تنزيل الـ PDF

بين مطرقة جائحة كورونا وسندان تراجع إيرادات النفط: هل أضحت مهمة رئيس الوزراء العراقي الجديد مستحيلة؟

أدى مصطفى الكاظمي اليمين الدستورية كرئيس وزراء جديد للعراق بعد حوالي ستة أشهر من استقالة عادل عبد المهدي وعقب عمليتي تكليفٍ فاشلتَيْن. لقد كانت استقالة الحكومة العام الماضي ناتجةً عن احتجاجاتٍ واسعة النطاق شهدها العراق، لكن عقب ذلك أدى الهيكل السياسي المفكَّك إلى تأخيرٍ طويلٍ في تشكيل حكومة بديلة جديدة، والتي ستبقى تعمل إلى أن يصبح من الممكن إجراء انتخاباتٍ مبكِّرة. فقد وصلت الحكومة الجديدة إلى السلطة في ظل ظروفٍ صعبةٍ بين مطرقة جائحة كورونا وسندان تراجع أسعار النفط. إن المشاكل السياسية والأمنية والاجتماعية القائمة في البلاد، والتي تفاقمت بسب الأزمتَيْن الصحية والنفطية، ستجعل مهمَّة رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي غايةً في الصعوبة. فبينما يتعافى العراق من الصدمة الناتجة عن حكم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، يحتاج إلى حكومةٍ قويةٍ وتخطيطٍ طويل الأَجَل ودعمٍ ومساعدةٍ ماليةٍ من المجتمع الدولي. ولا يلوح أيٌّ من هذه الأمور في الأُفق، بل بدلًا من ذلك يتعيَّن على رئيس الوزراء الجديد التعاملُ مع تحديات الصحَّة العامَّة، ومنع البلاد من التحوُّل إلى ساحة قتالٍ بين القوت الأجنبية، وتوفير الخدمات الأساسية في ظل انخفاض أسعار النفط لمستوياتٍ قياسية، وتجهيز البلاد لإجراء انتخاباتٍ مبكِّرة.

شهد العراق في أكتوبر/تشرين الأول الماضي احتجاجاتٍ واسعةَ النطاق اندلعت بصورة رئيسة في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية، حيث طالب المحتجون – الذين كان أغلبهم من الشباب – بتحسين الخدمات العامَّة، وتغيير النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية، ووضع حدٍّ للفساد. ونتج عن ذلك استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بعد عجزه عن إقناع المتظاهرين بخططه للإصلاح. وفي الأشهر الستة التالية، شهد العراق محاولتَيْن فاشلتَيْن من قِبَل محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي لتشكيل حكومة، في أصداء الأحداث التي أدت إلى تشكيل حكومة عبد المهدي السابقة التي استغرقت شهورًا كي تتفق الأحزاب السياسية عليها بسبب الهيكل المفكَّك للنظام السياسي العراقي. وقد صرح رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وهو الرئيس السابق لجهاز المخابرات الوطني العراقي، صرح بأنه سيضطلع بمسؤولياته الجديدة إلى أن يتمَّ إجراء انتخاباتٍ مبكِّرة، لكن ما هي التحديات التي تنتظره وتنتظر حكومته؟

بينما يستهلُّ الكاظمي عمله يواجه العراق أزمةً مزدوجةً تتمثَّل في تفشي فيروس كورونا والانهيار العالمي في أسعار النفط مع انخفاض أسعاره إلى مستوياتٍ قياسية، حيث إن النفط مسؤول عن 90٪ من عائدات الدولة. وعلى الرغم من أن العراق في حالة أزمة شبه مستمرة منذ عام 2003، فإن احتجاجات العام الماضي قد أحدثت هزةً حقيقيةً في النظام السياسي. وقد شدَّد الكاظمي في أول خطابٍ له في البرلمان على خطورة التحديات الاقتصادية والأمنية والصحية التي تواجهها البلاد. وكما جرت العادة، لم يتم تعيين بعض أعضاء الحكومة بعدُ؛ بسبب عدم اتفاق الكتل السياسية (مثل وزيري النفط والخارجية)، في حين رفض البرلمان ترشيحاتٍ أخرى لشغل مناصب وزارية (مثل وزراء الزراعة والعدل والتجارة).

كما أكَّد الكاظمي في خطابه أمام البرلمان أنه سيعمل على ضمان سيادة بلاده، مع السعي إلى إخضاع جميع الجماعات المسلَّحة لسيطرة رئيس الوزراء، ومنع تحوُّل العراق إلى ساحة حربٍ للمنافسات الإقليمية والدولية. تلبي هذه الأهداف المُعلنة معظمَ مطالب المجتمع العراقي، لكن هناك العديد من العوامل التي قد تعيق إحراز رئيس الوزراء الجديد لأي تقدُّم فيما يتعلَّق بتحقيق أهدافه المُعلنة.

التحديات الداخلية

يتمثَّل التحدي الأكبر أمام الكاظمي على الساحة السياسية المحلية في تحقيق توازنٍ محفوفٍ بالمخاطر بين مختلف الجماعات. لقد كان للكاظمي علاقاتٌ جيدةٌ مع المتظاهرين، وهذا ساعده في الحصول على دعمٍ لترشحه لرئاسة الوزراء. إلَّا أنه من أجل تشكيل الحكومة، كان عليه الحصولُ على دعم الكتل السياسية في البرلمان أيضًا. ينتقد المحتجون الذي ملأوا الشوارع كاملَ النخبة السياسية في البلاد، لكن عند تلبية مطالبهم المتمثِّلة في التخلُّص من الفئة السياسية الحالية سيحتاج الكاظمي إلى موافقة الكتل السياسية، وهذا سيجعل رئيس الوزراء عالقًا أمام خيارين كلاهما مُرٌّ. لقد اضطر الكاظمي بالفعل إلى الخضوع لمطالب الجماعات السياسية المختلفة – خاصةً الشيعية منها – فيما يتعلَّق بأسماء وزراء حكومته على الرغم من أن معظمهم من البيروقراطيين ذوي الخبرات المناسبة. ويُقال إن الكتل السياسية في البرلمان تختار 90% من وزراء الحكومة. وفي الوقت ذاته، لا تحظى حكومة الكاظمي بدعم مجموعة علاوي أو المالكي في البرلمان، بينما كانت المفاوضات مع تحالف الفتح شاقةً. وهناك معضلة أخرى تواجه رئيس الوزراء تتمثَّل في تقديم المسؤولين عن وفاة المتظاهرين إلى العدالة، حيث من الممكن أن ترفض شخصياتٌ سياسية مختلفة وجودَ بعض الأسماء في القائمة.

كذلك يواجه رئيس الوزراء الجديد مشكلة زيادة نشاط تنظيم داعش في محيط كركوك والأجزاء الشمالية الغربية من العاصمة بغداد. لقد أعلنت الحكومة العراقية هزيمة تنظيم داعش وتحرير جميع المناطق الخاضعة لسيطرته في ديسمبر/كانون الأول عام 2017، إلَّا أن تنظيم داعش يستفيد في الوقت الحالي من فيروس كورونا والتوترات بين الولايات المتحدة وإيران بعد مقتل قاسم سليماني ومهدي المهندس. وشنَّ تنظيم داعش هجومَيْن حتى الآن خلال شهر رمضان[1] قُتل فيهما بعض عناصر قوات الحشد الشعبي. وعلى الرغم من نشاط تنظيم داعش الأخير في بعض أنحاء البلاد،  فمن المتفق عليه بشكلٍ عامٍّ أن تهديد تنظيم داعش هو في الواقع أداةٌ مفيدةٌ للاستمرار في نشر الجنود الأجانب وقوات الحشد الشعبي وتخصيص الموارد المالية لهذه القوات.

بعد مقتل قاسم سليماني ومهدي المهندس، حدثت بعض التطورات المهمَّة في صفوف الحشد الشعبي بعد تعيين عبد العزيز المحمدوي – المعروف باسم “أبو فدك” – زعيمًا للحشد الشعبي خلفًا للمهندس. فقد وقعت بعض الانقسامات داخل صفوف الحشد الشعبي بسبب الخلافات حول الاعتراف بالزعيم الجديد، وتراجع الأموال الإيرانية، وإخفاء قادة بعض الميليشيات خوفًا من محاولات الاغتيال الأمريكية[2]. وانسحبت من الحشد الشعبي أربعة ألوية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمرجع الشيعي علي السيستاني، وهذه الألوية هي: لواء الإمام علي، ولواء علي الأكبر، ولواء عباس القتالي، ولواء أنصار المرجعية؛ مما يؤذن ببدء مرحلة جديد[3]. ويأتي إخضاع هذه الجماعات للسيطرة المباشرة لرئيس الوزراء على رأس جدول أعمال الحكومة العراقية بعد دحر تنظيم داعش. وعلى الرغم من أن القرارات السابقة للقيام بذلك لم يتم تنفيذها بشكل كامل، فإن مقتل سليماني والمهندس وانخفاض تأمين الموارد من إيران جميعها عوامل قد قدمت أساسًا لهذه الخطوة، وقد صرح الكاظمي بأن حكومته ستعمل على إخضاع جميع الجماعات المسلَّحة لسلطة الحكومة. كما عليه أن يتفاوض بحديَّة مع الإيرانيين فيما يتعلَّق بإخضاع هذه الجماعات لسيطرة الحكومة، وكذلك وضع القوات الأمريكية في العراق.

التحديات الاقتصادية

على الصعيد الاقتصادي، يتعيَّن على الكاظمي التعاملُ مع انخفاض أسعار النفط في ظل تزايد مطالبات الشباب العراقي بالحصول على وظائف وتقديم خدماتٍ أفضل لجميع المواطنين. إذ لم تتمكَّن الحكومات العراقية السابقة من إعادة بناء الأجزاء التي مزقتها الحرب في البلاد، والتي يسكنها المواطنون السُّنة بشكل رئيس بعد هزيمة تنظيم داعش، وكذلك في الجنوب الذي تسكنه أغلبية شيعية كان نقص الكهرباء ومياه الشرب من أهم أسباب احتجاجاتها ضد الحكومة. وبعد 6 أشهر من وجود حكومة تسيير أعمال، يتعيَّن على رئيس الوزراء الكاظمي في الوقت الحالي توفيرُ هذه الخدمات وغيرها في ظل التحديات الإضافية الناجمة عن فيرو