مُلخَّص: تُظهِر زيارة الملك سلمان إلى روسيا – التي تُعَد أول زيارة على الإطلاق يُجريها ملكٌ سعودي إلى هناك – أنَّ موسكو والرياض تنتقلان من مرحلة التنافس إلى مرحلة التعاون. ويسترشد هذا التقارب بالبراغماتية والمصالح المشتركة: رفع أسعار النفط العالمية، والتوصُّل إلى تسويةٍ في سوريا، وتطوير العلاقات العسكرية في وقتٍ يتسم بالغموض والارتياب في الشرق الأوسط وجميع أنحاء العالم. بيد أنَّ هناك حدودًا معينة لمدى القرب المحتمل الذي يمكن أن تصل إليه العلاقات الروسية السعودية. فبينما تُطلق تحالفات روسيا مع إيران ونظام الأسد العنانَ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في استخدام دبلوماسية متعددة الأطراف في المنطقة، تُعرقل هذه التحالفات تعميق العلاقات التجارية والدبلوماسية مع المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج. وبالمثل، قد تَثبُت صعوبة تحقيق الآمال السعودية في تحقيق أرباحٍ سريعة مفاجئة من الاستثمار في الاقتصاد الروسي، ورغبة الرياض في شراء أسلحةٍ روسية على نطاقٍ واسع.

 

جديرٌ بالذكر أنَّ روسيا والمملكة العربية السعودية لم ينعما بعلاقةٍ ودية قطّ. فبالعودة إلى أوائل عصر الحرب الباردة، وبينما كان السوفييت متكاتفين مع مصر التي كانت تحت رئاسة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وأنظمةٍ قومية علمانية أخرى، قاد السعوديون تحالفًا منافسًا من البلاد الملكية المُحافظة بالتعاون مع الغرب. وفي وقتٍ لاحق، شَرَع السعوديون – إلى جانب الأجهزة الأمنية الباكستانية – في تمويل المجاهدين الذين كانوا يقاتلون الجيش السوفيتي في أفغانستان ومساعدتهم. وبعد ذلك بوقتٍ كبير، كانت السلطات الروسية تعتبر المملكة العربية السعودية – التي أعادت تأسيس العلاقات الدبلوماسية معها بعد انقطاعٍ استمر 52 عامًا[1] – منبعًا لتصدير الإسلام المتطرف إلى المسلمين في منطقة شمال القوقاز ومناطق أخرى من الاتحاد السوفيتي. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ وسائل الإعلام المؤيدة للكرملين لا تُفوت أي فرصةٍ لانتقاد الولايات المتحدة – التي تزعم أنَّها ترعى الديمقراطية وحقوق الإنسان – بسبب تحالفها المستمر منذ وقتٍ طويل مع السعوديين. فضلًا عن الحرب الجارية في سوريا التي تقف فيها موسكو والرياض على جانبين متضادين. وعلاوةً على ذلك، عزَّز تدخُّل روسيا العسكري المباشر في سوريا منذ شهر سبتمبر/أيلول من عام 2015 لدعم نظام الأسد المتعثِّر العلاقاتِ الأمنية الروسية مع إيران، التي تُعَد غريمة السعودية في تنافسٍ يُخيِّم على الشرق الأوسط. وعند مواجهة أنصار الكرملين بالعواقب الإنسانية الخطرة الناجمة عن التدخل العسكري الروسي في سوريا، يُشيرون إلى موت المدنيين والدمار الناجمين عن أفعال التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن[2]. وهناك تكهُّناتٌ بوقوف مُخترقين روس وراء نشر الأخبار الكاذبة التي أثارت أزمةً بين المملكة العربية السعودية وقطر، مما أسفر عن حدوث انشقاقٍ داخل الكتلة السنيّة التي تعارض الأسد[3]. باختصار، هناك فيضٌ من القضايا الخلافية بين البلدين.

ولكن الآن، مع إجراء الملك سلمان بن عبد العزيز زيارةً غير مسبوقة لثلاثة أيام إلى موسكو، فيبدو أنَّنا وصلنا إلى نقطة تحوُّل. يُذكَر أنَّ الملك سلمان ذهب إلى روسيا من قبل، ولكن بصفته محافظ الرياض في عام 2006. وسافر بوتين كذلك إلى المملكة العربية السعودية في عام 2007. ولكن نظرًا إلى أنَّ الملك السعودي السابق عبد الله لم يرد هذه البادرة قطّ[4]، فإنَّ زيارة سلمان تعدّ هي الأولى من نوعها[5]. ومن أجل تمييز هذه المناسبة، استضافت موسكو أسبوعًا من الفعاليات الثقافية السعودية. وحظي سلمان بترحيبٍ من جانب بوتين، ورئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، وحتى الرئيس الشيشاني رمضان قديروف الذي نصَّب نفسه زعيمًا لجميع المسلمين في الاتحاد الروسي[6]. وصاحبت الزيارة أخبارٌ عن صفقاتٍ كبرى: مثل مشروعٍ بقيمة 1.1 مليار دولار لشركة البتروكيماويات الروسية “سيبور” من أجل بناء مصنع بتروكيماويات في المملكة العربية السعودية، وصندوق استثمار تكنولوجي مشترك بقيمة مليار دولار، وتمويلات أخرى هادفة للربح بقيمة مليار دولار مخصصة لمشروعات الطاقة. وقد يتدفق استثمارٌ سعودي يصل إلى نحو 200 مليون دولار إلى الطرق الروسية ذات الرسوم، بما في ذلك طريقٌ جديد في موسكو. وهناك كذلك حديثٌ عن مشروعات بنكية إسلامية لخدمة العدد الكبير من السكان المسلمين في الاتحاد الروسي[7]. وأخيرًا وليس آخِرًا، أعلن متحدثٌ باسم الهيئة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري التقني التوصُّلَ إلى اتفاقٍ بشأن بيع أنظمة صواريخ أرض-جو من طراز إس-400 للمملكة العربية السعودية.

كانت هذه الزيارة إلى موسكو متوقعةً. إذ كان مخططًا لها منذ أول مكالمةٍ هاتفية بين الملك سلمان وبوتين في شهر أبريل/نيسان من عام 2015. وتمت العديد من التحضيرات لهذه الزيارة بفضل ولي العهد محمد بن سلمان، الوسيط بين العائلة المالكة السعودية والكرملين[8]. ففي شهر سبتمبر/أيلول من عام 2016، وقبل أشهر من ترقية محمد بن سلمان إلى المنصب الأول في سُلَّم الخلافة، تفاوض مع بوتين بشأن انضمام روسيا إلى اتفاق منظمة الأوبك على خفض معدلات إنتاج النفط. وبالمثل، أُبرِمَت صفقةٌ أسلحة مبدئية بقيمة 3.5 مليارات دولار مع شركة روستك الروسية الصناعية الحكومية في شهر يوليو/تموز من عام 2017[9]. وإلى جانب ذلك، كان السعوديون والروس يُحرزون تقدمًا في القضية السورية. إذ أسفر أحد الاجتماعات بين روسيا وجماعات المعارضة السورية المدعومة من السعودية في العاصمة المصرية القاهرة عن التوصُّل إلى اتفاقاتٍ بشأن الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة في الغوطة الشرقية والرستن[10]. وكما قال محمد بن سلمان – الذي يشغل منصب وزير الدفاع كذلك – منذ حين، فإنَّ “العلاقات بين المملكة العربية السعودية وروسيا تمر بواحدةٍ من أفضل لحظاتها على الإطلاق”[11]. ولا شك أنَّ وجود أبيه في الكرملين يُقدِّم أوضح دليلٍ على ذلك.

البُعد المتعلق بالطاقة

تقاربت مصالح روسيا والمملكة العربية السعودية جزئيًا. إذ تعاني كلتاهما من انخفاض أسعار النفط الخام، مما يُعرِّض أمنهما المالي للخطر. وهذا هو سبب استمرار الاتفاق الأصلي المُبرم بين بوتين والأمير محمد في شهر سبتمبر/أيلول من عام 2016، الذي كان يهدف إلى إبقاء سعر البرميل فوق 50 دولارًا. وفي شهر مايو/أيار، مدَّد وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك ونظيره السعودي خالد الفالح الاتفاقَ لمدة تسعة أشهر أخرى في أثناء اجتماعٍ عُقِد في العاصمة الصينية بكين. وكشفت زيارة الملك سلمان عن إمكانية استمرار اتفاق “أوبك بلس” حتى نهاية عام 2018.

تشير المشروعات الاستثمارية التي أُعلِنَت في أثناء هذه الزيارات إلى أنَّ هذا التعاون مُوجّه نحو المدى الطويل؛ إذ إنَّ روسيا حريصةٌ على جذب استثماراتٍ من الخليج. ففي عام 2016، دفع الصندوق السيادي القطري 2.5 مليار يورو بالاشتراك مع شركة غلينكور السويسرية للموارد الطبيعية من أجل الحصول على حصةٍ بنسبة 19.5% في شركة روسنفت الروسية الحكومية العملاقة (وأشار بوتين آنذاك بسعادةٍ إلى ارتفاع قيمة أسهم روسنفت بنسبة 18% بفضل ذلك)[12]. وفي شهر سبتمبر/أيلول، باع القطريون وشركة غلينكور أسهمهما إلى تكتُّل صيني؛ ولذلك لم تعُد روسيا مُقيَّدةً بالخلاف السعودي القطري[13]. لكنَّ التمويل الجديد من جانب السعوديين سيُحتفى به بشدة؛ نظرًا للصعوبات التي تواجه شركات الطاقة الروسية الحكومية بسبب العقوبات الأوروبية والأميركية (التي عزَّزها الكونغرس الأميركي مؤخرًا)[14]. وأشار نوفاك إلى أنَّ شركة نوفاتك – الخاضعة لسيطرة صديق بوتين الشخصي غينادي تيمتشينكو (المُدرَج في القائمة السوداء للدول الغربية) – ستكون مستعدة لعقد شراكةٍ مع شركاتٍ سعودية في مشروعٍ للغاز الطبيعي المُسال في القطب الشمالي. وتفيد تقاريرُ بأنَّ شركتي أرامكو السعودية وغازبروم نفت الروسية الحكوميتين تُجريان محادثاتٍ لإنشاء مركزٍ مشترك للبحوث والتكنولوجيا[15].

الطبيعة الجيوسياسية المتغيرة

صحيحٌ أنَّ المال والنفط يساعدان على تهدئة العلاقات، ولكنَّ السبب الحقيقي في تقارب بوتين والملك سلمان هو السياسات المتقلبة في الشرق الأوسط. إذ شهدت المملكة العربية السعودية تزايد النفوذين العسكري والدبلوماسي لروسيا مع تدخُّل الأخيرة في سوريا وعلاقاتها الوثيقة مع قوتين إقليميتين أخريين: إيران وتركيا. وفي الوقت نفسه، أعطى الانسحاب النسبي للولايات المتحدة من المنطقة الرياضَ حوافزَ إضافيةً لتنويع العلاقات الأمنية بعيدًا عن علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي تُعَد حليفتها منذ أمدٍ بعيد. وتأثَّر التفكير الاستراتيجي السعودي كذلك بعدم رغبة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في التدخُّل في سوريا، والاتفاق النووي الأميركي مع إيران، والغموض المحيط بالسياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويمكن أن تكون روسيا – التي لا يخلو تحالفها الظاهري مع إيران من المشكلات – بمثابة ثقلٍ موازن لها في سوريا. وقال خبراء روس إنَّ الرياض قد تطلب الوساطة الروسية في اليمن[16]. وأخيرًا وليس آخِرًا، تُعَد روسيا والمملكة العربية السعودية حلفاء لنظام السيسي في مصر.

يعرف فلاديمير بوتين أنَّ الوقت قد حان لطي صفحة الحملة الروسية في سوريا[17]؛ نظرًا إلى أنَّها قد حققت المراد منها: تأمين بقاء الأسد في منصبه، واستعداد الولايات المتحدة للتعاون مع روسيا، وتحوُّل موسكو حاليًا إلى طرفٍ رئيس في الشرق الأوسط. بيد أنَّ تكاليف هذه الحملة تصير أوضح وأوضح كذلك. ففي شهر سبتمبر/أيلول – الذي كان الشهر الأكثر دموية منذ معركة حلب الشرقية في شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2016 – تكبَّدت روسيا أكبر خسارة لها بمقتل الجنرال فاليري أسابوف الذي كان مُعارًا للفيلق الخامس التابع للجيش السوري، وذلك بقذائف هاون أطلقها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالقرب من مدينة دير الزور السورية. وجديرٌ بالذكر أنَّ قوات الأسد وروسيا تقتربان اقترابًا خطرًا من قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة مع أميركا، وتضم وحدات قوات خاصة ومدفعية مُدمجة تحت قيادة قوات مشاة البحرية الأميركية. ولا ينبغي التغاضي عن مخاطر التصعيد غير المرغوب فيه. إذ تعرَّضت قوات سوريا الديمقراطية لقصف القوات الجوية الروسية بالفعل[18]. وألقت وزارة الدفاع الروسية باللوم في مقتل أسابوف على “سياسة النفاق” الأميركية، مشيرةً إلى أنَّ الأميركيين يتشاركون المعلومات سرًا مع تنظيم داعش[19]. وزعمت كذلك أنَّ هناك منطقةً على الحدود الأردنية عند معبر التنف الحدودي صارت “ثقبًا أسود” يدخل منه الجهاديون إلى سوريا[20].

يُسلِّط الوضع المتقلب في سوريا الضوءَ على مزايا الدبلوماسية. إذ صارت “محادثات أستانة” – التي بدأتها روسيا وتركيا وإيران في أعقاب سقوط حلب الشرقية – تضم الآن ميليشياتٍ سلفية مدعومة من السعودية مثل حركتي أحرار الشام وجيش الإسلام. وجديرٌ بالذكر أنَّ وزارة الدفاع الروسية كانت تُدرج هاتين الجماعتين منذ وقتٍ قريب جنبًا إلى جنب مع تنظيم داعش وجبهة النصرة (المعروفة حاليًا باسم هيئة تحرير الشام). أما الآن، فصارتا ضمن المعارضة المعتدلة، وأصبحتا ممثَّل