هذا الموضوع مترجم من اللغة الإنكليزية عن موقع منتدى الشرق.

المُلخَّص: انسحب دونالد ترمب من اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة (اختصارُها JCOPA)، وهدَّد إيران بشنِّ حربٍ اقتصادية هدفها النهائي تغيير النظام الحاكم في إيراني. إيران ما زالت ملتزمةً بالاتفاقية وترمو إلى نمو حجم التجارة بينها وبين الاتحاد الأوروبي. ويحاول الاتحاد الأوروبي الحفاظ على الاتفاقية بحماية تبادلها التجاري مع إيران على الرغم من العقوبات الأمريكية. ولأنَّ الاتحاد الأوروبي كان أحد المخطِّطين الرئيسين لهذه الاتفاقية التاريخية الهادفة إلى الحدِّ من انتشار الأسلحة النووية، فالإبقاء عليها مهمٌ لمصداقيته. تتعلّق المسألة بالاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي، وقدرته على تنفيذ سياسة خارجيّة مستقلّة. ستؤخّر العقوبات الأمريكية التطور السياسيّ داخل إيران، ومع العقوبات الضغط الأمريكي على دولٍ أخرى لتحذو حذو أمريكا في معاقبة إيران. ولكن هذا سيُلحق الأذى بالشعب الإيراني أكثر مما سيضرُّ بالنخبة السياسية.

ترمب: مكاسب قصيرة الأجل وخسائر طويلة الأمد

كان ترامب واضحًا منذ بداية حملته الانتخابية باقتناعه أن الولايات المتحدة عادةً ما ينتهي بها الأمر كطرف خاسر في السياسة والتجارة الدوليّة. وفي منصبه كرئيس للولايات المتحدة استخدمَ ترامب تكتيكات المعاملات التجاريّة -التي ميّزت مسيرته التجارية- ليناورَ بها على ساحة السياسة العالميّة. وتداعيات مذهبه المُستحدث في فهم السياسة وإدارتها فادحة. وعلى صعيد السياسة العالميّة الحافلة بمتجاوزي القانون تكون عواقب خرقه مختلفةً كليًا عندما يتجاوز القانون أحد واضعيه ومنفذيه.

بيَّنت الأشهر الستة عشر الأولى من هذه الفترة الرئاسية أنَّ هناك اتساقًا في هذا الخرق للقوانين وعدم الأهليّة: لا يُمكن اعتبار الولايات المتحدة فاعلًا راسخًا في المشهد الدولي بعد الآن؛ إذ أن مشاركتها البناءة ليست مضمونة، ومن خلال هذا التبدُّل المستمر في مواقفها واستخدام تويتر للتلميح أو الإعلان والتردد بشأن تلك المواقف، يُبقي الجميع في حالة تأهبٍ دائم[1]. وأكثر ما يوضِّح هذا: طريقة تعامل الإدارة الأمريكية مع الاتفاقية النووية التي أبرمتها مجموعة الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة لألمانيا، مع إيران (الاتفاقية التي نتجَت عنها الاتفاقية). كلّ المُتنافسين للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لهم ليخوضوا انتخابات الرئاسة الأمريكيّة يتبنون موقفًا نقديًا من الاتفاقية، ولكن ترمب سعى لتخريب الاتفاقية بطريقته الغريبة والخاصة.

كانت استراتيجيته الأولى استخدام ظهوره الإعلاميّ للتشكيك -بشكلٍ مستمر- بشرعية الاتفاقية، وأهمّ من ذلك: ليصرّح بتفكيره بعدم التوقيع على رفع العقوبات بشكل دوريّ كلَّ 90-120 يومًا، وهو ما تُلزم به الولايات المتحدة بناءً على الاتفاقية. وهكذا هدمَ ترامب موثوقية التزام الولايات المتحدة بالاتفاقية، وقصَّر بذلك الإطار الزمني للتنبؤ، مُهملًا عرف استمرار الالتزامات القانونيّة رغمَ تعاقب الإدارات الأمريكيّة، راميًا الجميع في حالة قلق وترقّب كلّ 90 يوم. وهكذا أُضعفت الركيزة الاقتصاديّة للاتفاقيّة، وبدأت بزعزعة استمرارية الاتفاقية في الحياة السياسية. شعرت طهران بالضربة ومعها أوروبا التي تعافت تجارتها مع إيران على نحو أسرع من بقية الأطراف التي ساهمت في مفاوضات الاتفاقية. وأن تكون مدّة تحصيل العوائد الاستثمارية 3 أشهر فحسب فهي مدة لا تعني إلا جعلَ التعاملات التجارية، بيعًا أو شراءً، غير ممكنة. وعدا عن إيذاء الاقتصاد الإيراني تهدفُ هذه الأفعال لاستفزاز إيران لتنسحب من الاتفاقية.

انسحاب إيران هو الخيار الأمثل لمَن يريدون إنهاء الاتفاقيّة، لأسباب قانونيّة وسياسية بسيطة جدًا. لا اتفاقيّة بدون إيران، ولتضمن الولايات المتحدة امتثال إيران للاتفاقية دون الاضطرار لمجابهة دولٍ أخرى تملك حقَّ الفيتو في مجلس الأمن، خاصةً روسيا والصين، أصرَّت إدارة أوباما على آلية انسحابٍ سريع من الاتفاقيّة، ونجحت في فرضها، الآلية باختصار: في حال وقوع خرقٍ جوهريٍ للاتفاقيّة يكون قرار مجلس الأمن بتعليق العقوبات الاقتصادية الدوليّة على إيران قرارًا لاغيًا ويُعاد فرض العقوبات تلقائيًا، وتُلزم الدول أعضاء الأمم المتحدة بهذه العقوبات بنص القانون. ولذا، خرق إيران للاتفاقية أو انسحابها منها هو الطريق الأسرع والأقل كلفةً للولايات المتحدة لفرض حالة العزلة الدوليّة على إيران.

ومع ذلك، أدركت إدارة روحاني جيّدًا اللعبة الأمريكية، ولم  تترك نفسها لتقع فريسةً لاستفزازٍ قد يدفع بها للإقدام على أيِّ ردِّ فعلٍ متهوِّر. ومع أن طهران اشتكت للأوروبيين من الآثار الوخيمة التي سبَّبتها كلُّ هذه الجلبة الأمريكية على التجارة، فإيران لم تتخذ أيَّ فعلٍ أكثر صداميةً من الشكوى.

اقتضت استراتيجية ترمب الثانية الضغط على الاتحاد الأوروبي للموافقة على التقدُّم بمطالب صارمة جديدة مُتعلّقة بقضايا (غير الأسلحة النووية) تعتبرُ واشنطن وبروكسل على حدٍّ سواء سلوك طهران فيها إشكاليًا جدًا (مثل الصواريخ الباليستية، وسوريا، إلخ …). الهدف أن تُري أميركا طهران والعامَّة في إيران أنَّه بغضِّ النظر عن الاتفاقية النووية، ما زالت بلادهم دولةً منبوذة. وطلب ترامب كان دعوةً للدول الكبرى الثلاث في الاتحاد الأوروبي (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) للتصدّي لطهران، وإنذارًا أخيرًا مفاده أن الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاقية ما لم تُعدَّل الاتفاقية (هذا للترويج السياسي وليسَ ممكنًا قانونيًا). وبتطوّر هذه الاستراتيجية غادرَ عضوان رئيسيان رئاسةَ ترامب: مستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر ووزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، ما عنى أن وزير الدفاع جيمس ماتيس لم يعد مع فريق يتبنّى رؤيةً أكثر واقعية تجاه السياسة الدولية داخل الرئاسة. أصبح ماتيس الآن صوتًا وحيدًا في مواجهة صقرين شديدي الأدلَجَة، هما جون بولتون ومايك بومبيو، اللذان كانا يتغنَّيان بنغمة ترمب وتصوُّره لأهميَّة الولايات المتحدة وقوتها في العالم بشكلٍ أفضل كثيرًا من سابقيهما. وتقوِّي شوكة هذه الموجة الجديدة علاقةُ ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. فَتل أبيب والرياض على حدٍّ سواء تبحثان عن طريقةٍ لإلغاء اتفاقية الاتفاقية، وتعملان على التصدِّي بشدة لإيران في منطقة الشرق الأوسط. وهذا التصوُّر الإسرائيلي السعودي لديناميات الشرق الأوسط يشاركهم فيه إلى حدٍّ كبير الرئيس الأميركي ترمب وفريقه الجديد للسياسة الخارجية.

عند هذه النقطة، ارتكبت الدول الأوروبية الثلاث ما قد يوصف بأنَّه خطأ تكتيكيٌّ مشروط[2]. إذ استمرَّت هذه الدول في افتراض أنَّ الولايات المتحدة تحت رئاسة ترمب هي طرفٌ عقلانيٌّ وحليفٌ مخلص على حدٍّ سواء، وأنَّه توجد قاعدةٌ مشتركة بين القوَّتين اللتين بَنَتا معًا النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، تتعلَّق بكيفية تقييم المخاطر والمكاسب والأضرار الجانبية والتعامل معها. وعليه، كان من شأن ذلك أن يفسح المجال لإجراءاتٍ يمكن اتخاذها ضد إيران تُنقِذ الفهم المشترك -بين القوَّتين- الآخذ في الانهيار للعالم. بعد ذلك يمكن استخدام رأس المال السياسي المكتسب جديدًا للتأثير في ترمب وإقناعه بعدم الانسحاب من الاتفاقية النووية[3]. كان هذا خطأً لأنَّ الدولة الحليفة عبر الأطلسي -الولايات المتحدة الأمريكية-، تلك التي يمكن التنبؤ بتصرفاتها ضمن حدود العقلانية المتعارف عليها، لم تعد كما كانت، وأيًّا كان ما سيجري الاتفاق عليه فيجب أن يكون في شكل معاملةٍ قائمة على أساس تبادل المنفعة؛ لأنَّ ترمب يفهم السياسة هكذا. كانت فرص استمالة ترمب آنذاك ضئيلةً للغاية، فبتوسُّلهم له كي يبقى في الاتفاقية أضعفت دول الاتحاد الأوروبي الثلاث حينذاك مصداقيتها أمام نظيرتها طهران، التي لا اتفاقية من دونها. وراقبت الحكومة في طهران، فيما حاولت الدول الأوروبية الثلاث استرضاء ترمب باستخدام المعادلة القديمة نفسها التي لم تنجح قبل بداية المفاوضات الجادّة للتوصل إلى الاتفاقية عامَ 2013 التقدّم بمطالب لإيران مدعومة بتهديداتٍ بالضغط والعقوبات الاقتصادية دون الخوض في أيِّ حوارٍ حقيقي معها، وهكذا لا دافع لإيران لتنفيذ المطالب.

في النهاية، لم تحصل الدول الأوروبية الثلاث على أيِّ شيءٍ في مقابل جهودها لاستيعاب مطالب ترمب. تركت الولايات المتحدة الاتفاقية بخطابٍ[4] كُتبَ بحدٍ كبير بِنَفَسِ بولتون، مستشار الأمن القومي. ووُجِّه لطهران إنذارٌ أخير، يرفض سياسة التوصُّل لاتفاقٍ متعدِّد الأطراف، ورسالة واضحة برفض الاعتراف بالجمهورية الإسلامية كدولة شرعيّة فاعلة، ومناداة الشعب الإيراني بدلًا من ذلك بتغيير نظام الحكم. ردَّد ترمب عددًا من الأكاذيب بشأن الاتفاقية، وبشأن ما كان يُفترض أن تنظِّمه وما قدَّمته في المقابل لإيران، وبيَّن بوضوح أنَّ الولايات المتحدة ستفرض الآن أقسى العقوبات الممكنة على إيران وعلى شركائها التجاريين. وهكذا أوضح أنَّ أجندته هي في حقيقة الأمر فرضٌ يُتوقَّع من الاتحاد الأوروبي الامتثال له. كانت الصدمة والذعر اللذان انتابا العواصم الأوروبية عميقين؛ إذ اتَّضح أنَّ المقاربة التي تنتهجها إدارة ترمب لهذه القضية بعينها لم تكن حالةً شاذةً، بل جزءًا من نمطٍ أوسع. وبالنسبة إلى البعض ممَّن تمسكوا بمفهوم الشراكة عبر الأطلسي، كان أملهم الواهن هو أن يشرح لهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو كيف نَوَت إدارة ترمب أن تتوصَّل لهدفها المتمثِّل في “صفقةٍ أفضل”: كان يُنتظَر من بومبيو بالأساس أن ينقل ما يريده ترمب. لكنَّ خطاب بومبيو في مؤسسة التراث كان أكثر التباسًا. في ذلك الخطاب عرض بومبيو ما زعم أنَّها خطواتٌ ملموسة يمكن لإيران، بل ويجب عليها، اتِّخاذها حتى تتنازل واشنطن وتتفاوض معها. قدَّم بومبيو قائمة مطالب شملت كلَّ شيءٍ تلقي فيه واشنطن باللوم على الجمهورية الإسلامية بدءًا من قيامها وحتى اللحظة. باختصار، طالب بومبيو باستسلامٍ غير مشروط من جانب إيران: لا تدخُّل في سوريا أو اليمن أو العراق، ولا دعم لحزب الله، ولا برنامج صواريخ، وتوقيف جميع نشاطات التخصيب النووي، إلخ. وفي هذه الأثناء، أو حتى يحدث ذلك، سوف تشنُّ الولايات المتحدة حربًا اقتصادية ضد إيران حتَّى تذعن، أو تنهار من داخلها كما تُفضِّل أميركا. وهنا كرَّر بومبيو كلمات ترمب بترديد بيان أنَّ الشعب الإيراني يستحقُّ أفضل ممَّا هو فيه، وأنَّ عليه التحرُّك لتغيير النظام الإيراني من الداخل.

مناورات الاتحاد الأوروبي وقدراته

تُعتبر الاتفاقية النووية مع إيران نصرًا أوروبيًّا خالصًا؛ إذ إنَّها تثبت جدوى الاتفاقيات المشتركة، وهي خطوةٌ كبرى للأمام للحدِّ من انتشار الأسلحة النووية عالميًا. وباعتبارها إنجازًا تاريخيًّا يُنسَب للاتحاد الأوروبي، تُعَدُّ نجاة الاتفاقية أمرًا حاسمًا ليس فقط بالنظر لما حقَّقته، بل مهمٌّ الدفاع عنها أيضًا في سبيل الإبقاء على مصداقية السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. وانتبه لاتحاد الأوروبي متأخرًا على حقيقة حاجته لأدواتٍ لحماية أهداف سياسته الخارجية ونتائجها التي من هذا النوع. وبما أنَّ التجارة هي جزءٌ أساسيٌّ يُبقي إيران في الاتفاقية، فإنَّها أيضًا المظهر الأبرز في سلوك السياسة الخارجية للدول. ودافعت فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمنية، دافعت باستمرارٍ عن الاتفاقية، وجاهرت بالتصدِّي لإدارة ترمب. ولوقتٍ ما، بدا كما لو كانت بروكسل أكثر بعدًا في تفكيرها من الدول الأوروبية الثلاث على سبيل المثال. وما أن اتَّضح عدم جدية واشنطن في حل القضيّة، عبَّر دونالد تاسك وغيره من كبار المسؤولين من داخل نظام الاتحاد الأوروبي إلى جانب ممثِّلي دولٍ من أعضاء الاتحاد عن صدمتهم وإحباطهم من نَهج ترمب. تُعتبر هذه القضية ملحَّةً ليس فقط لأنَّها تدعم ما أُنجز في للوصول للاتفاقية، بل أيضًا لأنها تُنحِّي آثار العقوبات الاقتصادية الأمريكية الجديدة منها والقديمة على التجارة مع إيران. والآن تحتاج حكومة روحاني المحاصَرَة لدفاعٍ أوروبيٍّ متينٍ وقويٍّ عن الاتفاقية كي تتمكَّن من صدِّ رواية المتشدِّدين داخل إيران وكسب تأييدٍ من جانب الرأي العام الإيراني، الذي يزداد تشاؤمًا يومًا بعد يوم.

ما تتوقَّعه إيران

صار الآن للمتشدِّدين في إيران ممَّن عارضوا الاتفاقية منذ البداية (بالضبط كما نظراؤهم في واشنطن) روايتهم الخاصَّة عن الأميركيين المخادعين وعن الأوروبيين الضعفاء: لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة؛ إذ نكثت بتعهُّداتها في خطة الاتفاقية، وحتى الآن لم يتكاتف الأوروبيون بعدُ لإعاقة هذا الخطر الذي يُهدِّد بقاء الاتفاقية. وتصبُّ العقوبات الاقتصادية الأمريكية الجديدة وخطر تغيُّر النظام الحاكم في إيران في مصلحة المتشدِّدين تمامًا؛ لأنَّها تتفق ورؤيتهم للعالم، وتساعد على فرض ترابطٍ بين نخبة الداخل الإيراني، وتقدِّم أعذارًا جمَّة لتبرير تصرفاتها بذريعة الأمن القومي للمجتمع[5]. ويُفسح هذا المجال بدوره للعناصر الأكثر محافظة داخل الجمهورية الإسلامية كي يتجاهلوا ويهمِّشوا رغبات الأغلبية العظمى من الإيرانيين، المتمثِّلة في مجتمعٍ أكثر انفتاحًا لديه علاقاتٌ أفضل مع الغرب.

تحسَّن الاقتصاد الإيراني منذ إبرام الاتفاقية، لكن كان جليًّا أنَّ هذا التحسُّن لم يكن بالسرعة ولا الحجم اللذين قد ترغب فيهما الحكومة والشعب في إيران. والإنجازات الكبرى في إيران مرتبطةٌ أكثر بالاقتصاد الكليّ للبلاد ما يعني أن المواطن الإيراني العادي لم يَنَل نصيبه منها بعد. ما زالت معدلات البطالة مرتفعةً بشدَّة، وبغرض السيطرة على معدَّلات التضخم طبَّقت الحكومة الإيرانية إجراءات تقشف تعني تدنّيًا في الإنفاق العام والاستثمار. زِدْ على هذا غياب أيِّ سياسةٍ مُنظَّمةٍ لإعادة التوزيع، فعلى سبيل المثال لا يُعاد توجيه النمو الاقتصادي -وناتجه- بأي طريقة واضحة نحو قطاعات مجتمعية هشّة، وأصبح واضحًا أنَّ عامَّة الشعب الإيراني ليسوا متأكدين إذا ما كانوا يحصدون فوائدَ كثيرةً من الاتفاقية وهي في حالتها الأولى، ناهيك عن تداعيها الآن على يد الرئيس الأميركي دونالد ترمب[6].

وهكذا، كان الاقتصاد الإيراني بالفعل يعاني من حالة ارتباك خلقها وأجَّجها ترمب طوتال الأشهر الثمانية الماضية، وحتميّة العقوبات الاقتصادية الأمريكية الجديدة ستضعفه أكثر بلا شك، لكنَّ ما يضاهي حالة الاقتصاد الإيراني أهميةً هو الأثر النفسي الذي تسبِّبه هذه التطورات[7]. ففي الوقت الراهن، يسري في إيران شعورٌ بأنَّ التوقُّعات بشأن ما قد يجلبه الاتفاق النووي للبلاد ومواطنيها، من حيث النفع الاقتصادي وزيادة حجم التعامل بينهم وبين أوروبا، تُسحَق نهائيًّا الآن. ومن جديد، يُفرَض حصار على البلاد، في حين يبدو مستقبلها الاقتصادي والسياسي مبهمًا. ردَّ المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في يوم 23 مايو/أيار على بومبيو بإصدار قائمةٍ مقابلة من المطالب الإيرانية، وإن لم تكن موجَّهةً للولايات المتحدة، بل لأوروبا. وبينما كانت بعض شروط خامنئي مبالغًا فيها -مِثلَ مطالب بومبيو-، فبعضها كان على الأقل مؤشِّرًا يشي بموقف ساسة طهران في الوقت الراهن. صرَّح المرشد الأعلى بأنَّه ربما كان بإمكان أوروبا تجنُّب وقوع هذه الكارثة إذا تصدَّت لترمب في وقتٍ مُبكّر. وقال متحدثًا عن الدول الأوروبية الثلاث:”ليسوا أعداءنا، لكننَّا لا نثق بهم”. وقال خامنئي إنَّه لحين وفاء أوروبا بشقِّها من الاتفاقية، يتوجَّب عليها الآن ضمان استمرار بيع النفط الإيراني، وألَّا تتطرَّق لنظام إيران الدفاعي الصاروخي[8]. ورغم أنَّ المطلب الأخير غير واقعي، فهو يبيِّن كيف غيَّرت إيران موقفها تكيُّفًا مع الظروف. وقد لمَّحت إيران باستعدادها لمناقشة قضايا أخرى قبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية وقبل تهديدها بذلك. لكن هذا الأمر لم يعد ممكنًا كخيار سياسيّ بعد الانسحاب الأميركي وقائمة مطالب بومبيو، فقبول التفاوض على اتفاقيةٍ جديدة حول قضايا دفاعية حسَّاسة بعد أن نكثت الولايات المتحدة بالاتفاقية الأولى هو أمرٌ مرفوض، وبالتأكيد سيُنظَر إليه على أنَّه ضعفٌ من الجانب الإيراني.

وصرَّح خامنئي أيضًا بوضوح أنَّه لا يصدِّق أنَّ أوروبا والاتفاقية النووية هما السبيل الذي تحتاج إيران إلى أن تسلكه لتُعيد بناء اقتصادها. وبينما يوجد في حديثه عنصرٌ من الخطاب القديم المنتمي لمدرسة العالم الثالث، فهو يشي بفهمٍ مشترك مفاده أنَّ الولايات المتحدة هي الطرف المعزول في هذه الأزمة، وحتى إن فشلت أوروبا في فعل ما يلزم للإبقاء على الاتفاقية، فلا الصين ولا روسيا ستتوانى عن تجارتهما مع إيران. لكنَّ هذا يتطلب كثيرًا من ضبط النفس من جانب طهران، في لغة خطابها وفي أفعالها على حدٍّ سواء. وفي حين تفهم الحكومة الإيرانية هذا الأمر، يظلُّ السؤال الأهمُّ حول ما إن كانوا سيقدرون على إقناع المتشدِّدين السياسيين وصقور قوَّات الحرس الثوري الإيراني بأن يتماشوا مع هذا النهج[9].

ماذا يمكن للاتحاد الأوروبي فعله؟

سيتوجَّب على الاتحاد الأوروبي لإنقاذ الاتفاقية العمل بالتوازي على مستويين: أولًا التصدِّي للعقوبات الاقتصادية الأمريكية الثانوية، والثاني تأمين التجارة مع إيران.

المستوى الأول هو الأصعب على الصعيد السياسي، وسيخدم في المدى القصير كفعل رمزي من شأنه المساعدة في تبيين التزام الاتحاد الأوروبي بالتجارة الحرة عامةً وبالاتفاقية خاصةً. وسيحتاج الاتحاد الأوروبي ليُنقذ هذه التجارة الحرة (أي العقود والمشاريع الحالية) أن يتخذ إجراءاتٍ مضادة للعقوبات الأمريكية الثانوية. تلك العقوبات تنطبقُ على الشركات الأوروبية أيضًا إذا ما أجرت معاملاتٍ تجارية مع إيران، رغمَ أن تجارتها هذه سلوكٌ قانونيٌّ في الاتحاد الأوروبي. وعندما اضطُرت إدارة كلينتون لتطبيق عقوباتٍ كتلك على كوبا وأصدرت قانون عقوبات إيران وليبيا في تسعينيات القرن الماضي، كان ردُّ فعل الاتحاد الأوروبي عنيفًا؛ إذ أقرَّ قوانينَ لاعتراض العقوبات حمايةً لمشاريع الأعمال الأوروبية، وهدَّدت دول الاتحاد بمقاضاة الولايات المتحدة لدى منظمة التجارة العالمية بتهمة انتهاك الاتفاقيات التجارية. وتجنّبًا للمواجهة أصدرَ كلينتون تنازلات تَحُولُ دون تحوّل الشركات الأوروبية الكبرى بعقودٍ إيرانية إلى شرارة تُشعل حربًا تجاريّة مع الاتحاد الأوروبي. لاحقًا، مع تطوَّر الأزمة النووية مع إيران بعد عامي 2005 و2006، كثَّف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معًا الضغوطَ المُمارَسة على إيران، ولم تُصر بروكسل وقتها على رفض العقوبات الثانوية، بل في الواقع، قبلت بروكسل آلية العقوبة هذه لأنَّها حملت نفس هدف واشنطن النهائيّ من هذه العقوبات؛ عزل إيران اقتصاديًّا. وهذه مهمَّةٌ صعبة وخطوةٌ ليست مستعدةً لها كلُّ الدول الأعضاء في الاتحاد[10]. وجهة النظر المطروحة تقول بإعادة تفعيل القوانين الاعتراضية السابقة لتنفيذ العقوبات الأمريكية في أغسطس/ آب. ولكن شكوكًا تحيط بسرعة تنفيذ الخيار التشريعيّ/ القانونيّ وأثره لصد واشنطن وتدعيم ثقة طهران بالاتحاد الأوروبي [11].

يتعلَّق المستوى الثاني بالحفاظ على التجارة مع طهران، ويتطلَّب هذا إدراك أنَّ المنطق التقليدي للتجارة العالمية في هذه الحالة بعينها يصبح عائقًا لا دليلًا إرشاديًّا. فالتجارة جزءٌ لا يتجزَّأ من السياسة الخارجية، وبذلك كي يتمكَّن الاتحاد الأوروبي من ممارسة سياسته الخارجية الخاصَّة، فهو في حاجةٍ إلى أن يضمن استقلالية تجارته. وفيما ينبني النظام المالي العالمي على التجارة الحرة مستخدمًا الدولار بصفته عملته الرئيسة، يُحتِّم ذلك أن تُلقي القوانين والسياسة الأمريكية ظلًّا