نبذة: كُتِبَ الكثير في الأعوام الأخيرة بخصوص انسلاخ الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سواء أكان ذلك من تبعات تبدُّل الأولويات الأميركية أم خطوة في طريق أميركا نحو التراجع على الصعيد الدولي. وقد استمرَّت واشنطن عشراتِ الأعوام سمسارَ السلطةِ الرئيس، والقوَّةَ المهيمنة إقليميًّا بلا منازع؛ إذ كانت نقطةً مرجعية للساعين إلى الاطمئنان والدعم اللذين تقدِّمهما لهم الولايات المتحدة، وكذلك بالنسبة إلى غيرهم ممَّن يرون النفوذ الأميركي في المنطقة بمثابة خطرٍ يهدِّد أمنهم وحريَّة تحديد مصيرهم. يفحص هذا المقال المصالح والتحدِّيات والاستراتيجيَّات الأمنية الأميركية في الشرق الأوسط، التقليديَّة منها والراهنة، ويركِّز خاصةً على أنماط التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، التي تحرِّكها بشكلٍ سائد مخاوفُ متعلِّقة بالمكائد وفقدان التوازن السياسي، والتي تصاحبها طموحاتٌ بحيازة نفوذٍ وممارسة سلطةٍ في المنطقة بموارد محدودة. ومن جهة أخرى، يستكشف المقال خيارات السياسة قصيرة ومتوسطة الأمد الماثلة أمام الولايات المتحدة لتخفِّف من وطأة معضلة التحالفات الأميركية السائدة في المنطقة.

مقدمة

أثارت قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPO) المبرمة مع إيران يوم 8 مايو/أيار عام 2018، ونَقْل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس – أثارت تساؤلات حول تضاربٍ في السياسة الأميركية ومقاربة ترمب تجاه الشرق الأوسط، وهو “المكان المضطرب” الذي سعى ترمب مؤخرًا لأن يترك أمره “في أيدي شعوبه” [1]. وبينما كان الدعم السياسي والعسكري لدولة إسرائيل، والاحتواء الإقليمي لإيران محدداتٍ تقليدية للسياسة الخارجية الأميركية منذ عام 1979، فإنَّ أغلب الرؤساء الأميركيين قصدوا إرساء سلامٍ بارد ثنائيِّ الجانب بين إسرائيل وجيرانها من جهة، وبينها وبين إيران وخصومها الجيوسياسيين والأيديولوجيين من جهةٍ أخرى. ومع ذلك، ودون التطرُّق للخصومات الإقليمية في الشرق الأوسط، وفي ظلِّ تصاعد وتيرة الاستقطاب والعسكَرة (التوجُّهات العسكرية) في المنطقة، فإن الخيارات المتاحة لترمب بالانسحاب من المنطقة بشكلٍ مشابه ستبقى محدودةً.

المصالح والاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: موازنة الخارج في مقابل ترك بصمةٍ ثقيلة بالمنطقة

على مدار العقود الأخيرة، تضمَّنت المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خمسَ قضايا عامَّة: تأمين واستمرار إتاحة الوصول لنفط الخليج، ودعم دولة إسرائيل وحمايتها، والدفاع عن الأنظمة العربية الصديقة، والإبقاء على وجود القواعد الأميركية العسكرية في المنطقة، ومقاومة أيَّة متمرِّدين أو جماعاتٍ إرهابية معادية للغرب. [2] وبالرغم من تبنِّيها استراتيجية تعمَد إلى تنويع موارد الطاقة من خلال ما يُعرَف باسم “ثورة الغاز الصخري”، فإن النفط ما زال يمثِّل نحو 20% من واردات الولايات المتحدة، ويظل هُناك حلفاء رئيسيون لأميركا في أوروبا، وشرق آسيا، وفي منطقة الشرق الأوسط ذاتها يعتمدون بشكلٍ مكثَّف على تدفُّق النفط الشرق أوسطي. وفي محاولةٍ للحفاظ على مصالحها كلها في الوقت ذاته، وظَّفت الولايات المتحدة قوتها في عددٍ كبير من التحالفات الثنائية بين الحكومة الأميركية وغيرها، التي تقوم بين أمورٍ أخرى على المعونة الاقتصادية والعسكرية وعلى نقل الأسلحة (شكل 1). [3]

شكل 1

Mag figure1 1

صادرات الأسلحة من الولايات المتحدة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الفترة من عام 2010 إلى 2017

قيم مؤشر الاتجاه (مُقدَّرة بوحدة مليون)

المصدر: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام

تلقَّت إسرائيل، وهي بالتأكيد الأولى على قائمة حلفاء الولايات المتحدة، على مدار السبعين عامًا الأخيرة 115 مليار دولارٍ من المعونات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. وفي المقابل وحتى اللحظة الراهنة، ساعدت هذه الشراكة الولايات المتحدة على احتواء انتشار أسلحة الدمار الشامل في سوريا والعراق، وإلى حدٍ ما في إيران، وعلى احتواء مخاطر كبرى هدَّدت وقتها استقرار جيران إسرائيل العرب مثل الشيوعية، والقومية، والإسلام السياسي. وعندما قيَّدت الحرب مع فييتنام كبرى الموارد الأميركية في سبعينيات القرن الماضي، أُسنِد دورٌ مشابه لدولٍ مثل مصر، وإيران، والسعودية، لتكوِّن جزءًا من سياسة “المحورين التوأمين Twin Pillar” التي أرساها الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون. ومن وجهة نظر صنَّاع السياسة الأميركية، فإنَّه كي يتحوّل مُستوردو الأمن من الولايات المتحدة إلى مصدرينه لها، أصبحت صفقات بيع الأسلحة والمعونة المقدَّمة للحلفاء المحليين شرطًا لا بدَّ منه لتحقيق الاستقرار في المنطقة. [4]

ومن خلال صفقات بيع الأسلحة، تلقَّت الأنظمة ذات الشرعية الديمقراطية الضئيلة – إذا وُجِدَت من الأساس – هيبةً وسلطةً، فيما حظي مصدِّروها بنفوذٍ على عملية صُنع القرار بالسياسة الخارجية والأمنية لتِلك البلاد. [5] فمن جهة، قدَّمت صفقات الأسلحة أداةً ملائمة لتصدير السُلطة واحتواء التحديَّات، وولَّدت لهم مآرب اقتصادية من جهة أخرى. ومع ذلك، تطوَّرت صفقات الأسلحة والعون العسكري المقدَّم خاصةً من جانب الولايات المتحدة بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من المنطقة في السبعينيات وفي غياب أية مورِّدين كبار آخرين، لتُصبِح مصدرًا خارجيًّا رئيسًا للسلطة السياسية المحلية، مساهمةً بذلك في استقرار الأنظمة الاستبدادية، وفي الدور القوي الذي تلعبه القوَّات العسكرية في كثيرٍ من هذه الدول. وكما تبيَّن لواشنطن في تطوُّرٍ مؤلم عام 1979، لم يكن مذهب “المحورين التوأمين” منيعًا ضد الصدمات الداخلية والخارجية، ولَزَم عند سقوطه الإتيان باستراتيجية جديدة: ففي عام 1983، تأسست القيادة المركزية الأميركية (US CENTCOM) لتستوعِب بشكلٍ أفضل الاضطراب الإقليمي الذي سبَّبته الثورة الإيرانية، وبداية الحرب بين إيران والعراق، والحرب الأهلية اللبنانية، والغزو السوفيتي لأفغانستان. وفيما بعد، أُنشِئت أربعُ قواعد للخدمة ومقرٌّ فرعي للقيَّادة الموحَّدة في أربع حكوماتٍ ملكية بالخليج، وتضمَّن ذلك توزيع عددٍ يبلغ في الوقت الراهن 35 ألف عسكري بين هذه المنشآت المختلفة (شكل 2)؛ وهي: القوَّات البحرية الأميركية بالشرق الأوسط بالإضافة إلى قوَّات المارينز الأميركية في البحرين، والقوَّات المسلَّحة الأميركية في الكويت، والقوَّات الجوية الأميركية بالإضافة إلى قيادة العمليات الخاصة للجيش الأميركي في قطر. [6] ومنذ عام 1990، كثَّفت الولايات المتحدة ووسَّعت من بصمتها العسكرية في المنطقة. ومع ذلك، ففي الأعوام التي تلت ذلك، أدَّى هذا النَّهج أيضًا إلى مواقف وجدت فيها الولايات المتحدة نفسها متورِّطة لدرجةٍ عميقة أو حتَّى حبيسة في مساندة أنظمةٍ قمعية لبقائها سياسيًّا، في وجه معارضةٍ محليَّة أو حتى تمرُّد داخلي، خاصةً عندما كان ذلك في خضمِّ صعود تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له.

شكل 2

Mag Figure2 1

أماكن تركُّز القوات الأميركية في الشرق الأوسط

عددٌ تقريبي للقوات الأميركي المتركزة في بعض دول الشرق الأوسط*

*منذ أواخر عام 2015 (الرقم الخاص بالعراق يُشير إلى عدد القوات منذ أكتوبر/تشرين الأول من عام 2016)

يتركَّز الجناح الجوي الاستكشافي الأميركي رقم 379 في المملكة العربية السعودية – الأرقام الدقيقة لعدد الأفراد غير متوفرة

المصادر: وزارة الدفاع الأميركية، ومؤشر القوة العسكرية الأميركية في عام 2017، وتقارير إخبارية

المصدر: شركة Statista

الاحتواء المزدوج صار من الماضي وإحدى المعضلات الأمنية تخرج عن السيطرة

أدَّى كلٌّ من إسقاط صدام حسين في العراق، واللامبالاة الأميركية تجاه خلع حسني مبارك، من قِبل رئيسٍ أميركي فضَّل ألَّا يكون “على الجهة الملعونة من التاريخ” إن عمل على بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه – أدَّى إلى ارتباكٍ متزايد وخوفٍ بين حلفاء واشنطن، الذين يعتقدون الآن أنَّ ضامِنَ بقائِهم الرئيس كان مستعدًّا للتخلِّي عنهم عند الضرورة واستبدال شركاء جدد بهم، مثل إيران أو الإخوان المسلمين. [7] في السياق ذاته، وعلى خلفية استقطابٍ سياسي تشهده المنطقة، فاقم من انعدامِ الثقة نهايةُ سياسة الاحتواء المزدوج الأميركية، والاستراتيجية التي تبنَّتها واشنطن لتلافي خطر الانتشار النووي من خلال محاولة التوصُّل إلى اتفاقية مع إيران. أما بالنسبة إلى خصوم إيران الإقليميين، فهؤلاء هم الذين في حالة تأهُّبٍ قصوى إزاء مخزون الأسلحة التقليدية في حوزة طهران، ونفوذها المتزايد في المنطقة من خلال وكلاء على امتداد “الهلال الشيعي” بدايةً من إيران وحتى غزة مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان، وقد جعل هذا التبدُّل في السياسة الأميركية عدم التطابق بين رؤية واشنطن ورؤيتهم للخطر الإيراني واضحًا. وفي الوقت ذاته، ازداد قلق الجانب الإيراني في سياق الانتفاضات العربية المندلعة عام 2011؛ إذ لم تخشَ طهران سقوط الأنظمة الحليفة لها فحسب، بل أيضًا حدوث تداعٍ تسلسلي (مثل أثر الدومينو) يهدِّد النظام داخل حدود إيران نفسها. ومع ذلك، كما فعل خصومها الإقليميون، رأت إيران في تجزُّء السلطة في سوريا، والعراق، ومصر، واليمن وغيرها فرصةً لتغيير شكل الأوضاع على أرض الشرق الأوسط من خلال سياساتٍ تستعين بوكلاء إقليميين. [8] وفي بدايات عام 2006، اندلع توترٌ متبادل عندما أدَّى إعدام  رجل الدين الشيعي نمر النمر في السعودية إلى تعرُّض سفارة المملكة في طهران للنَّهْب. [9] وفي يونيو/حزيران عام 2017، امتدَّ النزاع قاصدًا مجلس التعاون الخليجي، ما أدَّى إلى مقاطعة قطر وحصارها جويًّا وبحريًّا وبريًّا، مما جعلها – بشكلٍ يرجع جزئيًّا لعُزلتها في مجلس التعاون الخليجي – في قربٍ متزايد من إيران منذ ذاك. [10] وكذلك أطلَّ الاستقطاب الإقليمي على مستوى اجتماعي: فقد بيَّن استطلاعٌ أُجرِيَ في ربيع عام 2017 في عدَّة دولٍ عربية أنَّه في لبنان – على سبيل المثال – كان لدى 75% من السنَّة الموجَّهة لهم الأسئلة آراءٌ إيجابية تجاه السعودية، لكنَّ 10% فقط في المقابل من الشيعة شاركوهم تلك الآراء. [11] وبدورهم، عبَّر 93% من الشيعة عن نظرةٍ إيجابية تجاه إيران، ما وافقهم بِه 16% فقط من السنَّة. وفي الأردن، كان لدى 83% من الناس المشاركين في الاستطلاع آراء إيجابية تجاه السعودية في مقابل 4% فقط لهم آراء كانت في صالح إيران.

يمكن كذلك ملاحظة هذه المعضلة الأمنية التي تزداد سوءًا على الصعيد العسكري: لعشرات الأعوام، كوَّن الشرق الأوسط مثالًا رئيسًا للمعضلة الأمنية متعدِّدة الأسباب التي تُفضي إلى العسكرة والنزاع في المنطقة. فقد فشلت الدول والمؤسسات الإقليمية الضعيفة في حلِّ نزاعاتٍ جليَّة دائرة على صعيد داخل الدولة وخارجها على حدٍّ سواء، ما ورَّط النُخبة السياسية والمجتمعات في نزاعاتٍ مستوطنة وأحيانًا حروبٍ صريحة. ومرارًا، فُقِدَ الاستقرار في المنطقة بفعل أنظمةٍ ضعيفة أو قمعيَّة كافحت لتلبية المطالب الاجتماعية الاقتصادية والسياسية المحوَرية التي تنادي بها شعوبها. ومن بين 420 مليون شخص يعيشون في 21 دولةٍ تشكِّل معًا الشرق الأوسط، يحظى 5% فقط من هؤلاء بحقوقٍ سياسية وحريات مدنية، وسط غيابٍ كليٍّ لحرية الإعلام في الشرق الأوسط. وعلى نحوٍ تقليدي، غيَّر هذا القلق المحلِّي والخطر الدائم بإسقاط النظام من موازين السلطة في المنطقة لصالح الأجهزة العسكرية والأمنية. كذلك ساهم في ذلك التطوُّر توطُّن النزاعات السياسية بين الدول، وأبرزها ذلك النزاع الدائر بين إسرائيل وجيرانها العرب ومعهم إيران من جهة، وبين إيران ما بعد ثورة عام 1979 وأنظمة الحكم الملكية في الخليج من جهةٍ أخرى؛ ما خلق حاجةً لبناء قواتٍ عسكرية محترفة بسرعةٍ نسبية لدى تلك الدول. إنَّ السمة الثالثة للأمن (أو انعدامه بالأحرى) والعسكرة في المنطقة، هي ضعفها في مواجهة التدخل الخارجي: ففي عام 2017، دار 11 نزاعًا سياسيًّا شديد العنف أو حتى أشبه بحربٍ في داخل أو بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولم يمر بالكاد أيٌّ منها دون تدخلٍ مباشر أو غير مباشر من جانب قوى مجاورة، أو إقليمية، أو من خارج المنطقة. [12] وما زال المتمرِّدون المقاتلون في سوريا واليمن يجدون ملاذاتٍ آمنة، ودعمًا سياسيًّا وعسكريًّا من خارج منطقة النزاع الأصلية، وقد دَعَت الحكومات الواقعة تحت ضغطٍ داخليٍّ في العراق وسوريا واليمن والبحرين، القوى الإقليمية والعالمية للتدخُّل العسكريِّ دفاعًا عن الوضع الراهن فيها. وكان أحد نتاجات هذا التطوُّر أنَّ الشرق الأوسط اليوم هو من أكثر مناطق العالم خضوعًا للقوة العسكرية؛ إذ يوجَد به الآن سبع دولٍ بين الدول العشر الأكثر إنفاقًا على جيوشها، وتتحمَّل أثقل عبءٍ عسكري (إذ يحظى بنسبة 5.2% من ناتجها المحلي الإجمالي) في العالم (شكل 3). [13] وفي عام 2017 وحده، رفعت كبرى الدول المنفِقة على الجيش في المنطقة (وهي: السعودية، والعراق، وإيران) في تطوُّرٍ سريع من إنفاقهم العسكري بنسبة 9.2%، و22%، و19% بالترتيب. [14] ووفقًا لمعطيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإنَّ واردات الأسلحة إلى الشرق الأوسط قد تضاعفت على مدار الأعوام العشرة الأخيرة، ومثَّلت ثلث مجمل واردات الأسلحة في العالم منذ عام 2013. [15]

شكل 3

Mag Figure3 1

نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 (%)

المصدر: معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي

المصالح الأميركية في خطر

إنَّ الخطر الذي يتهدَّد المصالح الأميركية والناشئ من هذه التطوُّرات، لهو خطرٌ حقيقيٌّ: فمن المحتمل أن تؤثِّر أية مواجهةٍ بين السعودية وإيران في مضيق هرمز، وقد أعلنت إيران قيام تعزيزٍ عسكري رئيس بقوَّاتها البحرية، وهدَّد حلفاؤها من الحوثيين باستهداف منشآت النفط السعودي من اليمن. وزادت قُدرة إيران المتزايدة التي تمكِّنها من ممارسة سلطةٍ سياسية وعسكرية مباشرة على حدود إيران الشمالية مع سوريا ولبنان من خطر نشوب مواجهةٍ تفوق المناوشات الراهنة المحدودة شمالي سوريا خطورةً. وتراجَعت عدَّة أنظمةٍ عربية عن مستوى الالتزام الذي قدَّمته مسبقًا للجهود التي تقودها الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو اتَّجهت لحلفاء بديلين من خارج المنطقة ليقَوُّوا موقفهم في مواجهة الأخطار المحلية والإقليمية، وكذلك لتكون لهم أفضليةٌ للتفاوض في تحالفهم مع واشنطن. [16] وقد أثار التقارب الملاحَظ مؤخرًا نحو روسيا، خاصةً من قبل تركيا ومصر والسعودية، مخاوفَ أحاطت بأمن القوَّات الأميركية في المنطقة على المدى القريب، وبـ”ودِّية” هذه الدول في وجه المصالح الأميركية على المدى البعيد. [17] وفي النهاية، وفقًا للسفير الأميركي السابق جيمس جيفري، فإنَّه إذا ما فشلت الولايات المتحدة في احتواء الآلية الدائرة حاليًا في الشرق الأوسط، “ستتقبَّل الشعوب السُّنية جماعاتٍ مثل داعش والقاعدة في سبيل حماية نفسها”. [18]

كيف يجدُر أن يكون الردُّ الأميركي على هذا؟ عندما سُئِل أوباما عن الأمر في عام 2016، رفض فكرة تبنِّي استراتيجية تهدف لتغيير النظام الحاكم في إيران، وأوصى بدلًا من ذلك باتِّباع استراتيجية موازنة خارجية تُرسي “سلامًا