ملخَّص:

تسعى الديمقراطية التونسية الهشَّة إلى شقِّ طريقها في خضمِّ إقليمٍ مليء بالاضطرابات والحروب الأهلية، ولقد كان لمسألة التوافق التاريخي – الذي اشتهر لاحقًا بمسمَّى “توافق الشيخين” – بين السيدين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي في لقائهما التاريخي في باريس يوم 13 آب/أغسطس 2013، الأثر المفصلي في تواصل المسار الديمقراطي، ووصول تونس إلى حالة الاستقرار النسبي الذي تتمتَّع به حاليًا. وعليه، فإنه من المهمِّ متابعة مصير الانتقال الديمقراطي التونسي ما بعد موت أحد ركني التوافق، وكيف أثَّر ذلك في خيارات حركة النهضة واستراتيجياتها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة.

مقدمة:

تعيش تونس منذ ثورة محمد البوعزيزي في ديسمبر/كانون الثاني 2010 تقدمًا ملحوظًا نحو الدمقرطة والحريات؛ ولكن مع كثير من التعثُّر، مع وجود عوامل عديدة للجذب إلى الوراء، وأهمها بقايا العهد السابق وتضارب مصالح الدولة العميقة مع مكتسبات ما يُسمَّى بثورة الياسمين، إضافة إلى انخفاض مؤشرات التنمية وازدياد دراماتيكي للبطالة والهجرة غير الشرعية وإضرابات القطاع العام المتواترة التي شلَّت في سنوات 2012 إلى 2014 قطاعات إنتاجٍ بأكملها. وبالرغم من كل ذلك، فإن معظم التونسيين يفخرون بما حقَّقوه من تنامي منسوب الحريات إلى حدِّ الآن.

ومن ضمن هذه المكتسبات المترنِّحة تحت الضغط الهائل لما يدرج التونسيون على تسميته بالثورة المضادة: تداول السلطة وتنظيم أول انتخاباتٍ ديمقراطية حرة في تاريخ البلد، التي نُظمت في أكتوبر 2011، وهو ما ترسخ مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 2014 وأول انتخابات بلدية – حكم محلي – عام 2018، ثم الانتقال السلمي للسلطة عام 2013 عندما قرَّر حزب النهضة التخلي طوعًا عن السلطة لصالح حكومة تكنوقراط إلى حين تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية عامَّة سنة 2014، وبالتوازي مع ذلك إصدار أول دستور ديمقراطي في يناير/كانون أول 2014. بَيْد  أن آخر تطورات الديمقراطية التونسية الوليدة وأبرزها هو الانتقال السلس للسلطة عندما توفي الرئيس السابق الباجي قائد السبسي.

فقد كان للتوافق التاريخي بين السيدين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي في لقائهما التاريخي (السري) في باريس يوم 13 آب/أغسطس 2013، والذي اشتهر لاحقًا بمسمَّى “توافق الشيخين في باريس” – الأثر المفصلي في وصول تونس إلى ما هي عليه الآن. ولا يكاد يشكُّ أحدٌ في أن ذلك اليوم كان مفصليًّا بامتيازٍ في تاريخ تونس ما بعد الثورة، بالرغم من اللغط الشديد والانتقادات العنيفة أحيانًا من أنصار السبسي متهمة إياه بالتحالف مع الإسلاميين الأعداء التاريخيين للتجمع وحزب الدستور من وجهة نظرهم، والانتقادات الأعنف من قواعد الإسلاميين لزعيمهم الغنوشي الذي أغرق المشروع الإسلامي – برأيهم – من خلال هذا التحالف أو التكتيك مع نداء تونس والباجي قائد السبسي تحديدًا.

وعليه، فإن السؤال الجوهري لهذه الورقة هو: ما هو مصير الانتقال الديمقراطي التونسي ما بعد موت أحد ركني التوافق، وقائد أكبر تنظيمين سياسيين فاعلين في تونس ما بعد سنة 2011؟ وما هو دور النهضة المنظور في إتمام مسار تونس الديمقراطي ما بعد رحيل السبسي؟