تنزيل الـ PDF

ما هي انعكاسات العداء داخل أسرة الأسد على العلاقات الروسية السورية؟

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]الخلاصة: لقد تمَّ تفسير الانتقادات الموجَّهة للرئيس السوري بشار الأسد من عددٍ من المنابر الهامشية الروسية والشكاوى التي أعرب عنها ابنُ عمِّ الأسد الملياردير السوري رامي مخلوف، تمَّ تفسيرها على نطاقٍ واسعٍ على أنها جزءٌ من حملة الضغط التي يشنُّها الكرملين ضد دمشق، كما قيل إن موسكو تنوي استبدال الأسد بمرشحٍ أنسب. ومع ذلك، تبدو هاتان الروايتان خاطئتَيْن على حدٍّ سواء. فعلى الرغم من أن الصراع على السلطة في سوريا (خاصةً داخل الطائفة العلوية) يمكن أن يؤثر على  موقف روسيا، إلا أن موسكو لا تميل إلى التفكير في تحوُّل جذريٍّ تجاه نظام الأسد. يوضِّح هذا المقال لماذا يُرجَّح أن تستمرَّ استراتيجية الكرملين المحافظة في سوريا حتى بالرغم من انخفاض أسعار النفط وموقف دمشق المتعنِّت. كما تتناول الورقة أيضًا الأسباب الكامنة وراء محدودية النفوذ الروسي في البلاد.[/box]

نشرت بعض وسائل الإعلام الروسية في شهر أبريل/نيسان من العام الجاري سلسلةً من المقالات التي تنتقد الرئيس السوري بشار الأسد، ورأى العديد من المراقبين في هذا دليلًا على الحملة الإعلامية الموجَّهة من الكرملين ضد نظام الأسد. فقد قيل إن الخلافات المتصاعدة بين موسكو ودمشق وصلت إلى مرحلة حرجة، وأن الكرملين يتطلَّع إلى استبدال الأسد العنيد بزعيمٍ أكثر قبولًا يمكن الاعتماد عليه في إجراء إصلاحاتٍ دستورية في البلاد، مما يساعد بدوره على تحرير سوريا من العقوبات الغربية، والإفراج عن أموال إعادة الإعمار التي توجد حاجة ماسَّة إليها. كما مهَّدت التقارير عن استياء موسكو المتزايد من دمشق الطريقَ لظهور خلافٍ بين بشار الأسد وابن عمِّه رامي مخلوف أغنى رجل في سوريا. فقد نشر مخلوف – الذي كان أحد أكبر مموِّلي النظام – مؤخرًا ثلاثة مقاطع فيديو على فيسبوك يتهم فيها الحكومة بالاستيلاء على ممتلكاته واعتقال شركائه وموظفيه.

في غضون ذلك، من المتوقَّع أن تجري سوريا انتخاباتٍ رئاسيةً العام المقبل، وهو ما يمثِّل معضلةً جديدةً للنظام بشأن النهج الذي سيتبنَّاه. فمن الممكن أن تواصل دمشق نهجها الحالي في إجراء انتخاباتٍ غير تنافسية؛ لإظهار أن البلاد مستقرة، وقد كان هذا هو الخيار الذي استخدمه النظام في الانتخابات الرئاسية السابقة التي أُجريت في عام 2014، ومؤخرًا في الانتخابات المحلية عام 2018[1]. وهناك خيار آخر تشجِّعه روسيا يقتضي أن تتخذ دمشق نهجًا أكثر اتسامًا بالطابع التوافقي تجاه المعارضة وإجراء انتخاباتٍ ذات قدرٍ أكبر من الشفافية، مع إجراء إصلاحاتٍ دستورية (ليست ضخمة وإنما لافتة للنظر). لكن – وفقًا لما يوضِّحه الصراع بين النخبة السورية على السلطة – يبدو أن هناك سيناريو آخر يتكشَّف يحاول فيه النظام محاكاة انتخابات “ديمقراطية” من دون محاولة إجراء أي إصلاحاتٍ سياسية.

حملة العلاقات العامَّة المناهضة للأسد 

بالإضافة إلى ما سبق، أكَّد الخبير الإسرائيلي إيدي كوهين في أبريل/نيسان من هذا العام أن روسيا تخطِّط لاستبدال بشار الأسد بفهد المصري، وهو معارض سوريٌّ غير معروفٍ يقيم حاليًا في فرنسا[2]. وعلى الرغم من أن تعليقات كوهين ذات طبيعة تخمينية، فإنها حظيت بتأييدٍ واسع النطاق في وسائل الإعلام العربية، ومهَّدت الطريقَ للانتقاد الموجَّه للأسد، الذي ظهر لاحقًا في وسائل إعلام روسية.

كان أحد مصادر الانتقاد هو استطلاع يُزعم أنه تمَّ إجراؤه في سوريا من قِبَل مؤسسة حماية القيم الوطنية[3]، وهي مؤسسة فكرية ترتبط برجل الأعمال يفغيني بريغوزين المالك المفترض للشركة العسكرية الخاصة Wagner Group (تمَّ اعتقال اثنين من خبراء المؤسسة في ليبيا سابقًا بسبب مخاوف من تدخلهما في الانتخابات)[4]. حيث أظهر الاستطلاع أن ثلث المستطلعة آراؤهم يعتزمون التصويت للأسد في انتخابات عام 2021، لكن لا تزال هناك شكوكٌ كبيرة حول ما إذا كان من الممكن حقًّا للمؤسسة الفكرية إجراءُ مثل هذا الاستطلاع الحساس سياسيًّا بين المواطنين السوريين في المناطق التي يسيطر عليها النظام في ظلِّ انتشار الأجهزة الأمنية في تلك المناطق، ويضاعف هذه الشكوك التقاريرُ التي تفيد أن هذا الاستطلاع قد تمَّ إجراؤه عبر الهاتف وليس شخصيًّا.

لم تمنع الشكوك حول صحَّة الاستطلاع وكالة RIA FAN المرتبطة ببريغوزين من استخدام نتائجه كنقطة انطلاقٍ لحملة العلاقات العامَّة ضد النظام السوري. ثم انتقل هذا الانتقاد لاحقًا إلى وسائل إعلامٍ أخرى تشمل موقع Pravda.ru (لا يرتبط بالصحيفة الدعائية الرسمية السوفيتية السابقة التي كانت تحمل الاسم ذاته). وتشير حقيقتا أن المقال المنشور على موقع Pravda.ru يحتوي على عدَّة روابط من وكالة RIA FAN[5]، بالإضافة إلى كتابته على ما يبدو من قِبَل كاتبٍ خفيٍّ باسم مستعار، تُشيران إلى أن هذا المقال مدفوعُ الثمن على الأرجح. وبعد بضعة أيامٍ فقط، تمت إزالة المحتوى الانتقادي من مواقع الويب المرتبطة ببريغوزين، حيث ادَّعى محرِّرو وكالة RIA FAN في بيانٍ أصدروه أن موقع الويب الخاصَّ بهم قد تمَّ اختراقه[6].

وعلاوة على ذلك، نشرت صحيفة Kommersant المميزة أيضًا مقالَ رأي كتبه دبلوماسيٌّ سابق ينتقد سوء إدارة الحكومة السورية للاقتصاد في أبريل/نيسان[7]. للوهلة الأولى قد يبدو المقال غطاءً رسميًّا لحملة العلاقات العامَّة السلبية التي يقودها بريغوزين، لكن عند التعمُّق في الأمر وُجد أن توقيت نشر المقال ليس سوى مصادفة في الواقع. فلطالما اتخذ الدبلوماسي المعني ألكسندر أكسينوك موقفًا راسخًا فيما يتعلَّق بمساوئ النظام السوري، وظلَّ يُعرب عن انتقاده له لسنواتٍ طويلة؛ ولذلك من الصعب الشكُّ في وجود أيِّ مؤامرة.

واشتمل الجزء الأخير من حملة العلاقات العامَّة المفترضة ضد سوريا على أخبارٍ مزيَّفة في شبكات تجميع الأخبار الروسية مع تقديم أخبارٍ مثيرة لكنها غير مؤكَّدة. ومن الأمثلة على هذه الأخبار المزيفة مزاعمُ بأن الضباط السوريين غير راضين عن أنظمة الدفاع الجوي المقدَّمة من روسيا[8]، أو أن الخبراء في أكبر مؤسسة فكرية للشؤون الخارجية في روسيا – مجلس الشؤون الدولية الروسي (RIAC) – كانوا يتوقعون حدوث تغيُّر في النظام في دمشق[9]. في الحقيقة، لقد احتوت المنشورات المتعلِّقة بأنظمة الدفاع الجوي الروسية على العديد من المغالطات العسكرية، كما أن مجلس الشؤون الدولية الروسي لم ينشر مقالاتٍ تتناول رحيلًا وشيكًا للأسد.

لقد أثرت هذه الخلفية الإعلامية في التغطية الأوسع للأحداث في سوريا، بل وامتدَّت إلى المجال السياسي. فعلى سبيل المثال، نشرت النسخة العربية من قناة روسيا اليوم التي ترعاها الحكومة الروسية مقابلةً مع المنشق السوري فراس طلاس قبل أن تحذفها لاحقًا[10]. وعلى الصعيد السياسي، قال المبعوث الأمريكي الخاص المعني بشؤون سوريا السفير جيمس جيفري إنه يعتقد أن التقارير عن تصاعد التوترات بين روسيا وسوريا ‘دقيقة’ ، وأضاف: “لقد تحدَّثنا مع الروس على مختلف المستويات خلال العام الماضي، والروس غير راضين عن الأسد”[11].

وأثارت المنشورات المناوئة للأسد في روسيا ردود أفعالٍ في الدوائر السياسية السورية، مما أدى بخالد العبود – وهو نائب برلماني من جنوب درعا – إلى الدفاع عن الزعيم السوري أمام الانتقادات، مشيرًا إلى أن الكرملين لا يستطيع فرضَ إرادته على دمشق[12]. وعلاوة على ذلك، قدَّم العبود إلى جانب سياسيين وناشطين آخرين موالين للحكومة من دول الشرق الأوسط، قدَّموا عريضةً إلى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف تطالب موسكو بإظهار المزيد من الاحترام للرئيس الأسد[13].

لكن على الرغم من كل هذا الضجيج والاتهامات السياسية الناتجة عن المقالات المناوئة للأسد، تبقى الإشارات إلى التورط المباشر للكرملين في الحملة الإعلامية – فضلًا عن محاولات الإطاحة بالرئيس السوري – غير معقولة. فأولًا: إذا أراد الكرملين إرسالَ رسالةٍ إلى دمشق، لكان اختار وسيطًا أفضل سمعةً من المنشورات الهامشية المرتبطة ببريغوزين المفروض عليه عقوبات غربية. وثانيًا: لا يمكن اعتبار ادعاءات جيفري دليلًا على أيِّ خطَّة منسَّقة من جانب الكرملين للتخلُّص من الأسد.

إن السَّأم العامَّ للكرملين من النظام السوري هو أمر معروفٌ في أوساط المراقبين المُطلعين. وفي الواقع، لقد أبدى الدبلوماسيون الروس في الماضي استعدادهم لتجاوز موقفهم المُعلن وحتى التآمر في ظهر الأسد. فعلى سبيل المثال، أجرت موسكو مباحثاتٍ مع المعارضة السورية في القاهرة وجنيف في غياب ممثلي النظام[14]. كما أجرت موسكو محادثاتٍ مع الأمريكيين في عمان حول فرص معارضة النظام[15]، وهي خطوة أثارت استياء إيران.

لقد كان نهج روسيا تجاه سوريا طوال فترة الحرب الأهليَّة ذا وجهَيْن على نحوٍ واضحٍ: فمن ناحية، كانت موسكو تساعد بشار الأسد على تقوية سلطته وكَبْحِ جماح المعارضة، وهو ما أدى إلى تصوير روسيا كمدافعٍ عن السيادة الوطنية للبلاد. ومن ناحية أخرى، كان الكرملين يتبوَّأ لنفسه مكانًا كطرفٍ ذي نفوذٍ أملًا في إعادة بناء الحوار بينه وبين الغرب.

وحتى في الوقت الذي تواجه فيه روسيا المزيد من العوائق الداخلية مع تراجع فرص نجاح عملية السلام في سوريا أكثر من أي وقتٍ مضى، فإن أيَّ تغيير جذريٍّ في مسار موسكو لا يزال بعيدَ المنال. فلا يوجد لدى روسيا بديلٌ موثوق به للأسد يمكن الاعتماد عليه لحلِّ مشاكل المحسوبية والفساد المترسِّخة في البلاد. وفي حين يتكهَّن البعض بأن تغيير النظام يمكن أن يساعد سوريا ومؤيديها في الحصول على أموالٍ غربية لإعادة إعمار البلاد، إلَّا أن الكرملين لا يعلِّق آمالًا كبيرةً على المساعدة المالية الغربية على أي حال، خاصةً بالنظر إلى أن موسكو نفسها تستخدم ‘مخططات المنطقة الرمادية’ لتوسيع نطاق بصمتها الاقتصادية في سوريا بطرقٍ منها رجال الأعمال المرتبطون بالكرملين والشركات العسكرية الخاصَّة. ومن وجهة نظر موسكو، فإن رحيل الأسد يمكن أن يؤدي إلى تعريض استثمارات روسيا في البلاد للخطر، وقد يؤدي إلى تعجيل استسلامها في الحملة السورية.

من الصعب القول بأي درجةٍ من اليقين ما هي العوامل التي دفعت حملة العلاقات العامَّة المناوئة للأسد التي أطلقتها وسائل الإعلام المرتبطة ببريغوزين، ومع الأخذ في الاعتبار محتوى هذه الحملة وطريقة تنظيمها، نجد أن هناك عدَّة تفسيراتٍ معقولة، وهي تشمل:

الضغط لمصالح خاصَّة: احتوى المقال الذي نشره موقع Pravda.ru – على وجه الخصوص – على اتهاماتٍ بتهريب النفط موجَّهة إلى رجال أعمالٍ سوريين من ضمنهم شركاء ماهر الأسد الشقيق الأصغر للرئيس. وقد تكون هذه التغطية السلبية بمثابة نقطة تقاربٍ بين أوساط الأعمال الفاسدة السورية، وبديلًا أكثر مصداقيةً يتمثَّل في الشركات المملوكة لبريغوزين. ووفقًا للتقارير، فقد بدأت شركاتٌ مرتبطة ببريغوزين في أعمال التنقيب عن النفط في سوريا[16].

وضع جدول الأعمال: قبل ظهور تقارير الحملة المناوئة للأسد كانت هناك أخبار بالغة الأهمية متداولة في وسائل الإعلام الغربية والروسية تتعلَّق بالإعدام الوحشي لرجلٍ سوريٍّ من قِبَل مجموعةٍ من مرتزقة شركة [17]Wagner. وساعدت المقالات التي تنتقد دمشق في صرف انتباه وسائل الإعلام عن موضوع التعذيب والإعدام.

أسباب سياسية: يمكن تصوُّر أن تكون الحملة المناوئة للأسد قد صُمِّمت من قِبَل مستشارين سياسيين لمحاكاة المناقشات المفتوحة داخل سوريا وتعديل صورة روسيا. وعند النظر للأمر في هذا السياق، يمكن لهذه الحملة رسمُ صورةٍ تظهر فيها روسيا – بشكلٍ أقلَّ – كعاملٍ مُمكِّن لأسوأ غرائز دمشق (بما في ذلك أخطاؤها الاقتصادية وهجماتها المزعومة على المدنيين)، وتُظهر النظام السوري على أنه قادرٌ على تحمُّل المعارضة، بما في ذلك النقاشات حول العلاقات مع روسيا.

روسيا وقصَّة مخلوف

شكَّل الغضب الإعلامي تجاه المنشورات المناوئة للأسد في وسائل الإعلام الروسية خلفيةً للخلاف داخل أسرة الرئيس. وبالتالي، فإنه لم يُنظر إلى مناشدات رامي مخلوف للأسد التي نشرها على فيسبوك على أنها مجرَّد جزء من الصراع الداخلي على السلطة في سوريا، ولكن أيضًا كنتيجة لضغط روسيا على النظام. وعلاوة على ذلك، عندما ظهرت تقارير تتحدَّث عن توترات بين مخلوف والنظام لأول مرة في عام 2019[18]، تمَّ تفسيرها في ضوء نفاد صبر موسكو من عدم سداد دمشق لمبلغ 3 مليارات دولار حصلت عليها كقروضٍ للحرب. ولم يضف ذلك إلَّا المزيد من المصداقية على الادعاءات بأن دمشق قد أطلقت حملتها ضد عائلة مخلوف الغنيَّة – التي قيل إنها حصلت على عقاراتٍ فاخرة في موسكو بقيمة ملايين الدولارات – بناءً على طلبٍ من الكرملين[19].

إلَّا أنه لا يزال لا يوجد أيُّ دليلٍ قويٍّ يدعم فرضية تورُّط موسكو في قضية مخلوف. وقد نفى الدبلوماسيون الروس الذين تحدَّث إليهم كاتبُ هذا المقال قيامَ موسكو بإثارة قضية المليارات الثلاثة مع دمشق. وإلى جانب ذلك، فإن الادعاءات المتعلِّقة بنفاد صبر الكرملين بشأن سداد القروض لا تتلاءم مع استراتيجيته الأوسع نطاقًا ولا سلوكه السابق؛ فقد قدَّمت موسكو معداتٍ للتشكيلات البرية والقوات الجوية والبحرية السورية بمحض إرادتها من أجل دعم المؤسسات الحكومية في البلاد، وتجنُّب الاضطرار إلى التدخل في الصراع باستخدام جيشها النظامي. إن الضغط على الأسد لسداد هذه القروض الآن – بينما تواجه سوريا بالفعل نقصًا حادًّا في الأموال اللازمة لإعادة إعمار البلاد – ليس أمرًا منطقيًّا. كما أنه عندما تنشأ خلافاتٌ حول سداد القروض بين روسيا وشركائها في الشرق الأوسط، فإنها تكون على مستوى الفاعلين في القطاع الخاص بشكلٍ عام، وليس على مستوى الحكومات. فعلى سبيل المثال، أفادت التقارير بأن القائد العسكري الليبي خليفة حفتر يتعيَّن عليه دفع 150 مليون دولار إلى الشركة العسكرية الروسية الخاصَّة Wagner Group[20].

التوازن السوري بالنسبة إلى روسيا

يتمثَّل الهدف الرئيس لروسيا في سوريا في الحفاظ على التوازن الذي بُني على مدار السنوات التي تلت تدخلها، حيث يُنظر إلى أي خللٍ في هذا التوازن على أنه تهديدٌ يمكن أن يزجَّ بالمؤسسات السورية في أزمة. وبناءً على ذلك، أبقت روسيا خلافاتها مع دمشق وطهران منخفضةً قدر الإمكان، وبذلك يضمن الكرملين عدم تضخيم هذه الخلافات في النقاشات العامَّة.

بصفة عامَّة، توجد عدَّة عوامل تفسِّر منهجية موسكو تجاه دمشق وطهران:

  1. تُبقي موسكو قنوات الاتصال مفتوحةً مع منافسي حلفائها.
  2. يستخدم كلُّ عضوٍ في مثلث (روسيا – سوريا – إيران) تحالفَه مع الطرفين الآخرين كوسيلة ضغطٍ في مفاوضاتٍ مستقلَّة مع أطرافٍ من خارج المثلث.
  3. يشكِّل السُّنة غالبية مسلمي روسيا؛ ولذلك تحرص موسكو على ألَّا تبدو قريبةً جدًّا من القيادة العلوية السورية أو القيادة الشيعية الإيرانية. ويساعد هذا البُعْد الدبلوماسي موسكو على التفاوض على قدم المساواة مع الغرب، وإبقاء دمشق وطهران في حالة تأهبٍ، والحصول على امتيازاتٍ منهما.

تمثِّل حماية نظام الضوابط والتوازنات هذا مهمَّةً حاسمةً بالنسبة إلى روسيا للمضيِّ قُدمًا. وتسمح الظروف الحالية لموسكو بالاضطلاع بدورِ طرفٍ ذي نفوذٍ على الساحة العالمية بدلًا من التقوقع كحصنٍ محاصر، وفي الوقت ذاته عدم التدخل في الصراع على السلطة في سوريا، وهو ما قد يتطلَّب مواردَ إضافيةً. يتطابق هذا المسار مع هدف موسكو الأصلي عندما تدخلت في سوريا: الاعتماد على القوات المحليَّة للقيام بعملياتٍ عسكرية، ودفع الأطراف الرئيسة في سوريا للتعاون مع النظام، وضمان الاستدامة المالية للأخير. وفي ظل هذه الظروف، تقدِّم موسكو نفسَها كحَكمٍ في النزاعات بين الفصائل السياسية السورية، وفي الوقت ذاته تستطيع الوصول إلى ساحة البحر المتوسط لتعزيز مكانتها الدولية ونفوذها الجيوسياسي.

تعمل قاعدة حميميم الجوية التي تسيطر عليها روسيا على تسيير حركة الطيران إلى ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى والسودان[21]. وعلاوة على ذلك، وإلى جانب القنوات الدبلوماسية الرسمية، أقام الفواعل الروسيون من غير الدول علاقاتٍ غير رسميةٍ مع أطرافٍ محلية بهدف توسيع نطاق مصالحهم التجارية بشكلٍ عام. ومع ترسُّخ هؤلاء الفواعل من غير الدول أكثر فأكثر في السياق السوري، يمكن لروسيا الاعتماد عليهم لتوسيع نطاق نفوذها ليس من خلال بيروقراطية الدولة فحسب، ولكن أيضًا من خلال علاقاتٍ أكثر مرونةً واستدامةً مع الأطراف المحليين. وبالتالي، تتولَّى الشركات المرتبطة برجلي الأعمال المرتبطَيْن بالكرملين – يفغيني بريغوزين وغينادي تيموشينكو (اللذين يعملان في النفط وتعدين الفوسفات، وحصلا على عقد تشغيل ميناء طرطوس) – حصَّة الأسد من المشاريع الاقتصادية الروسية في سوريا مع الاستثناء الملحوظ لصادرات الحبوب[22].

لكن ومع ذلك، فإن نسبة النشاط الاقتصادي الناتج عن الشركات الروسية لا يزال متواضعًا، وهو ما يمنعها من أن يكون لها رأي في قواعد اللعبة في سوريا. من جانبه، يشعر الكرملين بالتردُّد تجاه التدخل في اقتصاد الظل السوري والتهريب الذي يقوم به أطراف محليون، بما في ذلك مخلوف وماهر الأسد وشركاؤهما. واقتصرت موسكو على إثارة قضية التهريب مع دمشق خلال المرحلة النشطة من الحرب فقط[23].

إن خوف موسكو من الإخلال بالتوازن الحالي يتضح ليس في استراتيجيتها فقط، ولكن أيضًا في تكتيكاتها. حيث تتعامل روسيا بحذرٍ مع إيران، فتمارس ضغطًا مؤقتًا على طهران لمحاولة إخراجها من جنوب غرب سوريا، لكنها تعوِّض ذلك بالسعي لإقامة شراكاتٍ مع الجمهورية الإسلامية في مناطق أخرى. فعلى سبيل المثال، تسمح روسيا لإيران باستخدام قاعدة حميميم الجوية للنقل الآمن لإمداداتها[24]. وفي المقابل، تمنح طهران موسكو الإذنَ باستخ