار سيادي متكامل الشروط.

وإذا كان التفاوض، في ظاهره، مسارًا نحو التهدئة، فإن مضمونه الفعلي يبقى موضع خلاف عميق. فلبنان ينظر إليه كمدخل لوقف إطلاق النار وتثبيت الاستقرار، تمهيدًا لبحث ملفات أخرى. في المقابل، تبدو المقاربة الإسرائيلية—كما تعكسها المواقف الأمريكية—مركّزة على هدف مختلف: إعادة تشكيل موازين القوة في الداخل اللبناني، وفي مقدّمها مسألة سلاح حزب الله.

هذا التباين في الأهداف لا يجعل التفاوض صعبًا فحسب، بل يطرح سؤالًا حول طبيعته: هل نحن أمام مسار نحو تسوية، أم محاولة لإعادة إنتاج الأزمة داخل لبنان تحت عنوان التفاوض؟

هنا تبرز مفارقة أساسية: فالتعامل مع مسألة السلاح يتطلّب، نظريًا، دولة مركزية قوية وقادرة، تتمتع بشرعية داخلية كافية. غير أن الضغوط التي تُمارس على لبنان، والاختلال القائم في موازين القوة، تؤدي عمليًا إلى إضعاف هذه الدولة نفسها، ما يجعل تحقيق هذه الأهداف أكثر تعقيدًا، لا أقل.

ليس كل تفاوض فرصة. أحيانًا يكون اختبارًا لقدرة الدولة—لا على التفاوض فحسب—بل على الصمود أيضًا.

بين الإجماع الداخلي والضغط الخارجي

هنا تبرز معضلة القرار في لبنان. فالدولة، لكي تفاوض، تحتاج إلى حد أدنى من الإجماع الداخلي. ليس إجماعًا مطلقًا، بل توافقًا يسمح لها بأن تتكلم باسم الجميع.

لكن هذا الشرط لا يزال ناقصًا. الانقسام قائم، بل يتّسع حول تفاصيل التفاوض ومخرجاته. والذاكرة مثقلة، فيما زاد العنف الإسرائيلي من مخاوف أبناء الجنوب والبقاع والضاحية، بحيث تعزّز التمسك بالسلاح لديهم بوصفه عامل حماية، رغم كونه خارج إطار الدولة ويُنتج معادلات موازية لها.

ولا يبدو أن الإجماع متوافر حتى الآن. فالمشهد السياسي الداخلي يكشف اتساع دائرة التحفّظ على خيار التفاوض المباشر، من دون أن يلتقي هذا التحفّظ على بديل واضح. مواقف متباينة في الشكل، متقاربة في الجوهر: بين رفض التفاوض المباشر والدعوة إلى بدائل غير مباشرة، وبين التحذير من الاستعجال واشتراط التوافق، وصولًا إلى التأكيد على ضرورة التنسيق العربي وعدم الانخراط في مسار غير محصّن داخليًا.

هذه التباينات، على اختلاف تعبيراتها، تعكس حقيقة واحدة: أن خيار التفاوض المباشر لا يحظى حتى الآن بغطاء وطني جامع.

بل إن بعض المؤشرات السياسية تذهب أبعد من ذلك، لتُظهر أن أي خطوة غير محسوبة في هذا الاتجاه قد تفتح الباب أمام اهتزاز حكومي أو تصدّع داخلي، ما يعيد طرح السؤال الأساسي: هل يمكن للبنان أن يفاوض في الخارج، فيما لا يزال مختلفًا في الداخل على أصل التفاوض؟

من هنا، تبدو أولوية الاستقرار الداخلي أعلى من أي استعجال تفاوضي. فلبنان يستطيع أن يؤجل تفاوضًا أو أن يعمل على إطالته، لكنه لا يحتمل تفجيرًا داخليًا.

من هنا، لا يعني رفض التفاوض المُعجَّل غيابَ الموقف، بل يعني امتلاك شروطه. ثمة مسار بديل ممكن، يقوم على ثلاثة محاور: أولًا، التمسك المبدئي بالتفاوض وتوثيق هذا الخيار في إطار عربي جامع لا يجعله موقفًا لبنانيًا منفردًا قابلًا للعزل. ثانيًا، ربط أي مسار تفاوضي بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، لا الاكتفاء بتثبيت وقف النار بوصفه غاية في حد ذاتها. وثالثًا، رفع التوافق الداخلي اللبناني شرطًا معلنًا في وجه الضغط الخارجي، لا الاحتجاج به اعتذارًا ضمنيًا. هذه الشروط لا تُغلق باب التفاوض، لكنها تحدد من يملك مفتاحه.

السقف العربي ومحدودية الاستثمار اللبناني فيه

أعادت قمتا الرياض (نوفمبر 2023 ونوفمبر 2024) تثبيت سقف واضح للموقف العربي: لا تسوية مع إسرائيل خارج حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يمر عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية والجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية (3)، ويقوم على مرجعية مبادرة السلام العربية (4) التي تربط أي تطبيع كامل بانسحاب إسرائيل من هذه الأراضي. بل إن القمتين حملتا مواقف أكثر تقدمًا، من إدانة الحرب في غزة ولبنان إلى الدفع نحو مساءلة دولية، ما يعكس انتقالًا من عرض السلام إلى إعادة تعريف شروطه.

في المقابل، يتقدّم مسار آخر تدفع به الولايات المتحدة وإسرائيل، يقوم على تفاهمات مباشرة وسريعة بمعزل عن هذا السقف، ويُركّز على اختراقات آنية أكثر مما يعالج جذور الصراع.

لبنان يجد نفسه عالقًا بين المسارين. فمن جهة، يتعرض لضغوط تدفعه نحو مفاوضات مباشرة قد تتجاوز قدرته على التحمّل الداخلي. ومن جهة أخرى، يملك—نظريًا—سقفًا عربيًا يتيح له التمسك بشروط أكثر توازنًا. غير أن هذا السقف، على أهميته، لا يكفي وحده إذا لم يُترجَم داخليًا بإجماع سياسي يوازيه. وفي ظل الانقسام الداخلي، يصبح لبنان غير قادر على الاستفادة الكاملة من هذا الغطاء، ما يضعه في موقع هش بين ضغط خارجي متسارع ومرجعية عربية مشروطة بتوازنات إقليمية أوسع.

بمعنى آخر، لا يدور الخيار أمام لبنان بين السلام والحرب، بل بين نوعين من السلام: سلام يُدفع إليه تحت الضغط وبشروط غير متكافئة، وسلام يُبنى ضمن توازنات إقليمية وشروط سياسية واضحة. وفي غياب القدرة على ترجيح أحد المسارين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك لبنان قرار الانخراط في هذا المسار أو ذاك، أم أنه يُدفع تدريجيًا إلى خيارات لا يملك كامل شروطها؟

الدولة والسلاح: وهم الحسم وواقع التفاوض

هذا الموقف لا ينطلق من حسابات ظرفية، بل من رؤية تعتبر أن أي سلام لا يمر عبر الدولة هو سلام ناقص، وأن أي سلاح خارجها هو تعطيل لها، وأن أي تنازل يُفرض في ظل اختلال التوازن هو تكريس لهذا الاختلال.

لكن هذه المعادلة، على وضوحها، لا تحتمل التبسيط. فمسألة السلاح لا تُحل بالشعارات. التجارب التاريخية حول العالم واضحة: لا تُنزع أسلحة الجماعات المنظمة إلا بهزيمة كاملة، أو بتفاهم سياسي. وما عدا ذلك، ليس حلًا، بل إدارة مفتوحة للأزمة.

في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع حزب الله بوصفه تفصيلًا يمكن تجاوزه. هو جزء من المعادلة الداخلية، ومن التوازن الإقليمي في آن. بعد كل حرب، لا يتجه الحزب إلى الانكفاء، بل إلى إعادة التموضع. قد يتكيّف مع شروط جديدة، وقد يقبل بهدنة، وربما بمسارات تفاوض غير مباشرة، لكنه لن يقبل بسهولة بمسار يُفضي إلى إلغاء دوره.

في المقابل، لا يستطيع الحزب تجاهل التحولات. حجم الخسائر، وتبدّل البيئة الإقليمية، وتراجع قدرة لبنان على تحمّل الحروب، كلها عوامل تضغط باتجاه مراجعة—ولو تدريجية—لوظيفة السلاح وموقعه. غير أن هذه المراجعة، إن حصلت، لن تكون أحادية أو داخلية صرفة، بل جزءًا من تسوية أوسع، تتقاطع فيها الاعتبارات اللبنانية مع موازين القوى الإقليمية.

من هنا، يسقط وهم “الحسم بالقوة”. لا الدولة قادرة على نزع السلاح بالقوة، ولا الخارج نجح في ذلك رغم ما امتلكه من أدوات. الخيار الواقعي الوحيد هو مسار تفاوضي داخلي، طويل ومعقّد، يربط بين السلاح والدولة، وبين الأمن والسياسة. لكن هذا المسار، لكي يكون ممكنًا، يحتاج إلى ما يتجاوز القرار اللبناني، إلى غطاء إقليمي، كما في محطات سابقة، لأن لبنان، بحكم موقعه وتركيبته، لا يعيش خارج توازنات المنطقة.

وخارطة الطريق الإقليمية لا تُرسم من طرف واحد، بل من تقاطع أربع مسارات: ضغط أمريكي يسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات، ودور إسرائيلي يحاول فرض وقائع ميدانية وسياسية، ومحور عربي يتجه نحو استقرار مشروط، في مقابل موقع إيراني يعيد تموضعه بين المواجهة والتفاوض. وفي قلب هذه التوازنات، لا يملك لبنان ترف الحياد الكامل، ولا القدرة على الانخراط الحرّ. هو يتأثر أكثر مما يؤثّر، ويُدار أكثر مما يُدير، ما يجعل أي خيار داخلي—سواء كان تفاوضًا أو تهدئة—مرتبطًا بمدى قدرته على التلاقي مع هذه المسارات، لا على الاصطدام بها.

الخطر الحقيقي: التفكك البطيء

في ظل هذا المشهد، يعود السؤال: هل نحن أمام خطر حرب أهلية؟

المؤشرات لا توحي بحرب شاملة على النمط الذي عرفه لبنان سابقًا. الإرهاق الشعبي، وغياب التمويل، وتوازنات الإقليم، كلها عوامل تحدّ من هذا السيناريو. لكن الخطر الحقيقي يكمن في مكان آخر: في التفكك التدريجي، وتآكل المؤسسات، وتعدد مراكز القرار، وتحوّل كل أزمة إلى شرخ إضافي في بنية الدولة. هذا النوع من الانهيار لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء—وهو أخطر لأنه أقل وضوحًا وأكثر استدامة.

لبنان اليوم يقف أمام مفترق دقيق: إما أن يدير هذه الهدنة كفرصة لإعادة بناء الدولة تدريجيًا، أو أن يُدفع إلى مسار تفاوضي لا يملك شروطه، فيتحول من طرف في المعادلة إلى ساحة لتنفيذها. في الخيار الأول، يحتاج إلى وقت، وحوار داخلي، وغطاء إقليمي. في الخيار الثاني، يختصر الطريق، لكنه يدفع ثمنًا سياسيًا قد يفوق قدرته على الاحتمال.

لبنان لا يقف اليوم بين الحرب والسلام، بل بين خيارين أكثر قسوة:

إما أن يعيد بناء دولته، ببطءٍ وصعوبة، على قاعدة احتكار القرار والسيادة، وإما أن يدخل في مسار تفاوضي يُفرض عليه من الخارج، فيتحوّل من دولةٍ إلى ممرّ.

الخطر ليس في التفاوض، بل في أن ندفع إلى تفاوض لا نملك شروطه والخطر ليس في السلاح وحده، بل في غياب الدولة التي تستطيع أن تنهيه.  

في لحظة كهذه، لا يكفي أن نُحسن قراءة التوازنات. المطلوب أن نُحسن اختيار موقعنا فيها، قبل أن يختاره الآخرون عنا. 

مراجع:

  1. الجيش الإسرائيلي يعلن ارتفاع عدد الجنود الجرحى إلى 690 عسكريا بالمعارك مع حزب الله.. ماذا يعني ذلك؟
  2. What we know about the Israel-Lebanon ceasefire 
  3.  قمة الرياض: لا سلام مع إسرائيل دون إقامة دولة فلسطينية: قمة الرياض تطالب بقرار ملزم لوقف حرب غزة وحظر الأسلحة لإسرائيل 

  ٢٠٠٢ /٣/ ٢٨ – ٢٧ ﻨﺹ ﻤﺒﺎﺩﺭﺓ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺍﻟﻌﺭﺒﻴﺔ