أزمة النظام السياسي في إسرائيل هل تحل انتخابات الكنيست المبكرة مشكلة إسرائيل؟

مدخل: في أعقاب ظهور نتائج انتخابات الكنيست مارس/ آذار 2021، كانت التوقعات الأبرز حينها -ولم تكن حكومة لبيد/بينيت قد تشكَّلت بعدُ- أن إسرائيل ستكون مقبلةً على انتخابات مبكِّرة جديدة، سواء كان حدوث هذه الانتخابات المبكِّرة نتيجةً لفشل كل الأطراف في تشكيل حكومة، أو نتيجة أن تكون الحكومة المشكَّلة حكومة ائتلاف غير متجانسة بين القوى الرافضة لاستمرار نتنياهو في السلطة، لا تلبث أن تسقط نتيجة الاختلافات الأيديولوجية الكبيرة بين أطرافها، وهو ما حدث فعليًّا، مع توقُّع آخر بدورٍ كبيرٍ تلعبه الأحزاب العربية التي فازت حينها بعشرة مقاعد (4 مقاعد للقائمة العربية بزعامة منصور عباس، التي شاركت في الائتلاف فعليًّا دون مناصب وزارية، و6 مقاعد للقائمة المشتركة التي بقيت في صفوف المعارضة)[i].

والحقيقة أن استمرار حكومة لبيد/بينيت لعام كامل منذ إعلانها في يونيو/ حزيران 2021 فاق كل التوقعات، فلم يكن أحدٌ يظن أن تستمر هذه الحكومة التي تكوَّنت من ثمانية أحزاب مختلفة التوجهات وبأغلبية محدودة للغاية قوامها 61 مقعدًا فقط كلَّ هذه الفترة، إلَّا أن الشهرين الأخيرين شهدا فقدان الحكومة لأغلبيتها ليس بسبب انسحاب كتلة كاملة، بل لانسحاب ممثلين عن بعض الكتل حتى وصل أعضاء الائتلاف إلى 56 عضوًا فقط، وهو ما يعني أن قدرة الحكومة على إنجاز مشاريعها والقوانين التي ترغب في تمريرها أصبحت أمرًا مستحيلًا.

وتفاديًا لهذا الوضع، اتفق قادة التحالف الحاكم على طرح قانونٍ لحلِّ الكنيست والدعوة لانتخابات جديدة، مع تولي يائير لبيد رئاسة الحكومة خلال الشهور المتبقية حتى إجراء الانتخابات المبكِّرة المقبلة. وخلال الجلسة التي عُقدت في يوم الخميس 30 يونيو/ حزيران، وافق الكنيست بأغلبية 92 عضوًا ودون أي صوتٍ معارضٍ على القانون، على أن تُجرى الانتخابات في الأول من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني القادم[ii]، بعد أن فشلت كل محاولات نتنياهو خلال الأيام الماضية في إقناع بعض قوى الائتلاف في الانضمام إليه من أجل تشكيل حكومة بديلة عن حكومة لبيد/بينيت، كان سيسبقها بالطبع تقديم اقتراعٍ للكنيست بسحب الثقة من الحكومة.

إن إسرائيل إذن على أعتاب التوجُّه إلى انتخابات جديدة للمرة الخامسة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وتحاول هذه الورقة أن تنتقل من مجرَّد توقُّع ما قد تُسفر عنه الانتخابات المبكِّرة القادمة، إلى دراسة حالة النظام السياسي الإسرائيلي نفسه، ومشاكل النظام الانتخابي، وفي سبيل ذلك تسعى الورقة إلى الإجابة عن عددٍ من الأسئلة المهمَّة، مثل ما إذا كانت الانتخابات الجديدة المقبلة يمكن أن تحلَّ مشاكل إسرائيل السياسية أم لا؟ وما الجديد الذي يمكن أن تؤدي إليه هذه الانتخابات في ظل تعقُّد المشهد السياسي في إسرائيل؟ وهل يشكِّل هذا المشهد المعقَّد خطرًا على الديمقراطية الإسرائيلية وإدارة الدولة؟ وكيف يقيِّم السياسيون والمتخصِّصون هذا الوضع؟ وهل تكْمُن المشكلة في رجال السياسة وحدهم أم في العملية السياسية والنظام الانتخابي نفسه؟ وما إمكانية تنفيذ حلول تُصلح مشاكل النظام؟

وتجيب الورقة عن هذه الأسئلة وغيرها من خلال رؤية تحليلية وتاريخية تبحث في المشكلة، وتحلِّل أسباب تأخُّر ظهورها، وتأخُّر حلِّها، وذلك من خلال ثلاث نقاط: أولاها تعالج توقعات تغيُّر الخريطة السياسية في الانتخابات المبكِّرة المقبلة وتأثيرها في حلِّ مشاكل النظام السياسي، أما النقطة الثانية فتتعلَّق بالمخاطر التي يتعرض لها النظام السياسي في إسرائيل واحتماليات الإصلاح، وأما النقطة الأخيرة فخصِّصت للحديث عن جذور أزمة الديمقراطية في إسرائيل. ثم أعقبنا ذلك بخاتمة تعرض لأهم ما توصلت إليه الورقة.

إلى أي مدى يمكن أن تتغيَّر الخريطة السياسية بعد الانتخابات المبكرة؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الذي يمكن أن يختلف في الانتخابات الجديدة عن سابقاتها حتى تتمكَّن إسرائيل من تحقيق استقرارٍ سياسيٍّ في مواجهة هذا الوضع غير المستقر الذي يؤثر في ملفات كثيرة تتعلَّق بإدارة الدولة ومؤسساتها، بما فيها المؤسسات الأمنية والعسكرية، رغم ما ذهب إليه بعض المتخصِّصين في دراسات الأمن القومي الإسرائيلي من أن الجميع يحرصون على تجنيب هذه المؤسسات التأثُّر سلبًا بحالة عدم الاستقرار المستمرة في إسرائيل منذ عدَّة سنوات نتيجةَ عدم استقرار النظام السياسي هناك[iii].

طوال 74 عامًا -هي عُمر دولة الاحتلال- لم يحدث أن فاز حزبٌ من الأحزاب بأغلبية تسمح له بتشكيل الحكومة منفردًا، وطوال تاريخها كانت إسرائيل دائمًا ما تلجأ إلى الحكومات الائتلافية، وكثيرًا ما كانت الحكومات تسقط نتيجةَ الاختلافات الأيديولوجية الكبيرة بين قوى الائتلافات الحاكمة.

في أعقاب إعلان قادة الائتلاف عن طرح قانون حل الكنيست، سارعت مؤسسات عدَّة إلى إجراء استطلاعات رأيٍ لمعرفة التوجهات السياسية للناخبين بهدف توقُّع خريطة القوى السياسية في حال أُجريت الانتخابات الآن، وقد كشفت استطلاعات الرأي التي أجرتها ثلاث مؤسسات إعلامية (هي: قناة كان 11، وقناة الأخبار 13، وقناة الأخبار 12) أن هامش الاختلاف بين هذه الاستطلاعات كان محدودًا للغاية.

المهم فيما كشفته نتائج الاستطلاعات أن عدد القوى المرشحة لدخول الكنيست القادم ستظلُّ على الأرجح كما هي في الكنيست الحالي: 13 حزبًا، أو أقل بحزب أو اثنين، في ظل ما كشفته الاستطلاعات من احتمالية حصول عدَّة قوى على أربعة مقاعد فحسب -وقد تقل- وهو حاجز الحسم الذي يسمح بتمثيل الحزب في الكنيست من عدمه، وهي: حزب يمينا بقيادة أييلت شاكيد التي ستتولَّى رئاسة الحزب بعد إعلان نفتالي بينيت اعتزال العمل السياسي، مما قد يؤدي إلى انقسام الحزب أو اندماجه مع قوة سياسية أخرى[iv]؛ وحركة ميرتس اليسارية، وحزب أمل جديد بقيادة جدعون ساعر، والقائمة العربية بقيادة منصور عباس. وهذا يعني أننا سنكون بصدد تفتُّت للقوى الحزبية داخل الكنيست والاستمرار في الحلقة المفرغة نفسِها من تشكيل حكومة لا تحظى بأغلبية مريحة تمكِّنها من تحقيق الاستقرار السياسي في إسرائيل.

يؤكِّد ذلك أن الأحزاب المؤيدة لرئاسة نتنياهو للحكومة (الليكود: 35 مقعدًا، شاس: 8 مقاعد، الصهيونية الدينية: 9 مقاعد، يهدوت هتوراه: 7 مقاعد) -طبقًا لهذه الاستطلاعات- سوف تحصل على 59 مقعدًا بسبب ازدياد شعبية الليكود في كل الاستطلاعات خلال العام الماضي، بينما تحصل أحزاب الائتلاف الحالي على 56 أو 57 مقعدًا (يوجد مستقبل: 20-22 مقعدًا، أزرق أبيض: 7-9 مقاعد، العمل: 5-6 مقاعد، يمينا: 4 مقاعد، ميرتس: 4 مقاعد، إسرائيل بيتنا: 5 مقاعد، القائمة العربية: 4 مقاعد، أمل جديد: 4 مقاعد)، وتبقى القائمة المشتركة خارج لعبة الائتلافات بخمسة مقاعد. وبينما يمكن لكتلة نتنياهو الوصول إلى 60 مقعدًا دون تحقيق أغلبية مطلقة، فإن قوى الائتلاف الحاكم الحالي ستتوقف على الأغلب عند حدود 56 أو 57 مقعدًا[v].

ما زالت هناك أربعة أشهر تفصلنا عن الانتخابات الجديدة، ومن ثَمَّ فإن هذه الاستطلاعات ونتائج الانتخابات لاحقًا قد تتغيَّر وَفْقَ ما يطرأ من أحداث، وحسب ما ستكشف عنه الفترة القادمة من متغيراتٍ داخل الأحزاب. لكن على الرغم من ذلك، فإن ما يغلب على الظنِّ هو أن الانتخابات الإسرائيلية القادمة لن تقدِّم حلًّا لأزمة الديمقراطية الإسرائيلية الناتجة، ليس عن حرية الناخبين أو ممارستهم لحقهم في الاختيار، بل عن مشكلة في النظام الانتخابي نفسِه، انعكست على طريقة تدوير دولاب الدولة وتعطُّل مصالح المواطنين، وازدياد المشاعر السلبية في المجتمع، وهي حالة بدأ ظهورها منذ ثمانينيات القرن الماضي وامتدَّت حتى يومنا الحالي؛ حيث تنامى الإحساس بعدم تكافؤ الفرص، وعدم المساواة بين أفراد المجتمع الإسرائيلي نتيجةَ التشريعات غير الديمقراطية، بالإضافة إلى التحريض، وتنامي حالة الاستقطاب ا