الملخص:

بعد موجةٍ من التصريحات الانتقادية المتبادلة بين الساسة الأتراك والعراقيين خلال الربع الأخير من عام 2016، بدأت السنة الجديدة بزيارة وفد تركي يرأسه رئيس الوزراء بن علي يلدرم إلى بغداد وأربيل. وساهمت الاتصالات السياسية والروتينية التي تمت قبيل الزيارة في تخفيف حدة التوتر بين البلدين الجارتين. لكن القضايا الأمنية سيطرت على جدول أعمال الزيارة، مع التركيز بشكل خاص على قضيتي تنيظم الدولة الإسلامية (داعش) وحزب العمال الكردستاني. ومع أن قضية موقع بعشيقة العسكري لم تتوصل إلى حلٍ تام، لكن هناك الآن تواصل أفضل بين البلدين الجارتين لمعالجة مخاوف بعضهما البعض. كانت الحاجة إلى تخفيف حدة التوتر والتركيز على المشاكل في المنطقة قد دفعت البلدين إلى التعاون مع بعضهما، وتعد هذه الزيارة بمثابة خطوة إيجابية نظراً للتحديات الأمنية الإقليمية وضرورة توثيق التعاون الاقتصادي بين تركيا والعراق. وربما لا يمكن تجاوز المشاكل الثنائية طويلة الأمد بهذه الزيارة وحدها، لكن هناك الآن قنوات الاتصال مفتوحة لمناقشة تلك المشاكل.

زار رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم العراق في 7 و8 يناير/كانون الثاني 2017، برفقة عدد من الوزراء. وقبيل هذه الزيارة، أصدرت كلٌ من تركيا والعراق تصريحاتٍ إيجابية في محاولة لتجاوز خلافاتهما والتركيز على التعاون الثنائي. وجرت الزيارة في أعقاب محادثة هاتفية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في 30 ديسمبر/كانون الأول. وعقب هذه المحادثة الهاتفية، قال رئيس الوزراء العراقي العبادي “لا يمكننا قبول استخدام حزب العمال الكردستاني للأراضي العراقية لشن هجمات ضد تركيا. كما لا يسمح دستورنا بمثل هذه الأمور”. ومن هنا، عمل كلا الجانبين على تهيئة الأجواء قبيل الزيارة.

وخلال الزيارة، ناقش الجانبان القضايا الأمنية بشكل أساسي، إلى جانب القضايا الاقتصادية والتعليمية والزراعية. كما شدد التصريح الصادر عن الزيارة على موقفهما المشترك في مجال مكافحة الإرهاب واحترام السلامة الإقليمية للبلدين. وبعد اجتماعات بغداد، ذهب الوفد التركي إلى أربيل، حيث زار رئيس الوزراء التركي جبهة البيشمركة التي تقاتل داعش، وكذلك زار العديد من الوزراء الأتراك موقع بعشيقة العسكري والتقوا بالجنود الأتراك هناك.

قبيل هذه الزيارة، شهدت العلاقات بين تركيا والعراق عامين من التوتر لعدة أسباب: وجود حزب العمال الكردستاني في الأراضي العراقية، والمخاوف التركية من تزايد نشاطه عبر العراق، والمخاوف بشأن الطائفية في أعقاب عملية الموصل، ووجود القوات التركية لتدريب السكان المحليين على قتال داعش في موقع بعشيقة العسكري، إلى جانب القلق من توغلٍ تركيٍ محتمل في الموصل حال نشوب صراع طائفي هناك. مع هذه الزيارة، أظهر كلا الجانبين نواياهما لخفض حدة التوتر بين البلدين والتركيز على المعركة التي تشتد الحاجة إليها لمحاربة الإرهاب. ورغم ذلك من المبكر جداً أن نرى أية نتائج مباشرة لهذه الزيارة، لكننا نستطيع القول أن البلدين قد اختارا المشاركة معاً هذه المرة بدلاً من الحديث عبر وسائل الإعلام.

الخلفية الثنائية والإقليمية للزيارة

يمكن تفسير زيارة رئيس الوزراء بن علي يلدرم إلى بغداد وأربيل باعتبارها مثالاً على رغبة تركيا والعراق في تجاوز الخلافات الثنائية والتعاون في صراعهما لمواجهة العديد من التحديات في المنطقة. الجدير بالذكر أن العلاقات الثنائية بين تركيا والعراق شهدت توتراً في النصف الثاني من 2016 بسبب موقع بعشيقة العسكري. فقد نقلت تركيا جزءاً من قواتها في حكومة إقليم كردستان إلى منطقة بعشيقة، لتدريب أهالي الموصل على محاربة داعش ولمنع حزب العمال الكردستاني من رفع مستويات نشاطه في المناطق القريبة من الحدود التركية. لكن تركيا أكدت على أن الهدف من وجود القوات التركية في بعشيقة هو المساعدة على قتال داعش م