ملخَّص: لقد تسبَّبت الاحتجاجات في العراق ولبنان، التي اندلعت في النصف الثاني من عام 2019، في خلق تحدٍّ للمصالح الإيرانية؛ نظرًا لسعيها لتغيير الأنظمة السياسية التي تدعمها طهران. وكما كان الحال في الانتفاضات العربية في عام 2011 واحتجاجات الأنبار في عام 2013، تنظر طهران إلى الاحتجاجات الحالية من خلال منظور جيوسياسي. لقد أدت الازدواجية الهيكلية للمؤسسة الإيرانية ونهجها الأمني والنتائج العكسية لتدخلها في سوريا إلى خلق ردٍّ رسميٍّ إيرانيٍّ غامض نسبيًّا على الاحتجاجات: فقد أيدت بحذرٍ دعوات التغيير السياسي، لكنها أكَّدت كذلك على دور التدخل الأجنبي في تأجيج العنف. يسعى هذا الموجز لتحليل الردود الرسمية الإيرانية المختلفة على الاحتجاجات اللبنانية والعراقية، وتوضيح كيف تنظر طهران إليها من وجهة نظرٍ جيوسياسية، وهو ما يُسلِّط الضوءَ على استراتيجياتها الردعية.

مقدمة

لقد اتسم ردُّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الاحتجاجات الكبيرة في العراق ولبنان في عام 2019 بدرجةٍ من الغموض، حيث أبدت مواقفَ تتسم بالتأييد المتحفِّظ والريبة البالغة (وحتى العداء). ولا يمثِّل هذا النهج سمةً جديدةً للسياسة الخارجية تجاه التغيير السياسي في جوارها العربي، والتي أصبحت أكثر وضوحًا منذ اندلاع الانتفاضات العربية في عام 2011. يشكِّل هذا الغموض متغيرين:

أولًا: حالة الأزمة الدائمة التي عانت منها الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ نشأتها، مما يخلق شعورًا بالتهديد من أيِّ تغيير سياسيٍّ في أيِّ منطقة تتمتَّع بالنفوذ فيها. ويزداد مستوى تصوُّر هذا التهديد إذا كان التغيير يتعلَّق بالمناطق التي ترى أن نفوذها فيها حاسمٌ لبقائها، أي ما يُعرف بـ “استراتيجية الدفاع الأمامي”[1].

ثانيًا: تخلق طبيعة النظام – أي ازدواجيته الهيكلية – أكثر من خطابٍ للسياسة الخارجية، بفضل تعدُّد الجهات الفاعلة في النظام بمباركة القيادة العليا. الأمر المهمُّ هو أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية – بوصفها دولةً فاعلة تتصرف بشكل عمليٍّ – تغيِّر تقييماتها للأحداث بما يتماشى مع ما تراها متغيراتٍ جديدة مهمَّة، وبالتالي تُغيِّر ردودها وفقًا لذلك.