تنزيل الـ PDF

ملخص: سيؤدي انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني، وإعادة فرض العقوبات على إيران في الأشهر القادمة إلى تعقيد التفاعلات الإيرانية-الصينية الاقتصادية والجيوسياسية. في ما يتعلق بالاقتصاد، سيستمر تصدير النفط الإيراني إلى الصين على المدى المتوسط. بالإضافة إلى ذلك، لن يكون لإعادة فرض العقوبات آثاراً على تجارة الصين مع إيران، لأنَّ الشركات صغيرة ومتوسطة الحجم تتولى جزءاً كبيراً من الصادرات الصينية إلى إيران. لكنَّ التداول المالي بين البلدين والاستثمارات الصينية الكبري في إيران ربما تقع تحت ضغطٍ متزايد.

في ما يتعلَّق بالجانب الجيوسياسي، ففي الغالب سيكون تقديم الدعم لإيران ومحاولات تقليص ضغط واشنطن عليها ضمن جدول أعمال بكين، نظراً للتنافس الاستراتيجي المتزايد بين الصين والولايات المتحدة. علاوةً على ذلك، ستواصل الصين استخدام خياراتها مثل الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني، والحفاظ على توازن القوى القائم في الشرق الأوسط والعلاقات مع إيران باعتبارها شريكتها الاستراتيجية، وذلك لأنَّ اضطراب النظام الدولي وتقويض استقرار الشرق الأوسط يتعارض مع المصالح الصينية العالمية. والصين بطبيعة الحال لن تضطلع بدورٍ قيادي في محاولات الحفاظ على الاتفاق النووي، وإن اضطُرَّت لاتخاذ قرارٍ صعب، فإنَّها ستُفضِّل الحفاظ على علاقاتٍ بنَّاءة مع الولايات المتحدة وحماية مصالح الشركات الصينية الكبرى على الخيارات الأخرى.

أثار انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عدداً من التساؤلات حول سلوك إيران الاستراتيجي المستقبلي، ومستقبل النظام الآخذ بالتطور في الشرق الأوسط، والأدوار القيادية التي اضطلعت بها القوى الكبرى في النظام الدولي القائم على القواعد. يرتبط أحد التساؤلات المهمة بآثار خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي على العلاقات الإيرانية-الصينية. فالصين هي الشريك التجاري الأهم لإيران، وإحدى الشركاء السياسيين الرئيسيين لها، والقوة الناشئة الأبرز، وأحد أطراف الاتفاق النووي. وسيكون للانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مجموعة من التأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية على العلاقات الإيرانية-الصينية.

1- الآثار الاقتصادية

كانت الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران في العقد المنصرم. وبلغ حجم التجارة بين البلدين 37.8 مليار دولار عام 2017[1]. وتصبح أهمية موقع الصين في التجارة الخارجية الإيرانية أوضح إذا ما نظرنا إلى حقيقة أنَّ إجمالي التجارة الخارجية الإيرانية في 2017 كان نحو 100 مليار دولار[2]. بعبارة أخرى، كان ثلث إجمالي التجارة الخارجية الإيرانية عام 2017 مع الصين.

ويمثل النفط الخام جزءاً كبيراً من الصادرات الإيرانية إلى الصين. ففي مارس/آذار 2018، صدَّرت إيران 726 ألف برميل من النفط يومياً إلى الصين[3]. علاوةً على ذلك، فإنَّ الجزء الرئيسي من العقوبات التي سيُعاد فرضها على إيران في الأشهر المقبلة سيستهدف صادرات النفط الإيرانية. وسيكون للصين، باعتبارها أهم مشترٍ للنفط الإيراني، دورٌ رئيسي في نجاح إدارة ترمب في جولة العقوبات الجديدة.

وعلى عكس جولة العقوبات السابقة، لا يوجد توافق دولي على تطبيق الجولة الجديدة من العقوبات الأميركية وممارسة الضغط على إيران. وهذا ما جعل وزير الخارجية الإيراني يسافر إلى الصين فوراً بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ويعلن أنَّ المفاوضات التي جرت مع نظيره الصيني بشأن استمرار الالتزامات الواردة ضمن إطار عمل الاتفاق النووي كانت بنَّاءة[4]. الأمر الأكثر أهمية هو أنَّ الاتحاد الأوروبي يعارض حتى الآن العقوبات الأميركية الجديدة، ويحاول تمرير قوانين تهدف لحماية تبادلاته التجارية مع إيران والاستثمارات التي قامت بها الشركات الأوروبية في إيران من العقوبات الأميركية. هذا التحرك من جانب الاتحاد الأوروبي يمكن أن يساعد الصينيين على مقاومة العقوبات الأميركية الجديدة. لذلك، لن يحدث على الأرجح تراجع كبير في الواردات الصينية من النفط الإيراني خلال الجولة الجديدة من العقوبات. ومن المتوقع أن تتراجع صادرات النفط الإيرانية بنحو 250 ألف برميل يومياً بعد إعادة فرض العقوبات[5].

بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي محاولات إدارة ترمب فرض ضغوطٍ على إيران وفنزويلا في الوقت نفسه إلى تقليص إمدادات النفط بدرجة كبيرة في السوق العالمي، وجعل المشترين الآسيويين أكثر ميلاً لمواصلة شراء النفط الإيراني. هناك أيضاً احتمالية أن تشتري الشركات الصينية والروسية النفط الإيراني في الأشهر المقبلة بالعملات المحلية أو المشفرة، وبيعها في السوق العالمي[6]. بل وطُرِحَت حتى فكرة أنَّ خروج الشركات الأوروبية واليابانية من قطاع الطاقة الإيراني بسبب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي سيوفر فرصاً جديدة للشركات الصينية، وقد يؤدي حتى إلى تزايد وجودها في إيران[7].

ومع أنَّه من الصعب التنبؤ بسوق النفط، ومستقبل الاتفاق النووي، وسياسات إدارة ترمب على المدى الطويل، فمن الواضح أنَّ صادرات النفط الإيرانية لن تتغير بصورة كبيرة في المستقبل القريب[8]. والشائعات المتداولة في الأسابيع الأخيرة حول أنَّ إيران طلبت من الصين ضمان استمرارها في شراء النفط الإيراني وأنَّ الصين رفضت هذا الطلب في الغالب ليست دقيقة تماماً[9]. فمن المستبعد حدوث تقلُّص سريع وكبير في واردات الصين من النفط الإيراني، لأنَّ إيران بلدٌ مُصدِّرٌ للنفط إلى الصين منذ أمدٍ طويل وتُعَد شريكتها الاستراتيجية. وغالباً ستكون الصين هي الدولة الأخيرة التي تُقلِّص مشترياتها من النفط الإيراني استجابةً للضغط الأميركي. ففي الجولة السابقة من العقوبات في ظل إدارة أوباما، واصلت الصين شراء النفط من إيران، وقاومت الضغط الأميركي، وظلَّت أكبر مستورد للنفط الإيراني. وفي الجولة الجديدة من العقوبات، قد تزيد الصين حتى من وجودها في سوق الطاقة الإيراني باستخدام وسائل جديدة، خصوصاً عبر وجود الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم التي ليس لها مصالح كبيرة في الولايات المتحدة.

وعامل آخر على الأرجح سيساهم في استمرار صادرات النفط من إيران إلى الصين يتمثل في تدويل اليوان كأحد الأهداف الرئيسية للدبلوماسية الاقتصادية الصينية[10]. وإحدى استراتيجياتها التي تكسب زخماً في الأشهر الأخيرة هي البترويوان (أو اليوانات الناتجة عن شراء النفط[11]. وعلى الأرجح ستكون إيران من بين أولى الدول التي سيصبح فيها البترويوان قيد الاستخدام من خلال صادراتها من النفط إلى الصين. وكانت إيران والسودان في التسعينيات من بين أولى الدول الخاضعة للعقوبات التي بدأت شركات النفط الصينية أنشطتها الدولية فيها.  

والإجراءات المُتخذة من جانب الاتحاد الأوروبي لمساعدة إيران على مواصلة صادراتها النفطية، خصوصاً عبر مواصلة خدمات التأمين لناقلات النفط الإيراني، لن يكون لها تأثيراتٌ عميقة على مستقبل الاتفاق النووي والحفاظ عليه وحسب، بل سيكون لها كذلك تأثيرٌ مباشر على استمرار اهتمام الشركات الصينية باستيراد النفط من إيران. وإلى جانب النفط، فإنَّ العلاقات التجارية الثنائية بين إيران والصين تشمل بالأساس تجارة السلع مع الشركات الصينية صغيرة ومتوسطة الحجم، التي ليست لديها مصالح كبيرة في الولايات المتحدة، ولن تتأثر على الأغلب صلاتها بإيران كثيراً من جرَّاء العقوبات. لكن ربما تواجه المعاملات المصرفية مشكلاتٍ أكبر بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية. ففي الجولة الجديدة من العقوبات، ستتأثر المعاملات المصرفية المستقبلية بين البلدين على الأرجح بقرار الاتحاد الأوروبي مواصلة معاملاته المصرفية مع إيران من عدمه. وبعبارة أخرى، جدية الاتحاد الأوروبي وتصميمه على مواصلة المعاملات المصرفية مع إيران، والوسائل الجديدة التي سيستخدمها في ذلك، يمكن أن تؤثر على قرارات الصين، والعكس صحيح. وفي ظل الظروف الحالية، من الواضح أنَّ الاتحاد الأوروبي يحاول إيجاد سبل لمواصلة معاملاته المصرفية مع إيران. وسيكون أيضاً للحلول التي تُقدَّم لمواصلة تلك المعاملات المصرفية تأثيراتٌ مهمة على العلاقات المصرفية الإيرانية-الصينية.

المسألة الأهم هنا هي التمويل المُقدَّم من شركة CITIC GROUP الصينية الاستثمارية المملوكة للدولة إلى إيران بقيمة 10 مليارات دولار. فقد تُعقِّد جولة العقوبات الجديدة تنفيذ هذا الاتفاق. وربما ستكون الآثار الاقتصادية للانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي على الاستثمارات الصينية في إيران أكبر من الآثار على التجارة الثنائية بين البلدين. يتمثَّل الاستثمار الصيني الأهم في إيران بعد الاتفاق النووي في عقدٍ بقيمة 4.879 مليار دولار لتطوير المرحلة الحادية عشر من حقل غاز بارس الجنوبي، وُقِّع في يوليو/تموز 2017 بين الشركة الوطنية الإيرانية للنفط ومجموعة شركات تتكون من شركة Total الفرنسية، ومؤسسة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، وشركة بتروبارس الإيرانية[12]. في هذا العقد، تمتلك شركات Total ومؤسسة البترول الوطنية الصينية وشركة بتروبارس حصص 50.1%، و30%، و19% بالترتيب. وعلى الفور بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، أعلنت شركة Total أنَّها ستغادر إيران في حال لم تحصل على إعفاءاتٍ من العقوبات. ورداً على هذا الإعلان، صرَّح وزير النفط الإيراني بأنَّ مؤسسة البترول الوطنية الصينية ستحل محل شركة Total في العقد[13]، لكنَّ الشركة الصينية لم يصدر عنها أي رد فعل على تلك التطورات حتى الآن. وللوهلة الأولى، يبدو أنَّ خروج Total من إيران سيفيد مؤسسة البترول الوطنية الصينية. فبموجب شروط العقد، ستشتري مؤسسة البترول الوطنية الصينية حصة Total في المشروع إن انسحبت الشركة الفرنسية من العقد[14]. لكن لأنَّ مؤسسة البترول الوطنية الصينية واحدةٌ من أكبر الشركات الصينية وموجودة في الكثير من الدول الأخرى، فإنَّ العقوبات الأميركية ستُعقِّد استمرار أنشطتها في إيران.

علاوةً على ذلك، قامت الصين أيضاً باستثماراتٍ كبيرة في قطاع السكك الحديدية ومجموعة من الصناعات الأخرى في إيران، وسيواجه التقدُّم في تلك المشروعات تعقيداتٍ بعد إعادة فرض العقوبات. وفي السياق الحالي، فإنَّ أهم المشروعات التي توصلت فيها البلدان إلى اتفاقيات تعاون أولية هي خط سكك حديد طهرن-قُم-أصفهان عالي السرعة، ومشروع كهربة خط سكة حديد طهران-مشهد. ومن المتوقع أن يستثمر الصينيون 4 مليارات دولار في هذين المشروعين[15]. وبطبيعة الحال، ما يزال هذان المشروعان في المراحل الأولى كما هو الحال مع استثمار حقل بارس الجنوبي.

وبعيداً عن التجارة والاستثمار، قد يضر إعادة فرض العقوبات أيضاً بالمشاركة الإيرانية في أهم مشروع اقتصادي صيني، وهو مبادرة الحزام والطريق. إذ أنَّ أحد الممرات البرية المهمة في هذه المبادرة، وهو الممر الاقتصادي الرابط بين الصين-آسيا الوسطى-غرب آسيا، يدخل إيران عبر تركمانستان، ويستمر حتى تركيا والبحر المتوسط وصولاً إلى جنوب أوروبا. وجاء الاتفاق الأوليّ المتعلق بضخ استثماراتٍ صينية لتحسين سرعة خط سكك حديد طهران-أصفهان لنفس هذا الغرض. ومع فرض العقوبات، ستواجه عملية التقدم في هذا الممر مشكلاتٍ مهمة.

بالإضافة إلى ذلك، قد تُوسِّع العقوبات الجديدة المفروضة على إيران وردود فعل إيران عليها من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وأفغانستان ومناطق في آسيا الوسطى. ويُمثِّل استمرار الاستقرار في المناطق الموجودة على طول طريق الحرير الصيني أمراً مهماً لتحقيق التقدُّم في هذا المشروع. ومن ثَمَّ لن تواجه الصين مشكلات جديدة في التفاعلات التجارية مع ثاني أكبر شريك تجاري لها في غرب آسيا وحسب، بل وستزداد كذلك المخاطرة الكامنة في تنفيذ أجزاء من مشروع الحزام والطريق العملاق بعد إعادة فرض العقوبات على إيران.

بالتالي، فإنَّ الإجراءات الاقتصادية الصينية المتعلقة بإعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران لا تتعلق فقط بالعلاقات التجارية مع إيران، بل لها أيضاً أبعاد إقليمية وعالمية مهمة. سيجعل هذا عملية صنع القرار صعبة ومُعقَّدة بالنسبة للصينيين. وربما لن تشعر الشركات الصينية الكبرى بحماس لمواصلة أنشطتها في إيران، كما هو حال نظيراتها الأوروبيات. لكن هناك الآلاف من الشركات الصينية صغيرة ومتوسطة الحجم التي على الأرجح ستحافظ على تعاونها مع إيران.

2- التبعات الجيوسياسية

يتجاوز الاتفاق النووي الإيراني القضايا الاقتصادية، ويُعَد بالأساس اتفاقاً لحل واحدةٍ من أهم الأزمات الأمنية الدولية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فهو لم يساعد بقوة في الحفاظ على نظام حظر الانتشار النووي في واحدةٍ من أكثر المناطق فوضوية في السياسة الدولية وحسب، بل ونزع أيضاً فتيل واحدةٍ من أعقد الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. لكن الآن بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، قد تشتد تلك الأزمة التي جُمِّدَت مؤقتاً من جديد، وتُشكِّل تحدياتٍ كبيرة لنظام حظر الانتشار النووي والاستقرار والأمن في الشرق الأوسط.

وستؤدي زعزعة الاتفاق النووي الإيراني وانهياره المحتمل إلى تغيير التفاعلات الإيرانية-الصينية على مستويين. على المستوى الدولي، من المحتمل أن يكتسب المثلث الاستراتيجي الصيني-الإيراني-الأميركي خصائص جديدة. كانت العلاقات الثنائية بين إيران والصين دوماً علاقاتٍ ثلاثية. ففي مطلع السبعينيات، عقب دبلوماسية البينغ بونغ، شجَّعت الولايات المتحدة التقارب بين إيران والصين. لكنَّها حاولت بعد ثورة 1979 إثناء الصين عن تطوير علاقاتها مع إيران أكثر. تجلَّى هذا الدور طوال الحرب الإيرانية-العراقية وكذلك أثناء الأزمة النووية. وفي التسعينيات، أنهت الصين تعاونها النووي مع إيران تحت ضغطٍ أميركي. وأدَّى الضغط الأميركي في ظل إدارة أوباما أيضاً دوراً مهماً في تصويت الصين لصالح قرارات فرض العقوبات على إيران والحد من التفاعلات الصينية الاقتصادية والتجارية مع إيران.

زأدَّى تطبيق الاتفاق النووي في يناير/كانون الثاني 2016 إلى تخفيف الضغط الأميركي على العلاقات الإيرانية-الصينية. وزار الرئيس الصيني شي جين بينغ إيران على الفور بمجرد توقيع الاتفاق. ووقَّع البلدان أثناء الزيارة 17 اتفاقاً في مجالات مختلفة. وكان هناك حديث عن وضع خارطة طريق لمدة 25 عاماً لتعزيز التعاون بين إيران والصين أكثر، ووصف البلدان علاقتهما بالشراكة الاستراتيجية. لكن في الغالب سيزداد الضغط الأميركي بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق.

غير أنَّ هذا المثلث الاستراتيجي يشهد نقلةً نوعية في ظل الظروف الحالية. فمن ناحية، عادت الولايات المتحدة وإيران بعد فترةٍ قصيرة من الموائمة بينهما إلى موقف المواجهة[16] الذي طغى على علاقاتهما منذ ثورة 1979 في إيران. لكنَّ النقطة الأساسية هنا هي أنَّه ثمة إشارات مهمة على تغيُّر نمط العلاقات الصينية-الأميركية نحو التنافس الاستراتيجي. ويجادل بعض الخبراء بأنَّ خطر وقوع الصين والولايات المتحدة في فخ ثوسيديديس يتزايد[17]. بل ويتحدث بعض الخبراء حتى عن تبنّي الولايات المتحدة استراتيجية احتواء تجاه الصين[18].

ومن المحتمل أن تلوح نُذُر مسألة إيران على الرادار الاستراتيجي للصين إلى جانب التنافس الاستراتيجي المتزايد بين الصين والولايات المتحدة، وستُولي الصين أهميةً أكبر للحفاظ على طهران كشريكٍ استراتيجي في غرب آسيا، وتقوم بمحاولاتٍ أكثر تضافراً لتخفيف الضغط الأميركي الجيوسياسي على إيران. علاوةً على ذلك، فإنَّ الاتفاق النووي الإيراني يُمثِّل رمزاً للنظام الدولي القائم على القواعد الذي حاولت الصين دوماً حمايته[19]. بعبارةٍ أخرى، سيكون الدعم المستمر للاتفاق النووي الإيراني وإيران متماشياً مع مصالح الصين المعيارية.

وعلى المستوى الإقليمي، لدى إيران والصين مصالح مهمة مشتركة باعتبارهما قوتين تعيدان النظر في الوضع الراهن وتغيران استراتيجياتهما، حتى لو كانت هناك اختلافات في أولوياتهما تجاه النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ولا تعتبر الصين أنَّ التغييرات الجذرية في توازن القوى ضد إيران في مصلحتها. لذا، فإنَّ لديها في الغالب نظرة سلبية تجاه محاولات إدارة ترمب لزيادة الضغط على إيران، خصوصاً تجاه أمثال مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون الذين ينادون بتغيير النظام في طهران. علاوةً على ذلك، ومن وجهة نظر معيارية، عرَّفت الصين عدم التدخل في الشؤون الداخلية للحكومات باعتباره أحد أولويات سياستها الخارجية. وكان هذا هو سبب التعاون بين الصين وروسيا في استخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروعات القرارات المُقدَّمة من الغرب بخصوص التدخُّل في الحرب السورية من جانب مجلس الأمن[20].

الخاتمة

مع إعادة فرض العقوبات الأميركية، ستُكثِّف إيران جهودها للحفاظ على علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الصين، وستحاول الصين حماية وتعزيز مصالحها العديدة في وجه الأزمة التي تضرب الاتفاق النووي الإيراني. وفي الغالب ستواصل بكين تفاعلاتها الاقتصادية مع طهران، خصوصاً وارداتها النفطية من إيران، وتواصل كذلك دعمها للاتفاق النووي. وبطبيعة الحال، ستقوم بذلك عن طريق تبنِّي علاقات دبلوماسية غير مثيرة للانتباه ودون إثارة حساسيات واشنطن، و/أو  تعريض الشركات الصينية الكبرى لعقوبات الولايات المتحدة. وستتأثر إجراءات الصين في سياق الانسحا