بين التصعيد العسكري والتسوية السياسية: مستقبل العدوان الإسرائيلي على لبنان

تسعى هذه الورقة إلى مقاربة التطورات المتسارعة على الساحة اللبنانية في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية واستمرار توسيع نطاق العمليات العسكرية لتشمل بيروت، وما يرافق ذلك من تداخل بين الأبعاد العسكرية والسياسية والإقليمية. وتهدف الورقة إلى الإجابة على مجموعة من الأسئلة تشمل دوافع التصعيد الإسرائيلي، وحدود الدور الأمريكي، ومواقف الأطراف الفاعلة وفي مقدمتها حزب الله والدولة اللبنانية وإيران. كما تحاول استشراف السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو احتواء التوترات أم نحو مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك والتوازنات الإقليمية.

الدكتور خلدون الشريف
مستشار سياسي اول في مركز الحوار الإنساني جنيف.
التصعيد الإسرائيلي في لبنان بين الحسابات الاستراتيجية والدور الأمريكي
منذ تعليق الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، وبدء المفاوضات على خط إسلام آباد، وإطلاق مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية واشنطن، لم يكن السؤال المطروح ما إذا كانت الحرب ستعود أم لا، بل بأي شكل ستعود، وأين، وتحت أي سقف سياسي وعسكري.
لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى التحول الذي أحدثه السابع من تشرين الأول 2023 في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
قبل السابع من أكتوبر، كانت إسرائيل تعتمد بدرجات متفاوتة على مفاهيم الردع والاحتواء وإدارة التهديدات. أما بعده، فقد برز اتجاه مختلف يقوم على إزالة مصادر التهديد أو تقليصها إلى الحد الأدنى الممكن، ولو تطلب الأمر استخدام مستويات غير مسبوقة من القوة العسكرية.
وقد وصف الباحث الأميركي ناثان براون هذا التحول بالانتقال من عقيدة الضاحية إلى عقيدة الركام، فلم تعد إسرائيل تكتفي بالردع، بل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بها بالقوة. وهذا ما ظهر في غزة ثم في لبنان، قبل أن يتوسع ليشمل المواجهة مع إيران نفسها.
يرى كثير من الإسرائيليين أن الظروف الإقليمية والدولية تبدلت جذريًا، وأن ما تعذر فرضه سابقًا قد يصبح ممكنًا في ظل تراجع مراكز القوة الإقليمية وانشغال النظام الدولي بأزماته الأخرى.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تتجه نحو حرب شاملة أو احتلال واسع شبيه بما جرى عام 1982. فحجم القوات المنتشرة وطبيعة انتشارها لا يوحيان باستعداد لاحتلال طويل الأمد، بقدر ما يوحيان بمحاولة فرض معادلة جديدة تقوم على توسيع هامش حرية العمل العسكري داخل لبنان وإعادة تعريف قواعد الاشتباك تدريجياً.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال ترى إسرائيل حليفها الأهم في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحاول الموازنة بين دعمها لإسرائيل وبين منع انفجار إقليمي واسع قد يهدد مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
كما أن الحرب مع إيران أدخلت عنصرًا جديدًا إلى الحسابات الأميركية بشأن لبنان. فواشنطن باتت تنظر إلى الضغط على حزب الله باعتباره جزءًا من منظومة الضغط الأوسع على طهران.
ومن هنا جاءت أهمية بيان واشنطن الصادر بعد جولة المفاوضات الأخيرة والتي انعقدت في 2-3 يونيو/ حزيران والذي كشف أن الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع الملف اللبناني فقط من زاوية إدارة الحرب، بل من زاوية رسم ترتيبات ما بعدها. وقد تجسد ذلك في طرح فكرة (المناطق التجريبية) التي تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية على الأرض، وربط أي تقدم إضافي بمسار تفاوضي مباشر ومستمر بين لبنان وإسرائيل.
وقد أثار ذلك قراءات متناقضة داخل لبنان. فمنتقدو البيان رأوا فيه اختلالًا واضحًا في التوازن بين ما يُطلب من لبنان وما يُطلب من إسرائيل. فالالتزامات اللبنانية جاءت محددة وقابلة للقياس، فيما بقيت الالتزامات الإسرائيلية عامة وغير مقترنة بجداول زمنية واضحة تتعلق بالانسحاب أو وقف الخروقات أو إعادة السكان إلى قراهم.
أما المقاربة المقابلة فترى أن واشنطن انتقلت من مطلب شامل وفوري يتعلق بنزع السلاح إلى مقاربة أكثر تدرجاً تقوم على توسيع سلطة الدولة اللبنانية خطوة بعد أخرى. غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مشروطاً باستعداد إسرائيل لتقديم خطوات مقابلة على الأرض، سواء عبر الانسحاب من مواقع لا تزال تحتلها أو عبر تسهيل عودة الأهالي ووقف العمليات العسكرية المستمرة.
والأهم، أن هذه المفاوضات ليست منفصلة بالكامل عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالتوازي القائم بين المسار اللبناني–الإسرائيلي ومسار التفاوض الأميركي–الإيراني يوحي بأن واشنطن تسعى إلى ضبط الجبهة اللبنانية بانتظار اتضاح صورة التفاهمات الكبرى في المنطقة.
لذلك فإن أي تصعيد كبير في لبنان قد يضع المصالح الأميركية أمام تحديات إضافية، سواء على مستوى أمن القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، أو أمن الممرات التجارية والطاقة، أو الجهود الرامية إلى منع تحول الأزمات الحالية إلى مواجهة إقليمية شاملة.
ولهذا تبدو واشنطن حريصة على الحفاظ على معادلة دقيقة تجمع بين استمرار الضغط على إيران وحلفائها من جهة، ومنع الانفجار الإقليمي الواسع من جهة أخرى.

محمد فواز
باحث في منتدى الشرق، متخصص في شؤون المشرق والعلاقات الدولية.
الدولة اللبنانية بين ضغوط الحرب ومسارات التفاوض
منذ انطلاق الحرب، والدولة اللبنانية تحاول لعب دور أساسي في إنهائها دون أن تتمكن من ذلك، كونها ليست الجهة التي تقاتل، ولا تمتلك أوراق قوة كثيرة في وجه إسرائيل، وتتعامل بحساسية مع حزب الله، الذي ما يزال يتمتع بتمثيل شعبي لبناني ومتواجد في مختلف مؤسسات الدولة. لذلك، حاولت السلطة من البداية أن تقدم طروحات وخططًا وحلول، لكن الميدان كان سبّاقًا عليها، وهي تحاول حتى اليوم اللحاق به في محاولة لوقف الحرب أو لجمها على الأقل واستعادة زمام القرار اللبناني، خاصة مع التهديدات الإسرائيلية المستمرة للعاصمة ومرافق لبنان العامة، في حال دعمت الدولة مسار حزب الله، أو حتى في حال عدم تعاونها مع المسارات الدولية المطروحة.
لذلك، دخلت الدولة التفاوض المباشر مع عناوين تكررها بشكل دوري، وهي: وقف إطلاق النار، وقف الاعتداءات الإسرائيلية، انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، تثبيت سيادة الدولة، تطبيق القرار 1701، عودة النازحين، إطلاق الأسرى. يعتبر لبنان الرسمي أن التفاوض الراهن هو بوابة وحيدة لبلوغ الأهداف المذكورة خصوصاً مع اختلال ميزان القوى الكبير بين حزب الله وإسرائيل.
لكن إسرائيل لم ترد التفاوض من البداية، بل همّشت الطرح اللبناني للتفاوض المباشر حتى اتفاق إسلام آباد في 7 نيسان/أبريل 2026، حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه مستعد للتفاوض، لكن على نفس قواعد الحرب عمليًا، إذ قال إنّ المفاوضات يجب أن تتركز على تفكيك سلاح حزب الله وإقامة علاقات سلمية مع لبنان، كما أكد أن وقف إطلاق النار حينها لا يشمل لبنان، وأن إسرائيل ستواصل عملياتها ضد حزب الله. كانت عين نتنياهو حينها على فصل لبنان عن إيران.
لم يتغير المضمون، فقد عُقدت حتى الآن أربع جولات تفاوضية في واشنطن: في 14 نيسان/أبريل 2026، وفي 23 نيسان/أبريل 2026، وفي 14 و15 أيار/مايو 2026، ثم الاجتماع العسكري الأول في البنتاغون في 29 أيار/مايو 2026، وصولًا إلى الجولة السياسية الرابعة في 2 و3 حزيران/يونيو 2026، وإسرائيل تستمر في رفع سقف المطالب وتضع سحب سلاح حزب الله بوابة أي حديث، بينما يتمسك الجانب اللبناني بوقف إطلاق النار كبوابة رئيسية للملفات الأخرى. من هذه المعادلات من المفترض أن تقرأ أي جولة تفاوضية.
أما الولايات المتحدة، فهي تصب تركيزها على الحرب مع إيران بالدرجة الأولى، وتوازن في لبنان بين مشروعها المشترك مع إسرائيل في ضرب امتدادات إيران في المنطقة، وبين ما تختلف فيه عن إسرائيل، وهو عدم رغبتها في ضرب الدولة اللبنانية أو القيام بأفعال قد تعكّر المسار التفاوضي مع إيران، وتخرج العرب من الصورة، وتمنع إنتاج حل تهدوي طويل الأمد، وهو الذي تسعى إليه واشنطن.
هذه الخطوط مجتمعة حضرت في المفاوضات الأخيرة. فميزان القوى، وشعور لبنان الرسمي بأنه لا يريد، مهما كان الواقع، أن يخرج من مسار التفاوض، لأن ذلك يعني العزلة التامة، جعلاه لا يغادر طاولة التفاوض، رغم خروج الاتفاق بالصورة التي تريدها إسرائيل؛ أي من دون تقديم أي وعود بخصوص الانسحاب، أو عودة الأسرى والاعمار، أو حتى تحديد المناطق التجريبية، مقابل الاتفاق عمليًا على نقطتين: الاجتماع على استعداء إيران من جهة، وتأكيد أن بوابة أي مسار هي سحب سلاح حزب الله من جهة أخرى.
ومع رفض حزب الله للاتفاق المعلن، وتأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي استمرار عمليات إسرائيل في لبنان، يبدو أن الاتفاق قد دفن في مهده. ومن المتوقع أن تستغل إسرائيل التباين بين الموقف اللبناني الرسمي وموقف حزب الله تجاه الاتفاق، للضغط على واشنطن للسماح لها بإطلاق يدها بشكل كلي في لبنان على قاعدة عدم التزام الطرف اللبناني بالاتفاق بشقيه الرسمي العاجز والمقاتل المعاند.
من هذا المنطلق أيضًا ينظر حزب الله إلى التفاوض والحرب. فهو لا يريد العودة إلى الخمسة عشر شهرًا التي توقف فيها القتال من طرف واحد، ولا يريد أيضًا أن تستمر الحرب القاسية القائمة. لذا، يراهن على اتفاق أو استعادة ردع إقليمية تنعكس في لبنان، وعلى الصمود الميداني والاستمرار في العمليات الاستنزافية حتى حين، وإلا فلا يرى إلا خيار الاستمرار في المقاومة، مع تهديده الناعم المستمر للدولة اللبنانية في حال قررت سحب سلاحه بالقوة.
الجيش اللبناني، بالمقابل، يرفض الصدام مع الحزب بما له من أثر على الداخل اللبناني، كما يرفض أن يتحول الى أداة بيد إسرائيل، وبالتالي يصرّ على وقف إطلاق نار شامل قبل أي شيء آخر، وهو ما ردت عليه إسرائيل باستهدافات مباشرة له، كان آخرها على طريق كفرتبنيت – الخردلي. لكن مرور الوقت وتصاعد الضغوطات الخارجية والداخلية، من دون وجود اتفاق لا إقليمي ولا داخلي، يرفع مستوى الضغوطات، ويعقّد علاقة الدولة مع حزب الله، ويزيد الاحتقان الموجود أساسًا، والذي يستمر في التصاعد.
ستكون الفترة المقبلة تجريبية من النواحي كافة. من غير المرجح أن نشهد فيها توقف تام للنار ولكن تجارب لخفض التصعيد ومحاولة اجاد الأرضيات المشتركة للمرحلة المقبلة مع تصاعد التوترات في الداخل اللبناني.

الدكتور حسام مطر
مدير أبحاث ومحاضر في علم الاجتماع السياسي في الجامعة اللبنانية
استراتيجية حزب الله في مواجهة التصعيد ومستقبل العلاقة مع إيران
بعد إعلان استشهاد المرشد الإيراني السيد علي خامنئي بالضربة الافتتاحية للعدوان الأميركي الإسرائيلي٬ استند المنطق الاستراتيجي لقرار حزب الله في 2 آذار 2026 ببدء الرد على الانتهاكات العدوانية الإسرائيلية لاتفاق تشرين الثاني 2024، إلى ضرورة أقلمة المواجهة مع إسرائيل لتصحيح ميزان القوى بشكل يضمن إمكانية الخروج بتسوية معقولة.
كسب الحزب رهانه، حتى الآن، بتمكّن إيران من إفشال الحرب عليها وحفاظها على المبادرة في مضيق هرمز وكسر إرادة الحرب عند إدارة ترامب. إلا أن حالة الإنهاك التي عانت منها طهران لم تتح لها عمليًا شمول لبنان بشكل تام في وقف إطلاق نار متزامن بين إيران ولبنان، فنجحت المناورة الإسرائيلية في تجدد القتال مع لبنان تدريجيًا لكن مع مظلة ردع إيرانية شملت العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية. لكن طهران واصلت الإصرار أن لبنان مشمول بوقف اطلاق النار وهو ما كان ورد في بيان الوسيط الباكستاني، وتؤكد طهران بشكل حاسم أن اتفاق الإطار مع واشنطن لن ينجز إلا ببند أول يضمن إنهاء الحرب على إيران ولبنان.
هذا الموقف أضاف طبقة جديدة من التعقيد لإدارة ترامب في مسار اتفاق الإطار مع طهران. يدرك ترامب أن نتنياهو الذي يعاني من ضغوط تصاعدية على مشارف انتخابات مصيرية له، لن يقبل بجعل مصير حربه على لبنان في يد إيران. وهذا ما يظهر في المنحى التصعيدي لنتنياهو بما يهدد بتخريب مقاربة ترامب تجاه لبنان وبتعطيل اتفاق الإطار المحتمل مع إيران. ولذا سارعت إدارة ترامب لتنشيط مسار المفاوضات المباشرة بين السلطة اللبنانية وحكومة نتنياهو لتشكيل نوع من اتفاق لوقف إطلاق النار يترك لتل أبيب حرية حركة واسعة في لبنان وبدون إنهاء الاحتلال لمواصلة إضعاف حزب الله إلى درجة يصبح عاجزًا عن منع اتفاق سلام لبناني إسرائيلي.
يدرك حزب الله بدقّة المذهب الأمني الإسرائيلي المستجد والمرتكز على الحسم بدل الردع. والحسم يستوجب اقتلاع التهديدات و (تلويث التربة) حتى لا تنمو تهديدات جديدة وهو ما يتحقق بتكريس إجراءات أمنية مستدامة (احتلال وعداون متواصل بمسمى الأحزمة الأمنية وحرية الحركة) واتفاقات سياسية اخضاعية. ولذلك يكرر قادة الحزب أن لبنان يواجه تهديدًا وجوديًا من إسرائيل في هذه المرحلة، وبالتالي لا خيار إلا إدارة حرب استنزاف ضد العدوان الإسرائيلي تحت مسار ردعي -–دبلوماسي إيراني. وهي بطبيعة الحال حرب استنزاف تقوم على مبدأ اللاتماثل في مستوياتها كافة للتخيف من كلفتها العالية.
تكتيكيًا وعملياتيًا يسعى الحزب إلى إبطاء الغزو البري الإسرائيلي ورفع كلفته ومنع استقراره من خلال عمليات استهداف مستدامة منهكة، وأن يفعل كل ذلك وفق استراتيجية تحدّ من فعالية القدرات العملياتية الإسرائيلية المتقدمة. وقد دخل الحزب في عملية تعلّم وتكيّف واسعة وعميقة وبنيوية بعد جولة القتال في 2024 وهو ما ظهر في كيفية إدارة القتال والنار وإدخال منظومة المسيرات الانقضاضية التي تحوّلت إلى مفاجأة عملياتية باهرة. وعلى المستوى الاستراتيجي يضغط الحزب على مستويين: تشكيل تصورات النخبة والجمهور الإسرائيلي حول واقعية وجدوى الغزو البري لحسم الحرب مع حزب الله، وإبقاء مستوطني شمال فلسطين المحتلة تحت النار والتهديد لتقويض الهدف المعلن للحرب لدى حكومة نتنياهو المتمثل في إعادة الأمن لسكان الشمال.
في هذا السياق سعت حكومة نتنياهو في الأيام الأخيرة لتقويض استراتيجية الحزب من خلال إرساء معادلة مستوطنات الشمال مقابل الضاحية الجنوبية وبيروت وهذا ما دفع طهران إلى إعادة تأكيد التزامها بقصف إسرائيل إن انتهكت وقت إطلاق النار في بيروت والضاحية الجنوبية. هذا التصعيد دفع بإدارة ترامب لمحاولة ضبط الموقف وتسريع إعلان صيغة لوقف إطلاق النار منحازة للمطالب الإسرائيلية بعد جولة مفاوضات مباشرة لبنانية إسرائيلية في واشنطن في 2 و3 حزيران الجاري. إعلن الحزب رفضه التام للصيغة وبحال جرت محاولة فرضها كما هي فمن المرجح أن يعاود الحزب استهداف المستوطنات الشمالية ردًا على العدوان التدميري الإسرائيلي وهو ما سيعني حتمًا قصفًا إيرانيًا لأهداف داخل فلسطين المحتلة ما قد يؤدي إلى جولة نارية إيرانية إسرائيلية جديدة.
إن الصراع الذي بدأ بتدويل إسرائيل للحرب على إيران (عبر انضمام أميركا لها) وصلت الآن إلى أقلمة حزب الله للحرب في لبنان. فإيران وحلفاؤها يجدون أنهم رغم ما تكبدوه من أثمان فادحة لحرب الجبهات المتعددة لنتنياهو منذ 2023، نجحوا في الصمود فيما استعادت إيران المبادرة نسبيًا ووصل النزف الاستراتيجي والعسكري والمعنوي إلى درجة قياسية في إدراك الأميركيين وقسم متزايد من الإسرائيليين. عند هذه النقطة يظهر أن خيار إيران وحزب الله هو وضع نهاية لمسار الحرب الإسرائيلية الأميركية لحقبة ما بعد طوفان الأقصى من خلال مساومة متوازنة نسبيًا.

سليمان بشارات
مدير مؤسسة يبوس للدراسات الاستراتيجية، خبير مختص بالشأن الإسرائيلي
التصعيد في لبنان ضمن رؤية إسرائيل لإعادة تشكيل الإقليم
لا يمكن البحث بمآلات ومستقبل السلوك الإسرائيلي على لبنان دون التوقف قليلا حول ما أحدثه السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من متغيرات في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وكذلك الأمر في البعد التوسعي الجيوسياسي لإسرائيل تجاه ما أسماه بنيامين نتنياهو الشرق الأوسط الجديد. فإمكانية الجزم بأن إسرائيل يمكن لها أن تقبل في اتفاق شامل مع لبنان ينهي حال الصراع على مبدأ قبول إسرائيل الانسحاب الكامل من الأراضي التي تمت السيطرة عليها واحتلالها بالقوة العسكرية قد يشكل أمرًا عبثيًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن التيار الذي يسيطر على صناعة القرار الإسرائيلي ممثلة باليمين المتطرف والصهيونية الدينية يقدم نفسه أنه جاء بمشروع تصحيحي للخطأ التاريخي الذي ارتكبه رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أرئيل شارون في العام 2000 من الانسحاب من لبنان وما بعده في العام 2005 من فك الارتباط أحادي الجانب والانسحاب من قطاع غزة وتفكيك مستوطنات شمال الضفة الغربية. فقيمة الحرب الإسرائيلية وفقا لمنظور تل أبيب يتخطى البعد الأمني المرتبط بإيجاد مساحة أمنية عازلة وتوفير حالة الاستقرار لمستوطنات شمال فلسطين المحتلة عام 48، كما يحاول الإسرائيليون التسويق لها في بعض المواقف كهدف لهذه الحرب.
ولفهم دوافع التصعيد الإسرائيلي تجاه لبنان يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ثلاثة محددات، تنطلق في أولها بالمحدد الإسرائيلي الداخلي وهي تجمع ما بين عاملين مركبين أحدهما مرتبط بالحالة السياسية الداخلية والسباق الانتخابي المرتبطة بتغيرات الهيكلية السياسية الحاكمة في إسرائيل، وثانيهما النظرة التوسعية في الشرق الأوسط وما بينهما من قواسم مشتركة في الأيديولوجيا الحاكمة لإسرائيل.
أما المحدد الثاني فهو مرتبط بالمنظور الجيوسياسي والجيو استراتيجي للوجود الإسرائيلي في الشرق الأوسط الذي بات يتشكل بشكل متسارع تعزيزًا لمفهوم إعادة تموضع إسرائيل كقوة شرق أوسطية، وليس فقط مرتبطة بالصراع مع الفلسطينيين، وهذا لشعور إسرائيل أيضًا بضعف الحضور الأمريكي المتواصل في الشرق الأوسط وتبدل الأولويات لدى واشنطن، ما يمكن أن ينبأ به من حالة فراغ تحاول إسرائيل أن تتداركه لتكون هي البديل المباشر منعا لأي مشاريع إقليمية أخرى ذات بعد تنافسي، وهو ما جعل من فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد تحضر بقوة في الذهنية والعقلية التخطيطية لإسرائيل.
أما المحدد الثالث، وهو يتقاطع مع المحدد الثاني ويتكامل معه في اعتبار أن إيران تمثل حلقة أساسية في المشاريع المنافسة في الإقليم (التركي، الصيني، الروسي، مع إمكانية إدماج بعض دول الخليج العربي)، التي تسعى لصياغة رؤية تشاركية بعيدة عن الرؤية الغربية في الشرق الأوسط التي أوجدتها الولايات المتحدة الأمريكية، ما يعني أنه في حال بقاء هذا التماسك لهذه السلسلة يعني ضمنيًا فشلًا مؤكدًا للرؤية الإسرائيلية التي هي الأخرى تحاول من خلال ما أنتجته من اتفاقيات إبراهيمية بناء شراكات لها تقوم على مبدأ الاندماج التام وليس مبدأ تطبيع العلاقات فقط، وتبرز هنا العلاقة الإسرائيلية الإماراتية كنموذج أساس أو نواة ترغب إسرائيل في تطويرها والبناء عليها، وهو ما يفسر كذلك الأمر الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كدولة رغم عدم تحقق ذلك على المستوى الدولي.
فإسرائيل في هذه المرحلة تريد أن تجعل من لبنان حلقة إضافية أخرى يمكن أن تكمل معها سلسلة العلاقة الإبراهيمية إذا ما استطاعت أن تقطع الامتداد الإيراني من خلال حزب الله، وهو ما يعني أن البوابة التالية ما بعد لبنان ستكون سوريا التي مهدت لها إسرائيل من خلال تواجد عسكري في الجنوب السوري بعد تدمير غالبية الترسانة العسكرية القديمة للجيش السوري، ثم العراق الذي يعتبر أرضيه شبه جاهزة في ظل الوجود الأمريكي منذ احتلال بغداد، وصولًا إلى إيران في حال نجحت إسرائيل بتحقيق الهدف الاستراتيجي لها بتفكيك النظام الإيراني الحالي وإعادة إنتاج نظام مفكك ضعيف يقوم على التبعية والاخضاع.
إذا قرأنا مشهد السلوك الإسرائيلي من المحددات السابقة، فإنه يمكن البناء عليها شكل وطبيعة التصعيد الإسرائيلي المستقبلي مع لبنان، باعتبار أن إسرائيل لم تستطع أن تحسم هذا الملف بشكل كامل حتى اللحظة، وعدم قدرتها على سلخ الملف اللبناني عن معادلة طهران، وهي تلك المعادلة نفسها التي قرأتها إيران بشكل سريع، وأدركت معها أن حماية بيروت يوازي حماية العاصمة طهران، وبدأت تتفاعل هذه المعادلة من خلال عودة التصعيد مرة أخرى الذي تقوده هذه المرة إيران على عكس المرات السابقة التي كانت فيها إسرائيل تكون هي صاحبة الضربات الافتتاحية.
ولفهم أعمق في أي الاتجاهات يمكن أن تذهب إسرائيل ما بعد هذه المرحلة، فإن الصورة التصعيدية القادمة ستكون أكثر حضورًا من صورة إدارة الجبهات إلى محاولة الانتقال لمرحلة حسم أو إغلاق أو انهاء الجبهات إن استطاعت إسرائيل أن تحقق ذلك، مع عدم إغفال محاولة تعزيز المسار السياسي الذي يمكن أن توفره واشنطن كحالة تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكتسبات سياسية لصالح إسرائيل. وهو ما يقودنا إلى بناء خارطة متوقعة إسرائيليا ترتكز في جوهرها على تقاسم وتوازي الجهد العسكري الإسرائيلي باتجاه لبنان وإيران مع نوع من تبادلية الكثافة الاستهدافية ما بين مرحلة وأخرى، وبشكل مواز لها تثبيت الواقع الجديد الذي خلقته إسرائيل في غزة وفي الجنوب اللبناني، والبناء عليه في التوسع المتدرج وهو ما يفسر الانتقال من الخط الأصفر إلى الخط البرتقالي بغزة وسط رفض استكمال خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة، وتحديد الخط الأصفر في الجنوب اللبناني باعتباره حدودا هجومية وليس دفاعية.
في المحصلة، ما زالت إسرائيل تعتقد أنه من خلال امتلاكها فائض القوة، والدعم الكامل لقرار الحرب في كل مكونات الحالة السياسية الإسرائيلية الداخلية، والتأثير المباشر في صناعة القرار في واشنطن، وتحييد التأثير الدولي في مسألة الحرب والسلم بهذه المرحلة بعد تراجع تأثير الدور الأوروبي، فإنه مهمة استكمال أهدافها لم تكتمل بعد، وأن إبقاء الملفات مفتوحة كجزء من استراتيجية خدمة المحددات الأساسية التي تبني عليها إسرائيل رؤيتها تجاه الشرق الأوسط الجديد، ما يعني أن مسألة الاستقرار طويل الأمد في المنطقة ما زالت بعيدة زمانيا، وأن إنضاج البيئة الشرق أوسطية وفقا للمنظور الإسرائيلي تحتاج إلى حالة متدرجة من التصعيد تمتزج فيها المسارات الأخرى إلى جانب مسار القوة العسكرية.

البروفيسور سرحان أفاجان
مدير مركز الدراسات الإيرانية (IRAM)
بين مضيق هرمز ولبنان: القضايا الحاسمة في المفاوضات الأمريكية الإيرانية
عندما اختارت الولايات المتحدة وإيران، عقب وقف إطلاق النار في 8 أبريل/نيسان، معالجة الأسباب الجذرية للصراع عبر المفاوضات بدلاً من مواصلة المواجهة، أدرك حتى أكثر المراقبين تفاؤلاً أن العملية ستكون شاقة ومعقدة. تاريخياً، لم تكن المفاوضات بين واشنطن وطهران سهلة في أي وقت، ولم تكن الجولة الحالية استثناءً من ذلك. ومع ذلك، ورغم عقود من العداء المتبادل، يبدو أن الطرفين يدركان أن التسوية التفاوضية تمثل المسار الأكثر واقعية للمضي قدماً. أما البديل، والمتمثل في العودة إلى المواجهة العسكرية وخطر التصعيد الإقليمي الأوسع، فسيترتب عليه كلفة لا يبدو أن أياً من الطرفين مستعد لتحملها إلى ما لا نهاية.
ومع ذلك، فإن الطريق نحو هذه التسوية لا يزال محفوفاً بالعقبات. فما زال الطرفان يختلفان بشأن عدد من القضايا الجوهرية، من بينها ترتيب تقديم التنازلات، ووضع مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وتخفيف العقوبات، وشكل النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب. كما يواصل انعدام الثقة المتجذر التأثير في تصورات وتوقعات الجانبين، في حين أن غياب إطار مؤسسي فعال لإدارة الخلافات أو منع الأزمات من التصاعد زاد من أهمية الوساطة الخارجية، وهو الدور الذي تضطلع به حالياً باكستان.
ويضيف البعد الإقليمي طبقة أخرى من التعقيد. فإسرائيل تنظر إلى العديد من القضايا المطروحة على طاولة المفاوضات من منظور استراتيجي مختلف تماماً، وتبدي شكوكاً عميقة تجاه أي ترتيبات تترك لإيران قدرات نووية أو إقليمية مؤثرة. أما طهران، فترى أن الصراع لا يمكن تجزئته أو التعامل مع ملفاته بمعزل عن بعضها. ويصر المسؤولون الإيرانيون بصورة متزايدة على أن وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان ليس قضية ثانوية، بل شرطاً أساسياً لأي اتفاق ذي معنى مع واشنطن. ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن أي تسوية تعالج الخلاف الثنائي بين الولايات المتحدة وإيران مع ترك الجبهة اللبنانية دون حل لن تؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة الأوسع بدلاً من معالجتها. ويظل لبنان، ولا سيما مستقبل حزب الله، محورياً بالنسبة للنفوذ الإقليمي الإيراني وللحفاظ على ما تبقى مما يُعرف بمحور المقاومة.
ومع ذلك، فإن أياً من هذه العقبات ليس مستعصياً بطبيعته على الحل. ومن ثم فإن السؤال الأساسي لا يتمثل فيما إذا كانت التسوية التفاوضية مرغوبة أو حتى ضرورية، بل في القضايا التي ستحدد في النهاية إمكانية التوصل إلى هذه التسوية من عدمها.
يتطلب ردم الفجوة أن تخرج كل من واشنطن وطهران من المفاوضات بنتائج يمكن لكل منهما تقديمها داخلياً وخارجياً بوصفها نجاحات استراتيجية.
فبالنسبة لإدارة ترامب، تراجعت القدرات العسكرية الإيرانية، كما تقلصت قدرة طهران على دعم شركائها من الفاعلين غير الحكوميين والتنسيق معهم، وأصبحت الجمهورية الإسلامية تواجه تحديات أمنية واقتصادية كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب. وفي هذا السياق، فإن إعادة فتح مضيق هرمز وفرض قيود ملموسة على البرنامج النووي الإيراني سيسمحان لواشنطن بالقول إن الضغوط العسكرية أفضت إلى نتائج دبلوماسية ملموسة.
أما طهران، فتنظر إلى المشهد بصورة مختلفة تماماً. إذ يبدو أن القيادة الإيرانية تعتقد أن الجمهورية الإسلامية تجاوزت أخطر مراحل الصراع، وحافظت على استمرارية النظام السياسي، وصمدت أمام الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، كما تمكنت من الحفاظ على العناصر الأساسية لمنظومة الردع الإقليمية الخاصة بها، وعلى رأسها حزب الله. ومن هذا المنظور، فإن تخفيف العقوبات، وتقليل الضغوط الاقتصادية، ورفع القيود البحرية، والحصول على ضمانات موثوقة ضد أي عمل عسكري مستقبلي، تمثل جميعها مكاسب دبلوماسية مهمة.
ويحتل مضيق هرمز مكانة خاصة في الحسابات الإيرانية. فعلى الرغم من استمرار السلطات الإيرانية في التشديد على حقها في اتخاذ إجراءات أحادية الجانب في الممر المائي، فإن طهران تبدو وكأنها تنظر إلى المضيق باعتباره ورقة تفاوضية أكثر من كونه هدفاً بحد ذاته. وخلال فترة وقف إطلاق النار، قامت إيران بضبط سياستها تجاه المضيق وفقاً للمناخ الدبلوماسي العام؛ فشددت القيود عندما تصاعدت التوترات، وخففتها عندما تحسنت فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية. وبهذا المعنى، لم يعد هرمز مجرد أصل استراتيجي، بل أصبح أيضاً إحدى أهم أدوات المساومة الإيرانية.
غير أن النفوذ الإقليمي الإيراني يمثل مسألة مختلفة تماماً. فبالرغم من أن الحرب قيدت قدرة طهران على التنسيق مع بعض شركائها غير الحكوميين ودعمهم، فإن المكونات الأساسية لشبكة نفوذها الإقليمية لا تزال قائمة إلى حد كبير. فما تزال إيران تتمتع بنفوذ معتبر على عدد من الجماعات المسلحة العراقية، ومن المرجح أن يبقى حزب الله لاعباً رئيسياً في السياسة اللبنانية، كما يواصل الحوثيون شغل موقع استراتيجي مهم على امتداد ممر باب المندب.
ورغم أن مصالح هذه الأطراف تتقاطع إلى حد كبير مع مصالح طهران، فإنها ليست مجرد أدوات أو وكلاء تابعين لها. فلكل منها أولوياته الخاصة، وقواعده الاجتماعية الداخلية، واستراتيجياته للبقاء والاستمرار، ما يعني أن النفوذ الإيراني، رغم أهميته، ليس مطلقاً ولا متجانساً في مختلف أنحاء المنطقة. وفي الوقت ذاته، فإن الحفاظ على هذا النفوذ مرشح لأن يصبح أكثر صعوبة لا أسهل. فالأعباء المالية والسياسية والأمنية التي خلفتها الحرب ستعقد قدرة طهران على المحافظة على شبكاتها الإقليمية بالمستوى الذي كانت عليه سابقاً، حتى لو بقي الهيكل العام لهذا النفوذ قائماً.
وخلاصة القول، إن أي اتفاق بين واشنطن وطهران من شأنه أن يخفف الضغوط العسكرية المباشرة على إيران ويسهم في تهدئة التوترات الإقليمية. لكنه في المقابل سيضع الجمهورية الإسلامية أمام مجموعة جديدة من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي قد لا تقل أهمية عن التحديات التي تواجهها حالياً. ولذلك، فإن نهاية الحرب قد لا تمثل بالنسبة لإيران نهاية التحديات، بل بداية مرحلة جديدة منها.
الشرق للأبحاث الاستراتيجية