لم تكن العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مفاجئة لروسيا؛ فوفقاً لمصادر إعلامية، علمت الاستخبارات الروسية مسبقاً بالموعد الدقيق لبدء الحملة العسكرية، وقامت بإخطار الدبلوماسيين الروس والسلطات الإيرانية. وتجلى ذلك بوضوح حين أعلنت السفارة الروسية في طهران عن إجلاء عاجل لموظفيها قبل ثلاثة أيام من بدء الضربات الجوية. علاوة على ذلك، شهد شهر فبراير 2026 وحده قيام طائرات نقل عسكرية روسية بست رحلات على الأقل إلى إيران، محملة بشحنات عسكرية لا تُعرَف طبيعتها. وفي 17 فبراير، أُجريت مناورات بحرية روسية إيرانية مشتركة في مياه خليج عمان، تدربت خلالها القوات بشكل غير رسمي على سيناريوهات محتملة تشمل حصار الممرات البحرية وشن هجمات على عدو افتراضي.

وبخلاف ما حدث خلال حرب الـ 12 يوماً في يونيو2025، سعت موسكو لتزويد طهران بدعم ملموس يتجاوز المساندة الدبلوماسية. ومن المرجح أن موسكو استمرت في تقديم الدعم حتى بعد اندلاع الأعمال العدائية، محققة بذلك مكاسب سياسية لدى الحرس الثوري الإيراني الذي يزداد نفوذاً، ومعززة في الوقت ذاته عوائدها الاقتصادية من تجارة النفط التي ارتفعت أسعارها، وإن كان ينبغي التعامل مع التقارير الواردة في وسائل الإعلام الغربية حول حجم هذا الدعم بشيء من الحذر.

تقييمات مسار الحرب

يمكن وصف مسار العلاقات الروسية الإيرانية عقب اندلاع النزاع العسكري في أوكرانيا بمصطلح التغطية القسرية (short squeeze) المستخدم في البورصة؛ حيث يعقب النمو الانفجاري —الذي يُظن خطأً أنه اتجاه مستدام— تصحيح حتمي للأسعار قبل أن تعاود الارتفاع مجدداً. وقد لعب قرار إيران بالسماح للجيش الروسي بشراء طائرات مسيرة انتحارية (كاميكازي)، ومن ثم إنشاء خط إنتاج خاص بها بموجب اتفاقية ترخيص، دوراً محورياً في التقارب بين البلدين على خلفية حرب أوكرانيا. كما ترك الصمود في وجه العقوبات المتعددة أثره على العلاقات التجارية، فقد سعت موسكو، عقب فرض قيود شاملة عليها في عام 2022، إلى تبني خبرات طهران المتراكمة في الالتفاف على العقوبات الدولية. ولا ريب أن الكرملين نظر إلى العملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران من منظور أن ضغوط واشنطن على موسكو —باعتبارها شريكاً لطهران في جبهة مناهضة العولمة— لن تزداد إلا حدة مع مرور الوقت.

وإذا ما حللنا مجمل التقارير المنشورة في وسائل الإعلام الروسية الموالية للكرملين، نجد أن السردية الأساسية تتلخص في الآتي: إن إسرائيل والولايات المتحدة قد ارتكبتا خطأً حسابياً كارثياً، وأنهما لا تملكان رؤية لإنهاء الحرب التي أشعلتا فتيلها، والتي يصب أمدها في صالح طهران. وفي المقابل، لم تكتفِ إيران بإظهار كفاءة عسكرية عالية في حشد القوات والتخطيط للحرب، بل كشفت أيضاً عن نقاط الضعف الأمريكية في الشرق الأوسط، بل ويرى محللون روس أنها مهيأة لتصبح لاعباً عالمياً نتيجة لهذه الحملة.

ومع ذلك، يبدو جلياً أن روسيا تشن هذه الحملة الدعائية المناهضة للغرب دون مراعاة للواقع الفعلي الذي تواجهه مراكز القوى السياسية في إيران، والحرس الثوري، والجيش. فعلى النقيض من ذلك، يشير النطاق والسرعة اللذان قامت بهما إسرائيل والولايات المتحدة بتصفية القيادات الإيرانية —كما أقر خبراء روس مستقلون— إلى إخفاقات صارخة في التدابير الأمنية وقصور في جهود الاستخبارات المضادة في كشف عملاء العدو. وبينما يمكن إرجاع استهتار القيادة الإيرانية ببروتوكولات السلامة إلى دوافع دينية، إلا أن ذلك يعد، من منظور مصالح الدولة، مؤشراً على نظام حوكمة غير فعال. علاوة على ذلك، فإن نظام القيادة العسكرية اللامركزي —ما يسمى تكتيك الدفاع الفسيفسائي— ليس نتاجاً لـ كفاءة عسكرية، بل هو تدبير اضطراري تلجأ إليه عادةً التشكيلات شبه العسكرية. ومن تبعات ذلك، على سبيل المثال، التدمير الدراماتيكي لثلاث فرقاطات من فئة ألوند وعدد من السفن الأخرى في قاعدة كونارك البحرية، والتي لم تبحر لسبب ما بعد بدء الحرب —كما تقتضي العقيدة العسكرية— ودُمرت في مراسيها بصلية صاروخية واحدة.

ميزة تكتيكية مثيرة للجدل

تخدم الاضطرابات اللوجستية في مضيق هرمز الضيق مصالح موسكو، التي تستطيع —في ظل تذبذب أسعار الطاقة— الحفاظ على إمدادات النفط إلى الهند ورفد ميزانيتها، بما في ذلك تمويل استمرار العمليات العسكرية في أوكرانيا. بالإضافة إلى ذلك، أدى تعطل الملاحة عبر المضيق إلى ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة النيتروجينية والفوسفورية، وزيادة طلبات الاستيراد من روسيا، التي تستحوذ على حصة كبيرة من الصادرات العالمية من الأمونيا واليوريا والبوتاس.

كما أن تحول تركيز واشنطن من المسرح الأوروبي إلى الشرق الأوسط، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب على الدفاع الجوي الأوكراني، يصب في مصلحة روسيا. فالأمر لا يقتصر على حاجة الولايات المتحدة وإسرائيل الماسة لتعويض مخزون الصواريخ الاعتراضية لأنظمة باتريوت عبر شحنات طارئة، بل يمتد ليشمل دول الخليج، التي استنفدت نحو 800 صاروخ اعتراضي في الأيام الأولى للنزاع فقط. فضلاً عن ذلك، سيوظف الكرملين الحرب في إيران لعقد مقارنات بين حملته العسكرية في أوكرانيا والعملية العسكرية الخاصة الأمريكية- الإسرائيلية في إيران، وسيتهم الغرب بالفشل في إرساء هيكل أمني إقليمي، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا.

ومع ذلك، سيكون من قبيل عدم الحكمة المبالغة في تقدير الفرص المتاحة للكرملين حالياً. فنقص أنظمة الصواريخ الاعتراضية سيكون خبراً سيئاً لكييف، خاصة خلال فصلي الخريف والشتاء، لكنه من غير المرجح أن يؤدي إلى تحول جذري في خطوط المواجهة. بالإضافة إلى ذلك، أشارت إلفيرا نابيولينا، رئيسة البنك المركزي الروسي، إلى أن ارتفاع أسعار النفط يدعم الروبل على المدى القصير؛ غير أن التغيرات في التجارة العالمية تفرض أيضاً مخاطر على الاقتصاد الروسي لا يمكن التنبؤ بها. فتوقف الشحن عبر مضيق هرمز يؤدي لارتفاع أسعار السلع التي تستوردها روسيا، كما أن إعادة الهيكلة اللوجستية قد تقلل الطلب على المواد الخام الروسية، مما قد يلغي أثر ارتفاع الأسعار. كما أصبحت العديد من المشاريع الاقتصادية الروسية الإيرانية في مهب الريح؛ فإذا بقي النظام الإيراني في السلطة، فإن الجداول الزمنية لهذه المشاريع ستتأخر كثيراً في أفضل الأحوال، وقد يُلغى بعضها تماماً، مثل خط سكة حديد رشت-آستارا الذي كان من المقرر البدء في إنشائه في أواخر فبراير 2026.

وفي الكواليس، يقر الدبلوماسيون الروس صراحةً بعدم وجود خطة عمل لديهم إذا ما اتخذت الحرب طابعاً استنزافياً طويل الأمد، تنفذ فيه إسرائيل ضربات منخفضة الكثافة ضد القيادة والأهداف الإيرانية —على غرار السيناريو اللبناني— وهو أمر محتمل بالنظر إلى تحييد أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية. ثانياً، لا يوجد وضوح بشأن توازن القوى داخل القيادة الإيرانية؛ فبينما يعلن الكرملين استمرار الحوار مع الرئيس مسعود بزشكيان، أدى الانقلاب الناعم الذي نفذه الحرس الثوري —حسب تعبير خبير الشؤون الإيرانية الروسي فلاديمير ساجين— إلى حالة من الغموض حول من يتخذ القرارات فعلياً في طهران. لقد كان التعاون العسكري يمر عبر هيئة الأركان العامة، لكن مقتل محمد باقري في يونيو 2025 وحملة التطهير الواسعة الحالية أثَّرا بشدة على قنوات التواصل.

وعلى الرغم من تنامي التعاون الاستخباراتي وتبادل الآراء، إلا أن مدى فهم موسكو للخطط العملياتية والاستراتيجية الموحدة للقيادة الإيرانية يظل سؤالاً بلا إجابة دقيقة لدى العديد من المسؤولين الروس. وفي حال زيادة الاستقطاب داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإيرانية، فإن مهمة الوساطة الروسية المحتملة ستصبح غاية في الصعوبة. ومن الجدير بالذكر أن موسكو اتخذت بالفعل خطوة تسببت بضرر للعلاقات مع طهران حين امتنعت عن التصويت ضد قرار البحرين المناهض لإيران في مجلس الأمن، في خطوة دافعها الرغبة في عدم تعكير صفو العلاقات مع الدول العربية.

الدعم الروسي لإيران خلال الحرب

وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، تزود موسكو طهران بصور الأقمار الصناعية وتشاركها تقنيات متطورة للطائرات المسيرة. وبعبارة أخرى، تساعد روسيا في عمليات الاستطلاع وتحديد الأهداف وتوجيه الضربات، بالإضافة إلى توفير مكونات للطائرات بدون طيار المعدلة من نوع شاهد المصممة لتحسين الاتصالات والملاحة. تجدر الإشارة إلى أنه منذ بداية الحرب في أوكرانيا في عام 2022، ساعد النظام الإيراني، بالإضافة إلى توريد ذخيرة 122 مم لأنظمة صواريخ الإطلاق المتعددة (MLRS) أو الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات (ATGMs)، روسيا على التغلب على نقص الذخائر المتجولة وإنشاء عملية تجميع الطائرات بدون طيار قائمة على الامتياز في تتارستان. لذلك، يبدو من المنطقي أن تتمكن موسكو بالفعل من تقديم المساعدة إلى طهران في هذه المجالات.

إن قدرات المنظومة الإيرانية من أقمار الاتصالات والاستطلاع محدودة للغاية؛ فالأقمار الإيرانية التي أطلقها صاروخ روسي في ديسمبر 2025، إلى جانب القمر الروسي خيام، لا تكفي حتى لتحليل الأضرار التي تلحقها مسيراتها بالقواعد المعادية. ومع ذلك، لا ينبغي تضخيم القدرات الروسية بشكل مفرط؛ فموسكو تمتلك نحو 300 قمر صناعي مقابل نحو 2000 للولايات المتحدة (باستثناء ستارلينك).

بالإضافة إلى ذلك، اعتمد النظام الإيراني بشكل كبير على رادارات الرنين الروسية للكشف عن الصواريخ والطائرات الباليستية للعدو. تم توريد هذه الرادارات الحديثة إلى إيران من عام 2014 حتى عام 2023 وتتميز بقدرات معززة. بالنظر إلى أن جميع هذه الرادارات تقريبًا كانت، بطريقة أو بأخرى، تحت إشراف المخابرات الروسية ولكن تم تدميرها عمليًا في اليوم الأول من الحرب، فقد ترك الجيش والحرس الثوري الإيراني عاجزين تقريبا في الكشف عن التهديدات المحمولة جوا. لا يمكن استبعاد أن موسكو تحاول التعويض عن هذا “العمى” من جانب الإيرانيين من خلال تقديم معلومات استخباراتية.

التداعيات السياسية

قد يحقق الوضع المتطور في الشرق الأوسط مكاسب سياسية لروسيا، بدءاً من صرف الانتباه الدولي عن أوكرانيا وصولاً لفرص الوساطة. إلا أن هناك مخاطر جسيمة؛ فقد تضطر موسكو عاجلاً أم آجلاً لاتخاذ موقف منحاز، مما ينهي قدرتها على المناورة بين الدول العربية وإيران، أو بين المحاور الناشئة في المنطقة.

وكما أشار المحلل السياسي الموالي للكرملين فيودور لوكيانوف، فإن العملية ضد إيران وضعت منظمتي بريكس وشنغهاي للتعاون في موقف محرج؛ إذ إن تجاهل العدوان على عضو فيهما يعني انعدام فعالية المنظمة، بينما التضامن الفعلي يهدد بصدام مباشر مع واشنطن.

ومن المرجح أن تطول فترة الاضطراب في العلاقات الدولية التي بدأت بحرب أوكرانيا وتفاقمت بالعملية ضد إيران، مما يؤدي لنتائج لا يمكن التنبؤ بها. لقد فسرت روسيا الهجوم على إيران دليلًا قاطعًا على أن المواجهة مع واشنطن في المجالات الدبلوماسية والعسكرية والمعلوماتية لن تزداد إلا ضراوة، وينطبق الأمر ذاته على العلاقات مع أوروبا؛ فرغم التباينات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية مثل باريس أو مدريد حول الملف الإيراني، فمن المستبعد أن تستفيد موسكو من هذه الانقسامات، بل على العكس، ستسعى الدول الأوروبية لإبداء التضامن مع واشنطن، مما قد يزيد من تصلب مواقفها تجاه موسكو.