الخلاصة: ما هي الاسباب الجذرية للاحتجاجات الحالية في العراق؟
وما آثار هذه الاحتجاجات على العلاقات بين الدولة والمجتمع؟ وما الذي يمكن عمله؟
إن ما يجري الآن في العراق يعكس أزمة حكم عميقة في البلاد،  نتجت تلكم الأزمة عن التقاسم العرقي والطائفي للسلطة، وعن الاقتصاد المعتمد على النفط، بالإضافة إلى قوات الأمن المفككة إلى حد كبير.

المقدمة

على الرغم من كثرة القيود المفروضة على المشاركة الشعبية إلا أن التعبئة المجتمعية في العراق قد شكلت ظاهرة مهمة منذ تغيير النظام في عام 2003، لكنها في الوقت ذاته لم تُدرس الدراسة الكافية. إذ تمثل الاحتجاجات والمظاهرات في العراق تحديات خطيرة، كان لها تأثير كبير على المشهد السياسي القائم خاصة منذ عام 2011.

اشتعلت هذه الاحتجاجات على خلفية اختلال النظامين السياسي والاقتصادي بالإضافة إلى التفكك الشديد لقوات الأمن. وقد بدأت الاحتجاجات منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول واستمرت في بغداد وغيرها من المحافظات ذات الأغلبية الشيعية في وسط وجنوب العراق رافعةً مجموعة كبيرة من المطالب تتضمن وضع حد للفساد، وتحقيق ظروف معيشية أفضل، واستقلال العراق عن القوى الإقليمية (خاصة إيران)، والقوى الدولية (خاصة الولايات المتحدة)، والأهم من ذلك وضع نهاية لكامل النظام السياسي القائم في العراق منذ عام 2003.

ومنذ بداية الاحتجاجات سقط ما يزيد على 460 قتيلاً وما يزيد على 20 ألف مصابٍ1 على يد مجموعات الحشد الشعبي المسلحة وقوات الأمن العراقية، ومن المتوقع أن تزداد أعمال العنف وأعداد الضحايا، وعلى الرغم من أن المطالب ليست ذات طابع طائفي إلا أن معظم الاحتجاجات تقع في بغداد والمحافظات الشيعية، ومع أن المشاكل نفسها تؤثر على جميع المناطق العراقية إلا أن التعبئة الاجتماعية تأثرت بدرجة كبيرة بالظروف المحلية التي تمثل بدورها جزءاً من نظام الحكم الذي تساهم فيه السياسات العرقية والطائفية (المحاصصة الطائفية)2.

علاوة على ذلك وعلى عكس الموجات السابقة من الحركات الاحتجاجية في العراق -مثل احتجاجات فبراير 2011 في كردستان العراق، ومخيمات الاحتجاج السنية ضد التهميش في 2012-2013، واحتجاجات 2015-2016 للمطالبة بالإصلاح، واحتجاجات 2018 في البصرة- على عكس الموجات السابقة اتسمت الاحتجاجات الحالية بالإرادة الشعبية القوية والإيمان بالقدرة على التغيير، واتسمت كذلك برد الفعل العنيف والوحشي من جانب السلطات العراقية وعدم وجود أي حزب سياسي يقف بمفرده خلف الاحتجاجات. بالإضافة إلى ذلك وُصفت الحركة الاحتجاجية الحالية بأنها “انتفاضة” و “ثورة” من قِبَل المتظاهرين على عكس الحركات السابقة، مما يشكل تحدياً للشرعية السياسية والعلاقات بين الدولة والمجتمع. ونتيجة لذلك بدأت أجزاء من المجتمع العراقي لأول مرة منذ عام 2003 في وصف السلطات العراقية بكلمة “النظام”، وهي كلمة ذات دلالات واضحة لشعوب المنطقة، وتعني سلطة لا تحظى بدعم شعبي أو شرعية. مع هذا -على عكس احتجاجات الربيع العربي عام 2011- لم تطالب الاحتجاجات العراقية مباشرة بإنهاء النظام، وإنما طالبت أكثر بإنقاذ البلاد (الوطن) من القوى الخارجية والزعماء المحليين الفاسدين.