تنزيل الـ PDF

بعد موسم انتخابي طويل..تونس بين دفعة جديدة للثورة أو الدخول في مرحلة اللايقين

خلاصة: عاشت تونس موسمًا انتخابيًّا طويلًا انطلق أواخر شهر أغسطس لينتهي أواسط أكتوبر 2019، ولم تفرز هذه الانتخابات تجديدًا لمؤسسات الدولة فقط، وإنما كانت زلزالًا يضع البلاد أمام مرحلة مختلفة كليًّا، وترمي هذه الورقة إلى تلمُّس آفاق تجربة التحول الديمقراطي في تونس، من خلال مناقشة عدَّة عناصر أهمها: الخارطة البرلمانية الجديدة، وأهم رسائل المسار الانتخابي، وتحدّيات المرحلة القادمة، والسيناريوهات المحتملة. وتخلص الورقة إلى أنَّ تونس الآن في تلك المنطقة التي تتوازن فيها حظوظ النجاح مع احتمالات الفشل، مع تغليب احتمالات النجاح رغم الصعوبات.

الخارطة البرلمانية: المكونات والرهانات المحتملة

الصورة العامة

غابت عن البرلمان الحالي قوى كانت مؤثرةً في البرلمان السابق، وخاصةً نداء تونس والجبهة الشعبية، ويمكن المجازفة بالقول إن الكتل الانتخابية الكبرى (المحافظة في مقابل العصرانية) حافظت على أوزانها والتوازن بينها، فحصيلة المقاعد الحالية لحزب النهضة وائتلاف الكرامة وحزب الرحمة وبعض المستقلين هي نفسها تقريبا مقاعد حركة النهضة في عام 2011، كما أن حصيلة مقاعد أحزاب قلب تونس والدستوري الحر وتحيا تونس والمشروع والبديل والنداء، هي تقريبا مقاعد نداء تونس في عام 2014.

ومن الأرجح أن تؤشر نتيجة الجبهة الشعبية وحزب المسار إلى نهاية نمطٍ من اليسار لم يقدر على التأقلم مع التطورات الكبرى في البلاد. وكانت النتيجة ستكون أقسى مع قانون انتخابيٍّ يتضمَّن عتبةً، وهو ما تتجه إليه البلاد. وقد يكون الناخب لليسار التقليدي قد هاجر باتجاه التيار الديمقراطي وحركة الشعب.

من زاوية النظر هذه، يكون هذا الذي حصل نوعا من إعادة الانتشار داخل كل عائلة بما يدلُّ على حراك فرعيٍّ ضمن حراكٍ أوسع وأشمل يحتاج إلى تحليلٍ مستقلٍّ.

لكن الأهم أنه لم تعد توجد منطقةُ أمان انتخابيٍّ تكون حكرًا على هذا الحزب أو ذاك، فقد انتهت سردية الممثل الشرعي والوحيد للفئة المحافظة أو للفئة العصرانية؛ بل توشك أن تنتهي سردية الأخ الأكبر داخل كل عائلة. وقد يكون من الضروريِّ طرح السؤال الجذري: هل لا يزال مفهوم العائلة يملك القدرة التفسيرية لما يحدث على الأرض؟

أما من ناحية العدد والتأثير، فيمكن أن نعتبر البرلمان فسيفساء مكونةً من سبع قوى (النهضة، وقلب تونس، والتيار الديمقراطي، وائتلاف الكرامة، والدستوري الحر، وحركة الشعب، وحركة تحيا تونس) والآخرين.

تفاصيل المشهد:

  1. حركة النهضة (52مقعدًا من أصل 217 مقعدًا يتألَّف منها البرلمان …منها23 مقعدًا تمَّ الحصول عليهم بأكبر البقايا)

هو الحزب الوحيد المتبقي من منظومة ما قبل 2011 بحكَّامها ومقاوميها، وهو الحزب الأقل خسائر من أحزاب ما بعد الثورة؛ بفضل موارد قوته الرئيسة حيث أنه تعبير سياسيٌّ عن حقيقة اجتماعية، دعمتها التجارب النضالية المشتركة، والأرضيَّة الفكرية، والقدرة التنظيمية، والثقافة الحركية الأقرب لثقافة الجماعات منها لتعاقدات الأحزاب، إضافة إلى قدرته على التأقلم والتكيف.
إلا أن هذه الخصائص تتعرض حاليًا لامتحان الحكم، فالنهضة أمام امتحان الهوية بين أن تكون حزبًا سياسيًّا ذا بصمة خاصَّة أو أن تكون حزبًا سياسيًّا نمطيّا.وعلاوة على ذلك، فإن القاعدة الانتخابية للنهضة تتعرض منذ ثماني سنواتٍ إلى تقلُّص مستمر.

وليس عجبًا في الوضع الديمقراطي أن تتقلَّص القاعدة الانتخابية للأحزاب. فالجمهور الناخب متطلِّب بطبعه وتوَّاق للتغيير، والمعيار لديه هو تحقيق الوعود والمحافظة على صورة معيَّنة. والانطباع في السياسة هو الحقيقة. ولذلك تتعرّض القاعدة الانتخابية في الديمقراطيات لما تتعرض له آلة الأكورديون من انبساط وانقباض، ولكن الامتحان الذي تعرضت له النهضة في السنوات الأخيرة يتجاوز الحكم على الأداء وتحقيق النتائج. إذ إنه يطال صورة الحركة أو هويتها. وأكبر معضلة اعترضت النهضة منذ الثورة هي تلك التي اعترضت كل الحركات المناضلة في انتقالها من فضاء المقاومة والاحتجاج إلى فضاء البناء. فكيف توائم بين سياسة الاندماج وواجب التغيير، وكيف توائم بين الدولة والثورة، وكيف تكيّف ثوريتها في الدولة والحكم، وكيف تحافظ على سمتها ومبادئها ووفائها لقاعدتها الانتخابية مع كل الإكراهات في بلادٍ لا تملك الكثير من هوامش التحرك، وفي سياقٍ إقليميٍّ متأزمٍ وسياقٍ دوليٍّ متوجس فاقَمه الانتماء إلى المرجعية الإسلامية؟

وما هو أخطر من تقلُّص القاعدة الانتخابية هو أن تدلَّ نتائج الانتخابات على حكمٍ من الجسم الناخب الذي “أرسل” النهضة إلى الدولة لتغييرها أو التغيير بها، فإذا بها تستقرُّ فيها، بل ربما خضعت لتأثيرها وفَقَدت توهجها التغييري وعلاقتها بجمهورها، دون الحديث عن احتمال انتقال الأزمة داخل الحركة نفسها مع وجود فجوةٍ بين النهضة الشعبية والنهضة القيادية.

إن نتيجة الانتخابات تعتبر في هذا السياق هديةً ملغومةً، ولكنها فرصةٌ أخرى للنهضة كي تتدارك أمرها، وتصلح حالها، وتوضِّح تموقعاتها، وتحسن أداءها دون أن تكون بين يديها هوامش كثيرة للتصرف. فهي فرصة للانتباه لمضار الرتابة، وسوء أحوال البلاد والنَّاس، واستئناف التفكير بطريقة مغايرة.

  1. قلب تونس(38مقعدًا من ضمنها 20 مقعدًا بأكبر البقايا)

هو عَرْض سياسيٌّ جديد من تلك العروض التي حفلت بها تونس خاصةً بعد انتخابات 2014.لكن هذا الحزب يفتقد إلى الحدِّ الأدنى من مقومات التعايش الداخلي، ولا تتوفَّر فيه مقومات الاستقرار والاستمرار، إلا باستمرار الحضور المادي لصاحبه.

لذلك، ستتعرض كتلته – بعد هزيمة نبيل القروي في الانتخابات الرئاسية، واحتمال خضوعه إلى ملاحقاتٍ قضائية بلا نهاية -إلى نزيف، وسيبحث أغلب أعضائه عن مواطن جديدة بين تحيا تونس والحزب الدستوري والاستقلالية. وستكون تحيا تونس هي الوجهة المفضَّلة، خاصةً مع سعي يوسف الشاهد إلى تقوية موقعه في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة.

  1. التيار الديمقراطي(22مقعدًا من ضمنها 20مقعدًا بأكبر البقايا)

هو كيان يستثمر منذ سنواتٍ في صورة الحزب الشبابي المبدئي، وقد استفاد من أخطاء الرئيس المنصف المرزوقي، ومن تردُّد النهضة، ومن جمود الجبهة الشعبية، وحقَّق نتائج معقولة خلال الانتخابات المحلية في مايو 2018 .إلا أنه غامر بموقفه من مشروع قانون المساواة في الميراث، فخسر جزءًا من القاعدة المحافظة، وبالمقابل كسب جزءًا من قاعدة انتخابية تحبذ المبدئية وترفض التنازلات لأسبابٍ انتخابية .وقد استفاد أيضًا من القانون الانتخابي .
ومع ذلك، فإنه تشقّه تبايناتٌ بين فريقٍ يدفع إلى المشاركة في الحكومة، وآخر يسعى إلى مزيدٍ من التمايز عن النهضة باعتبارها جزءًا من “السيستام”، استعدادًا لانتخاباتٍ محتملة سابقة لأوانها .وتقدِّم قياداته مقترحات متنوِّعة مثل اختيار المعارضة أو اشتراط وزارات الداخلية والعدل والإصلاح الإداري، وقد تندرج في سياق استراتيجية تفاوضية تطلب الحدَّ الأقصى لنيل ما هو أقل منه، وقد تندرج في إطار التعجيز لتحميل النهضة مسؤولية عدم الانضمام للحكومة، أو في إطار توفير ضمانات النجاح في ملف مقاومة الفساد الذي يعتبره الحزب أصله التجاري ونقطة تميزه وعنوان وجوده .
لذلك، فإن موقف التيار سيكون محكومًا بمآلات هذا الصراع الداخلي وطريقة النهضة في التعامل معه، كما سيكون محكومًا بأطراف التحالف وانتماء وشخصية رئيس الحكومة وأسماء التركيبة الحكومية.

  1. ائتلاف الكرامة(21 مقعدًا من ضمنها 20مقعدًا بأكبر البقايا)

هو ائتلاف حديث تشكَّل قبيل الانتخابات ولم يصلب عوده بعدُ، وتشقه تباينات التأسيس بخصوص طريقة إدارة هذا التجمُّع ومأسسته. علاوة على ذلك، فإن عددًا من عناصر الائتلاف قد تمثِّل حرجًا للتحالف الحكومي بسبب مواقف سابقة من الإعلام واتحاد الشغل وأطراف دولية مؤثرة.  

  1. الحزب الدستوري الحر(17مقعدًا من ضمنها 14 مقعدًا بأكبر البقايا)

هو تجمُّع يضمُّ بقايا المتشدِّدين من الحزب الدستوري الحاكم قبل الثورة، وقد بنى وجوده وانتشاره على أساس معارضة حركة النهضة، كما استفاد في الحملة الانتخابية من تحوُّل بعض الناخبين بعدما برزت شُبُهات متعلِّقة بحزب قلب تونس ورئيسه. ويرفض هذا الحزب أن يكون له وجودٌ في حكومة تقودها أو تشارك فيها حركة النهضة، كما أن رفض الشراكة مع الحزب الدستوري الحر لا يأتي من النهضة فقط، بل من كل أطراف التحالف المحتمل.

  1. حركة الشعب(16 مقعدًا من ضمنها 15مقعدًابأكبر البقايا)

هي تجمُّع عروبيٌّ يغلب عليه التوجُّه الناصري، استفاد جيدًا من النظام الانتخابي، موقفه ضبابي بخصوص التحالف مع حركة النهضة نظرًا للخلافات التاريخية بين الإسلاميين والعروبيين، وكأثرٍ لجريمة اغتيال أحد قادة التيار ومؤسسيه في أثناء حكم الترويكا (محمد البراهمي)، وبالتالي فإن إمكانية التحالف م