علاقة روسيا بالمملكة العربية السعودية خلال التاريخ الحديث معقدةٌ وغامضة. إذ شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين تاريخًا من الازدهارات والتدهورات والصراعات الحادَّة والدفء البالغ، ما يمكن إلى حد كبير تفسيره بالتغيّر المستمر لدور كلا البلدين ومكانتهما في العالم عمومًا، وفي الشرق الأوسط تحديدًا.

وصحيحٌ أنَّ الاتحاد السوفيتي كان أوَّلَ بلدٍ يعترف باستقلال الدولة السعودية التي أنشأها الملك عبد العزيز في عام 1926، لكنَّ ذلك لم يمنع القيادة السعودية من قطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي بعد ذلك بـ12 عامًا بعد استدعاء الاتحاد السوفيتي كريم حكيموف، سفيره السابق لدى السعودية، وأعدمه رميًا بالرصاص بتهمة التجسُّس ضمن الحملة المناهضة للدين ذات الزخم الواسع في البلاد آنذاك. ويرجع الطابع الدرامي لهذه القصة إلى أنَّه بعد ستة أشهر فقط من إعدام حكيموف، اكتُشِفَت رواسبُ نفطية هائلة في السعودية؛ ولكن بحلول ذلك الوقت، كان جميع موظفي البعثات الدبلوماسية السوفيتية إلى الممكلة قد غادروها.

التركيز على الولايات المتحدة

لم تعُد العلاقات بين الدولتين حتّى عام 1990، وأكَّد البيان السعودي الروسي المشترك الذي صدر آنذاك أنَّ البلدين يسعيان إلى إقامة “علاقات وديَّة تصبُّ في مصلحة شَعبَي البلدين” وتشجيع “تسوية الصراعات الإقليمية وتنمية التعاون الدولي وتعزيز السلام والأمن الدولي”[1]. ورغمَ ذلك ظلَّت كثير من الخلافات بين البلدين قائمةً لا سيما السياسيّة منها. ومن أشدّها حدّة، بالطبع، الوضعُ في شمال القوقاز.

والتاريخ اللاحق للعلاقات بعد تلك الفترة اعتمد على حال العلاقة بين السعودية وحليفتها الجيويسياسية الرئيسة: الولايات المتحدة الأمريكية. فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، تدهور -بشكل حاد- التعاون الأميركي السعودي، وزعمت الولايات المتحدة آنذاك أنَّ السعودية صارت “مركز الشر” في الشرق الأوسط، وخصمًا خطيرًا للولايات المتحدة[2]. وفي هذه الظروف صارَ ممكنًا تحسين العلاقات الروسية السعودية رمزيًا.

المرحلة الثانية من التقارب بين السعودية وروسيا مرتبطةً بالغزو الأميركي للعراق في عام 2003. إذ عارضت روسيا آنذاك تصرفات الولايات المتحدة، ولم تكترث واشنطن برأي السعودية التي رفضت المشاركة في التحالف ضد العراق. وفي الوقت نفسه، توقفت الانتقادات السعودية لسياسة روسيا في شمال القوقاز. وفي يناير/كانون الثاني من عام 2004، قبلت السعودية أحمد قديروف، الزعيم الشيشاني، ممثلًا شرعيًّا للشعب الشيشانيّ. ومُنح شرفًا كبيرًا؛ إذ شارك الأمير عبد الله بن عبد العزيز في غسل الكعبة.[3] وفي عام 2008 بعد النزاع في أوسيتيا الجنوبية، قال الملك عبد الله إنَّه “يتفهم تصرُّفات روسيا”.[4] بيد أنَّ المملكة لم تعترف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

ولذا يمكن القول بأن البلدان في العقد الأول من القرن العشرين حاولتا التقارب من بعضهما، تقاربًا هشًا لأنه قائمٌ على ظروف خارجية لا حاجةٍ داخليّة للبلدين. وبقيت الرغبة في التعاون بين البلدين مجرَّد حبر على ورق نتيجةً للخلاف حول عديد من القضايا، وانعدام الثقة، والصور السلبية التي تشكَّلت في كلا البلدين عن البلد الآخر عبرَ عقود (إذ نشرت وسائل إعلامية سعودية موادَّ مناهضةً لروسيا، كما بثَّ الإعلام الروسي اتهاماتٍ للمملكة السعودية بتمسُّكها بعادات القرون الوسطى والتواطؤ في الإرهاب العالمي). ولعل أبرز مؤشرٍ على ذلك هو أنَّ إجمالي حجم التجارة بين روسيا والسعودية بلغ 363.8 مليون دولار فقط بحلول عام 2009.[5]

ففي عام 2008، فازت شركة “السكك الحديدية الروسية” بمناقصةٍ لبناء خط سكة حديد طوله 520 كيلومترًا بقيمة 800 مليون دولار؛ ولكن رفضت السعودية توقيع العقد بعد ذلك بأربعة أشهر. أظهرَ هذا القرار السياسيّ الصَرف الذي اتخذته القيادة السعودية الموقف الحقيقي للملكة من التعاون مع موسكو ورافقَ فترةً جديدة من تطبيع العلاقات مع واشنطن. فعندما تولَّى باراك أوباما منصب الرئاسة الأميركية في العام نفسه، كان للسعودية اعتمادٌ كبير عليه. ويكفي أن نتذكَّر زيارته الأولى إلى المملكة العربية السعودية، التي استهلَّ بها جولته الأولى في الشرق الأوسط التي بلغت ذروتها في خطابه الذي ألقاه في جامعة القاهرة، حيث حدَّث الرئيس الأميركي المجتمع الإسلامي برمته عن رؤيته للسياسة الأميركية المقبلة تجاه الشرق الأوسط. وفي ظلِّ هذه الظروف، لم تعد روسيا تمثّل أي مصلحة للسعوديّة التي قرّرت، بشكل مُسبق، أن تبدأ فترة ركود أخرى في العلاقات بين البلدين.

شراكة اضطرارية والزيارة التي طال انتظارها  

مع تولِّي الملك سلمان السلطة وتعزيز وضع ابنه محمد الذي أصبح وليَّ عَهْد المملكة في يونيو/حزيران من العام الماضي 2017، بدأت العلاقات الروسية السعودية بالانتقال تدريجيًّا إلى تعاونٍ أكثر براغماتية، بل وأقل التفاتًا للمواجهة الأيديولوجية. وأصبح لدى القيادة الروسية ومحمد بن سلمان – الذي قال إنَّ “العلاقة بين المملكة العربية السعودية وروسيا تشهد أحد أفضل أوقاتها” -[6] مصلحةٌ في إقامة علاقاتٍ أفضل بين البلدين.

بيد أنَّ نجاح نقل المَلَكية في المستقبل من الملك سلمان الذي يحظى بشرعيةٍ لا غبار عليها بين أفراد العائلة المالكة إلى ابنه -الذي حقَّق مسيرةً مهنية سريعة بالقواعد الجديدة التي لم تُثبَّت بعد- ما زال يُمثِّل القضية الرئيسة في المملكة. فوليُّ العهد ما زال بحاجةٍ ماسَّة إلى انتصاراتٍ في السياسة الخارجية، وهو ما لم يتحقَّق بعدُ في سوريا أو اليمن أو المواجهة مع قطر، أو حتى في قضية استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الفاشلة. روسيا التي أصبحت إحدى الأطراف الرئيسة المؤثرة في الشرق الأوسط بعد بدء حملتها العسكرية في سوريا، يمكن للاتفاقيات معها أن تُسهم كثيرًا في تحقيق انتصارات ولي العهد في ملف السياسة الخارجيّة.

لم تُخف القيادة السعودية خيبة أملها مما فعلته إدارة أوباما في الشرق الأوسط، وبرأي الخبير الروسي، غريغوري كوساك، أنَّ “العرب لديهم شعور بأنَّهم ينبغي أن يبحثوا عن حلولٍ لمعضلة سوريا لا في واشنطن بل في موسكو”.[7] والوضع مشابه في حالة اليمن. ففي 2018 كثَّفت الرياض بشكل ملحوظ حوارها مع موسكو بحثًا عن سبل للخروج من الأزمة اليمنية. إذ ترى القيادة السعودية أنَّ روسيا بإمكانها أن تؤدِّي دورًا مهمًّا في الوساطة بين حكومة منصور هادي الموالية للسعودية وسلطات صنعاء الخاضعة لسيطرة حركة أنصار الله.

وبدورها، تهتمُّ موسكو بتعزيز العنصر المالي الاقتصادي في العلاقات الروسية السعودية. إذ أعربت القيادة الروسية مرارًا عن عدم رضاها عن أنَّ معظم الاتفاقات المؤثرة في التعاون الاقتصادي والتقني العسكري ما زالت في مستوى مذكرات التفاهم. وبعبارةٍ أخرى، المصالح الروسية حُدّدت إلى حد كبير بسبب صعوبات داخلَ روسيا نَتجت عن نظام العقوبات. اضطرت روسيا للبحث عن بديل في ظلِّ الظروف التي فقدت فيها شريكها التجاري الرئيس المتمثِّل في الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الصدد، ثَبُت أنَّ تعزيز موقف محمد بن سلمان -الذي انتهج مسار تنويع السياسة الخارجية والعلاقات الاقتصادية الخارجية- أمرٌ مفيد للغاية.

ومثَّلت زيارة الملك سلمان إلى موسكو -التي كانت روسيا تنتظرها منذ وقتٍ طويل- ذروة تطلُّعات البلدين إلى التقارب القادم. وقد ذُكِرت تلك الزيارة لأول مرةٍ في النصف الأول من عام 2015، حين دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، باتصالٍ هاتفيّ، الملك سلمان -الذي كان عاهلًا جديدًا للسعودية آنذاك- ليزور روسيا. ومنذ ذلك الحين، حدَّد الملك موعدًا لإجراء مزيدٍ من الزيارات، لكنَّها كانت تؤجَّل في كل مرة. وفي الأشهر الستة الماضية وحدها، أُعيد النظر في تواريخ زيارة الملك سلمان ثلاث مرات: أولًا كان من المتوقَّع إجراؤها في منتصف يوليو/تموز من العام الماضي، أي مباشرة بعد قمَّة مجموعة العشرين في هامبورغ، ثم في أوائل أغسطس/آب، وأخيرًا في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

زيارة الملك سلمان أول زيارة ملكيّة من السعوديّة. زارَ الملك فيصل روسيا لكن عندما كان وزيرًا للخارجية، وزارها عبد الله وليًا للعهد، وحتى الملك سلمان نفسه زارها حين كان أميرًا للرياض؛ لكنَّ هذه الزيارة كانت أول زيارةٍ رسمية يُجريها ملكٌ سعوديٌّ إلى روسيا. وقد جذب بوتين الانتباه إلى ذلك في خطابه الترحيبي، واصفًا تلك الزيارة بأنَّها “حدث تاريخي”.[8]

أمَّا بالنسبة للشأن السياسيّ في العلاقات الروسية السعودية، فربما تكون الرياض راضيةً عن وضعه الحالي. فصحيحٌ أنَّ موقف البلدين بشأن سوريا متعارضٌ تمامًا، لكنَّ تأثير القضية السورية في العلاقات الروسية السعودية أصبح أقلَّ بكثير في الآونة الأخيرة ممَّا كان عليه في السنوات الأولى من العملية العسكرية الروسية في سوريا. فأولًا: أصبحت القضية السورية بالفعل ثانويةً بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية؛ إذ حلَّت محلَّها الحاجة إلى حلِّ الوضع الإشكالي مع جارتيها العربيتين: اليمن وقطر. لذا شكَّل حياد روسيا في أزمة الخليج في يونيو/حزيران من العام الماضي عنصرًا مهمًّا في العلاقات الروسية السعودية.

وثانيًا: ففي ظلِّ حقيقة أنَّ المملكة العربية السعودية استسلمت على ما يبدو لانتصار بشار الأسد في الحرب الأهلية، تقلَّصت مساعي القيادة السعودية في الحوار الروسي السعودي بشأن سوريا واتجهت للبحث عن فرصٍ لتقليص الوجود الإيراني في سوريا بعدَّة طرق، من بينها محاولة إثارة انقسام في العلاقة بين طهران وموسكو.

وليس ثمّة مثالًا أوضح من اليمن، التي لا ترغب السعودية فيها بالولاء الروسيّ فحسب بل بوساطة موسكو أيضًا. فمنذ بداية العملية العسكرية السعودية في اليمن، التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمحمد بن سلمان، حاولت القيادة الروسية الامتناع عن إبداء تصريحاتٍ قاطعة بشأن اليمن، داعمةً في الواقع الإجراءات التي تتخذها الرياض. ففي عام 2015، امتنعت روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2216 بشأن اليمن الذي اقترحته الأردن وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وصوتت في عام 2017 لتأييد القرار رقم 2342، الذي يتضمَّن في الأساس نفس متطلبات القرار السابق، ويبرِّر التدخُّل السعودي في اليمن.

لقد عزَّز اجتماع فلاديمير بوتين والملك سلمان في موسكو هذا التوجُّه فقط؛ لذا أكَّدت القيادة الروسية عزمها عدم منع السعوديين من اتخاذ خطواتٍ إضافية لحلِّ النزاع اليمني. وتتضح حقيقة أنَّ موقف القيادة الروسية “الصامت” ما زال قائمًا في واقعتين حدثتا في صيف العام الجاري 2018، الأولى: العملية العسكرية التي أطلقها التحالف في منتصف يونيو/حزيران الماضي للاستيلاء على مدينة الحديدة، والتي لم تسفر إلَّا عن تفاقم الوضع الإنساني في اليمن الذي كان صعبًا بالفعل. أمَّا الحادثة الأخرى: تقرير أصدره فريقٌ من خبراء الأمم المتحدة أُعلِنت فيه مسؤولية دول التحالف، ضمن بلدانٍ أخرى، عن انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان وجرائم يمكن اعتبارها “عسكرية”.[9] ومع ذلك، لم تُعر موسكو أيًّا من الحادثتين انتباهًا.

اتفاقياتٌ غامضة المستقبل

سمحَ الوضع السياسي الجيّد إلى حد ما، للعلاقات بين البلدين، أن تحقق بعض النجاح في المجال الاقتصاديّ. الاهتمام الرئيسي للقيادة الروسية مع السعودية كان في تطوير العنصر المالي والاقتصادي في التعاون بين البلدين، الذي “لا يوافي مستواه القدرات المتوفرة”، وفقًا لوزارة الخارجية الروسية. فما زال مستوى التجارة والتعاون الاقتصادي بين الدولتين يتأرجح حول 500 مليون دولار تقريبًا[10]، وإن كان أعلى ممَّا كان عليه في العقد الأول من القرن الحالي، وهو بالتأكيد رقمٌ ضئيل (فعلى سبيل المقارنة، تبلغ قيمة التجارة والتعاون الاقتصادي بين السعودية والولايات المتحدة أكثر من 70 مليار دولار).[11]

أعربت القيادة الروسية مرارًا عن عدم رضاها عن أنَّ معظم الاتفاقات المؤثرة في التعاون الاقتصادي والتقني العسكري ما زالت في مستوى مذكرات التفاهم

وبطريقةٍ ما، أسهمت زيارة الملك سلمان في ترك ممارسة إبرام اتفاقياتٍ غير مُلزِمة. صحيحٌ أنَّ 9  اتفاقيات مُؤَطِّرة غير مُلزِمة من بين الوثائق الـ14 التي وقَّعها فلاديمير بوتين والملك سلمان[12]، لكنَّ تمكَّن الطرفان من إحراز تقدُّم في قضايا الاستثمار والتعاون العسكري التقني، وهي نفسها مجالات التعاون التي بذل الطرفان محاولاتٍ جوهرية على مرِّ فترةٍ طويلة جدًّا للتوصُّل إلى اتفاقاتٍ بشأنها.

ففي مجال الاستثمارات، اتفق الطرفان على إنشاء صندوق استثمار في مجال الطاقة بمبلغ مليار دولار (بتشارك بين صندوق الاستثمار المباشر الروسي وشركة أرامكو السعودية للنفط وصندوق الاستثمارات العامة السعودي)، وكذلك صندوق استثمار في مجال التقنية الحديثة بمليار دولار أيضًا (بتشارك بين صندوق الاستثمار المباشر الروسي وصندوق الاستثمارات العامة السعودي). وبالإضافة إلى ذلك، أُبرِمَت اتفاقيةٌ بشأن استثمارٍ مشترك بقيمة 100 مليون دولار في شركة United Transport Concession Holding بهدف الاستثمار في مشروعات البنية التحتية.[13] ولكن مع أنَّ موسكو والرياض تمكنتا من التوصُّل إلى اتفاقٍ حقيقيٍّ في هذا الاتجاه، فإنَّ مبلغ الاستثمار رمزيٌّ، ويظهر تردُّد السعوديين في التعجيل باتخاذ قرار استراتيجيٍّ بشأن هذه المسألة.

وفضلًا عن ذلك، أُبرِمَت مذكرة تفاهم بين شركتي غازبروم الروسية وأرامكو السعودية بمبادرةٍ من الطرف الروسي. ووفقًا لهذه المذكرة، سيستكشف الطرفان آفاق التعاون على امتداد سلسلة القيمة بأكملها من استكشاف الغاز وإنتاجه ونقله وتخزينه إلى مشروعات الغاز الطبيعي المسال. وقد عُزِّزت هذه الاتفاقيات في أثناء الزيارة التي أجراها خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودية في ديسمبر/كانون الثاني إلى روسيا لحضور افتتاح محطة يامال للغاز الطبيعي المسال. إذ تمكَّن الطرفان من التوصُّل إلى اتفاقٍ مبدئيٍّ بشأن توريد الغاز المسال الروسي إلى المملكة العربية السعودية. ومن المفترض أن يُبرَم عقد توريده بين شركة أرامكو من جهة، وشركتي نوفاتيك وروسنفت من جهةٍ أخرى[14].

ووُقِّعَت مذكرتان أُخريان للتعاون في قطاع النفط. إذ وقَّعت شركة سيبور الروسية وصندوق الاستثمار المباشر الروسي وأرامكو مذكرةَ تفاهمٍ بشأن تعاونٍ محتمل في مجال البتروكيماويات وتسويق المنتجات البتروكيماوية في أراضي الاتحاد الروسي والمملكة العربية السعودية. ووفقًا للمذكرة، ستُقيِّم الشركتان إمكانات أسواق البتروكيماويات في روسيا والمملكة العربية السعودية، وستنظران في إمكانيات زيادة التعاون. وأُبرِمَت مذكرة مماثلة بين شركة سيبور وشركة أرامكو وشركة سابك للاستثمار الصناعي[15].

جديرٌ بالذكر أنَّ حذر المملكة العربية السعودية في تطوير التعاون الاقتصادي مع روسيا ظهر أيضًا في اجتماعات الملك سلمان مع رؤساء بعض الكيانات الاتحادية التابعة للاتحاد الروسي (وهُم رستم مينيخانوف رئيس تتارستان، ورمضان قديروف رئيس الشيشان، ويونس بك يفكوروف رئيس إنغوشيا، ورستم حميدوف رئيس بشكيريا). إذ كانت القضايا الرئيسة التي أثيرت في كُلٍّ من هذه الاجتماعات هي جذب الاستثمارات السعودية إلى المنطقة وتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية بين المملكة العربية السعودية والكيانات الاتحادية المذكورة.

بيد أنَّ الطرف السعودي اختار عدم التسرع حتى في هذه النقطة، واقترح نقل هذه القضايا إلى اللجنة الحكومية المشتركة بين السعودية وروسيا للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني، وكذلك إلى مجلس الأعمال الروسي العربي البعيد عن الاهتمام السعوديّ. وحتى بعد زيارة محمد بن سلمان في يونيو/حزيران الماضي إلى موسكو لحضور المباراة الافتتاحية في كأس العالم لكرة القدم، لم يشهد الوضع في هذا المجال تغيُّراتٍ كبيرة.

فضلًا عن أنَّ التقدُّم في مجال التعاون العسكري التقني ما زال ضئيلًا. إذ لم تتوصل روسيا والمملكة العربية السعودية في هذا المجال إلَّا إلى اتفاقاتٍ شفهية، فقد اتفق الطرفان في السابق على توريد أنظمة صواريخ أرض-جو من طراز إس-400. وستشتري الرياض أنظمة صواريخ مضادة للدبابات من طراز كورنيت-إم، وراجمات صواريخ ثقيلة من طراز توس-1 بوراتينو وقاذفات قنابل. ونظرًا إلى أنَّ الإعلام السعودي ونظيره الإماراتي أعلنا الاتفاقيات الشفهية بشأن أنظمة إس-400 الصاروخية، فقد اضطرَّت الدائرة الاتحادية للتعاون العسكري التقني التابعة للاتحاد الروسي إلى تأكيد هذه المعلومات، ولكن لم يُبرم اتفاقٌ مكتوب بشأن أنظمة إس-400 الصاروخية.

أمَّا العقد الفعلي الوحيد الذي أُبرِم حتى الآن فكان بين شركة روسوبورون اكسبورت والشركة السعودية للصناعات العسكرية بشأن ترخيص إنتاج بنادق روسية من طراز كلاشنيكوف إيه كيه 103 على أراضي المملكة. وتُعَدُّ قيمة هذه الصفقة رمزية (إذ تبلغ 3.5 مليارات دولار فقط)[16]، لا سيما بالمقارنة مع الصفقة السعودية الأميركية المبرمة في شهر مايو/أيار من العام الجاري، التي تطلب شراء أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار.[17]

وما زالت بعض شروط صفقة تسليم أنظمة إس-400 الصاروخية مجهولةً، وتحديدًا ما إذا كانت روسيا قد وافقت على صيانة الأنظمة على أيدي خبراء سعوديين، ممَّا يعني نقل التكنولوجيا إلى الجانب السعودي. وستُناقَش هذه التفاصيل في اجتماعات اللجنة الروسية السعودية للتعاون العسكري التقني التي أُنشِئَت بعد الزيارة. ويعتمد تنفيذ هذا المشروع إلى حد كبير على الحوار السياسي بين الدولتين بشأن القضية الإيرانية. أما عن بيع روسيا للمنظومة الصاروخية لتركيا فهي ليست مستعدةً لنقل تكنولوجيتها في المرحلة الحالية.

والحقيقة أنَّ الرياض ليست مهتمَّة بالأسلحة الروسية وبالتأكيد لا تنوي إعادة تسليح جيشها. وإنما القضية بالنسبة للملكة قضيّة سياسيّة: منع بيع الأسلحة الروسية لإيران. بعبارةٍ أخرى، تبحث السعودية عن فرصٍ لإنهاء عقودٍ إيرانية مع روسيا عن طريق شرائها، ما يجعل الصفقات الإيرانية مرفوضةً عند موسكو، على الأقل في الوقت الحاليّ.

والحقيقة أنَّ الرياض ليست مهتمَّة بالأسلحة الروسية وبالتأكيد لا تنوي إعادة تسليح جيشها. وإنما القضية بالنسبة للملكة قضيّة سياسيّة: منع بيع الأسلحة الروسية لإيران

وفي الوقت نفسه، يجب أن يُفهَم أنَّ مواصلة تطوير الاستثمار والتعاون الاقتصادي أو العسكري بين البلدين ما زال محلَّ شكٍّ، وأنَّ احتمالية مواصلة تطوير التعاون تساوي احتمالية إنهائه. ومن نواحٍ عديدة، ستعتمد العلاقة على كيفية تقدّم الحوار بشأن القضايا السياسية التي تهمُّ المملكة العربية السعوديّة.

طفرةٌ في التعاون في مجال الطاقة

الاستثناء الوحيد للتعاون بين البلدين كانَ في الاتفاقات التي توصَّل إليها الطرفان في إطار اتفاقية أوبك+ لخفض معدلات إنتاج النفط وتثبيت أسعار الذهب الأسود. فبعد سلسلة من الاجتماعات بين خالد الفالح، وزير الطاقة السعودي، ونظيره الروسي ألكسندر نوفاك في النصف الأول من العام الجاري 2018، أكَّدت المملكة العربية السعودية دعمها الفكرة الروسية المتمثِّلة في زيادة إنتاج النفط من جانب دول أوبك+ بمقدار 1.5 مليون برميل يوميًّا. وفي الوقت نفسه، اتفق الطرفان على أن تكون الزيادة تدريجيةً وتجريبيةً. وسوف تستمرُّ فقط على مرِّ الربع الثالث من العام الجاري 2018، وبعد ذلك ستقرِّر دول أوبك+ تعديل معدلات الإنتاج إمَّا بزيادتها أو خفضها.

وفضلًا عن ذلك، اتفقت روسيا والمملكة العربية السعودية على أنهما سيدعمان جعل أوبك+ اتفاقيةً دائمةً. وفي الوقت نفسه، لن تُحدَّد حصة إنتاج ثابتة، وسيُحوَّل الهيكل نفسه إلى منتدى يمكن للمشاركين فيه، بموجب قرار مشترك، وضع قيود على الإنتاج بهدف تنظيم السوق إذا اقتضت الحاجة.

وانطلق العمل على تأسيس اتفاقية ثنائية، روسية سعودية، من شأنها إلزام موسكو والرياض بالتعاون من أجل الحفاظ على توازن السوق العالمية للنفط والغاز، وللاستثمار في البنية التحتية لهذا القطاع (داخل الدولتين وخارجهما). جدير بالذكر أنَّ الاتفاقية تضع تركيزًا كبيرًا على التعاون المتبادل في قطاع الغاز تحديدًا لا النفط فقط.

وفي هذه الحالة، سيكون هناك اهتمامٌ كبير بتطوير مشروع “Arctic LNG-2″، الذي تحاول روسيا جذب الاستثمارات السعودية لتطويره. ومن المقرَّر أن يبدأ بناؤه في العام المقبل 2019. ويُتوقَّع إنتاج الدفعة الصناعية الأولى من الغاز المسال منه في الفترة بين عامي 2022 و2023، بطاقةٍ إنتاجية تبلغ 19 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًّا. ويُق