قبيل منتصف ليل العاشر من يناير، رفض مجلس النواب التونسي إجازة حكومة الكفاءات المستقلة التي عرضها رئيسها المزكى من قبل حركة النهضة المهندس الحبيب الجملي، وهذا حدث غير مسبوق في التاريخ السياسي التونسي. فلم يكن للبرلمان شأن بالحكومات قبل الثورة، أما ما بعدها فقد حظيت كل الحكومات بالتزكية وعادة بنسبة تتراوح ما بين 140 و180 صوتا من مجمل أصوات المجلس ال217.

إن نظرنا لنصف الكاس الملآنة فيمكننا اعتبار أن ما حدث مؤشر على ترسخ الديموقراطية التونسية وعمل مؤسساتها، وعلى نباهة المشرعين الذين ضمنوا في دستور الجمهورية الثانية (يناير 2014) مشاهد بديلة تحسبًا لحالات الانسداد.

أما إن نظرنا للنصف الفارغة، فلا يمكن أن نتهرب من وصف ما حدث بأنه فشل لحركة النهضة ورئيس حكومتها المكلف أولا، وربما لغيرهما أيضا.

يحاول هذا المقال تقديم قراءة في مسار تشكيل الحكومة و محاولة لفهم ما حصل، كما يسعى إلى استشراف السيناريوهات التي من المتوقع أن تحدث

1- المسار

لقد  كانت الانتخابات ثورة أداتها الصندوق، ودلالتها الرئيسية التلهف للتغيير والتوق إلى تجديد الوجوه والمنهجيات وطرق التفكير و الخطاب، وكانت تعبيرا عن عودة الامل ومراهنة أخيرة  على  الساسة لتحقيق تعهداتهم.

لقد شهدت البلاد خلال الأسابيع الأولى بعد انتخاب قيس سعيد انخراطا واسعا من المواطنين في مبادرات  تذكر بتلك الروح الصوفية في الأشهر  الاولى للثورة سنة 2011، حينما يذوب الفرد في المجموعة، ويكتشف المجتمع موارد قوته الكامنة، وهكذا منح الناخبون  السياسيين فرصة جديدة لإثبات جدارتهم وتحمل مسؤوليتهم.

لكن الانتخابات عبرت عن حجم غير مسبوق من الحيرة وعدم الثقة، فأفرزت فسيفساء دون عمود فقري، وبمكونات تشقها اختلافات أيديولوجية وثارات تاريخية.

ومع ذلك فلم يكن الوصول إلى هندسة سياسية معقولة مستحيلا، و كانت الحلول ممكنة من أجل فتح الافاق ودفع الاقتصاد وتقليص الفجوات واعتماد قواعد الحوكمة الرشيدة ومحاربة الفساد والهدر عبر ساسة لا يتنصلون من مسؤولياتهم.

لقد سئم الناخبون من ساسة يتوارون من مسؤولياتهم خلف حكومات يتوزع دمها بين القبائل، فلا يتحمل تبعة  أدائها أحد، في حين أن الانتخابات والسياسة تعاقد يستوجب الايفاء و المحاسبة.

لقد كانت الخيارات المتاحة لهندسة المشهد الجديد كثيرة ولكن أكثرها وجاهة خياران يجسمان بطريقتين مختلفتين الاقتراب من بديهيات العمل السياسي، أي رؤية كبار المسؤولين السياسيين في الحكم.

كان الخيار الأفضل أن تترشح  النهضة لرئاسة الحكومة، الموقع الاساسي للسلطة في البلاد ، وأن تقدم لذلك شخصية قيادية وازنة، والأجدر ان يكون رئيسها، لتجنب كل أشكال الازدواجية الممكنة التي حصلت سابقا مع حكومتي المهندسين حمادي الجبالي وعلي العريض في فترة الترويكا مع تعايش قلق بين سلطة الحكومة وسلطة التنظيم وما ينجر عن ذلك من مشكلات طبيعية، ثم بناء تحالف سياسي يضم وجوها قيادية من الأحزاب القابلة للتحالف على أساس برنامج حكم مشترك حول محاور واضحة.

أما الخيار الثاني، فكان أن يكون رئيس النهضة في رئاسة البرلمان، وتتولى شخصية مستقلة سياسية أو اقتصادية مسيسة،  تختارها النهضة وتقترحها على بقية الكتل والأحزاب لتشكيل حكومة سياسية ذات قاعدة واسعة.

هذان الخياران كان من شأنهما التسريع في تشكيل الحكومة وضمان قوتها واستقرارها وقدرتها على الانجاز السريع.

ما يجمع بين الخيارين في الفلسفة هو أن تكون النهضة في واجهة السلطة للاقتراب من الوضع الطبيعي في باقي الديموقراطيات، والاقتصار على رئاسة واحدة مراعاة لعدة اعتبارات منها أن تونس لم تخرج بعد من مربع الديموقراطية الانتقالية، وأن المشهد المفتت لا يعطي شرعية كافية، وأن التحديات القادمة تتطلب شراكة سياسية واجتماعية  واسعة.

غير أن الأمور تدحرجت بعد ثلاثة اشهر من السجالات و التجاذبات، وأدت إلى فشل جهود مضنية لتشكيل حكومة سياسية قريبة من المزاج الغالب في الانتخابات، ثم إلى فشل مبادرة رئيس الحكومة المكلف باقتراح حكومة كفاءات وطنية مستقلة، وفشل  الحزب الذي كلفه والذي قبل بهذه الوصفة واشتغل من داخلها وذلك بعدم قدرته على توفير حزام سياسي لها بما أدى إلى سقوطها بحاصل أصوات يقل عن ثلث النواب.

وصفة الحكومة المستقلة تعتبر إفراغا للعمليتين  السياسية والانتخابية من معناهما وهي إعلان فشل لمجمل الطبقة السياسية وعلى رأسها الفريق الفائز، كما أن نتيجة التصويت هي إعلان فشل لرئيس الحكومة المكلف ولحركة النهضة.

إن المرور إلى صيغة حكومة الشخصية الأقدر هي ولا شك صيغة دستورية، ولكنها تعني أن الحزب الفائز والأحزاب المفروض أن تتوافق معه فشلت في اقتناص فرصة وتثبيت جديتها ومسؤوليتها.

2- محاولة الفهم

لا يمكن فهم ما حصل ولا التكمن من تحديد المسؤوليات دون الرجوع إلى عدد من العوامل المتعلقة بالثقافة السياسية، وبالخصائص البنيوية للمشهد الحزبي، وبالإطار التشريعي المنظم للعملية الانتخابية، وبمسار ومنهجية ادارة التفاوض.

أولا: تخلف  القانون الانتخابي، فالمشهد البرلماني الحالي هو وليد لقانون انتخابي صيغ بخلفية توسيع التمثيل ومنع حصول أغلبية وازنة خشية العودة إلى مربع الاستبداد وخوفا من تغول حركة النهضة التي كانت الحزب الأكثر امتدادا واستعدادا حينها. ورغم ظهور نواقص هذا القانون لاحقا، فقد غابت الإرادة لتغييره بسبب استفادة غالب أعضاء الهيئات التشريعية منه(للتمثيل 53فقط من نواب البرلماني الحالي من اجمالي 217 وصلوا إلى موقعهم بالحاصل الانتخابي فيما وصل كل الباقين بأكبر البقايا)، وبسبب ترجيح قوى أخرى، استمرت الحاجة إلى توسيع التمثيل أكثر من الحاجة إلى إفراز أغلبيات تعين على الإنجاز واتخاذ القرار. وقد اثارت محاولة تعديل القانون في يونيو الماضي الكثير من الجدل لتزامنها مع دخول المناخ الانتخابي ولشبهة صياغتها على المقاس للتخلص من منافسين بعينهم .

ثانيا: تخلف المشهد الحزبي برمته عن اللحظة الثورية والديموقراطية بسبب ضعف روح الاجتهاد والتجديد والجراة عند مكوناته، و بسبب عدم إيلاء ما يكفي من أهمية للعناية به من المجموعة الوطنية. فالأحزاب ليست مجرد كيانات تعاقدية تعني منخرطيها فقط، إنها قبل ذلك كيانات تعنى بالمصلحة عامة ولذلك وجبت العناية بها لضمان عملية سياسية سليمة وناجعة من خلال اطار تشريعي يحفز على التجميع، ويرسي مرصدا لمراقبة احترام القوانين الداخلية والمرتبطة بالعملية الديموقراطية، وينظم سياسات التمويل العمومي وفقا لمعايير شفافة وموضوعية لتشجيع سياسات التأهيل والتدريب والتأطير  والعناية بالكادر البشري المناسب للمهام الحزبية و السياسية، وذلك لقطع الطريق أمام أحزاب الواجهات، وأمام التمويل الأجنبي، ورأس المال الفاسد والمقاولات السياسية.

 ولقد أبرزت التجربة أن التشريع من العناصر شديدة التأثير في تطوير الاوضاع وبناء واقع جديد.

ثالثا: استمرار عقلية التنافي بسبب اختلافات أيديولوجية وثارات تاريخية لم ينجح مسار العدالة الانتقالية في معالجتها وتجاوزها.

رابعا: تدني منسوب الثقة والعجز عن تجاوز مناخات الريبة، فلقد ترسخ مناخ عدم الثقة بين الاحزاب نتيجة تراث كامل من الممارسة السياسية التي تعتمد التذاكي و التحايل، ولقد استمر هذا النوع من الممارسة أثناء المفاوضات، إذ أعلنت بعض الاحزاب  منذ ظهور المؤشرات الأولى للنتائج  تموقعها في  المعارضة، كما  اختارت اخرى صيغة “حكومة الرئيس” لإدارة المرحلة، كما أن الحزب الفائز  قد أخطأ حينما فصل مساري المفاوضات حول التشكيل الحكومي ورئاسة البرلمان.

إن إدارة المفاوضات في الأوضاع الديموقراطية، وفي مجتمع متعلم، و في عالم  انتشار العولمة  تخضع إلى فلسفة مغايرة لما كان يحصل في أوضاع السرية أو التحكم في المعلومة. إن أحسن الصيغ لبناء الشراكات المستقرة التي تعيد  بناء الثقة هي صيغة الحزمة التي تؤدي إلى صفقات يكون الجميع فيها كاسبا. وفي مشهد مثل مشهد البرلمان التونسي لا يمكن أبدا ضمان استقرار الشراكات المختلة أو المنتزعة بالابتزاز.

وبدلا من أن يساهم تقدم التفاوض في كسر الجليد والتقليص من الريبة فإنه قد فاقمها بتعدد مداخل التفاوض وانفلاتها، وبتواتر الحديث حول الاشتغال على مسارات تحالف متناقضة من حيث طبيعتها من هذا الطرف وذاك.

لقد مثلت مبادرة الأستاذين الحبيب بوعجيلة وجوهر بن مبارك لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الديموقراطية الاجتماعية الراغبة في التغيير نقطة مضيئة تدل على تقدم الديموقراطية  التونسية وتنوع آلياتها ولكنها لم تكن قادرة على إزالة جبال من الريبة وسوء الفهم.

فلم يصل المشهد إلى ثقافة جديدة تتجاوز التحايل كما تتجاوز الابتزاز، ولم يفهم العقل السياسي شيئا من رسائل الانتخابات وبقي سجين الثقافة التي ثارت ضدها الصناديق.

خامسا: تخلف الثقافة السياسية

لئن  أتاحت الثورة نشوء فضاء سياسي للتنافس والتداول على الحكم، إلا أن ذلك لم يترافق مع توفير مستلزمات هذا الفضاء ومن ضمنها  تبلور ثقافة سياسية قوامها الاعتراف بنتائج التنافس والبناء عليها، والتمييز بين التعامل بمنطق إدارة المعارك أثناء الانتخابات وإمكانية البحث عن المشتركات بعدها، ومن ضمنها  تبلور أخلاق سياسية قوامها التسامح الجمهوري والتعاقد الشفاف. يخطئ من يظن أن السياسة هي حرب الكل ضد الكل يجوز فيها استعمال كل الوسائل والأسلحة، بل إن السياسة  باعتبارها مجالا  منظما لها تمتلك هي أيضا  أخلاقها وأعرافها وقواعدها.

يمكن الإقرار بكل أسف أن ذاكرة النخبة  السياسية التونسية ضعيفة ولا تستفيد من التراكم، فقد  كانت تجربة الحوار الوطني سنة 2013 درسا نموذجيا في كيفيات التخلص من الشحنات النفسية أو احتوائها للوصول إلى المشترك  العقلاني في صفقة ترضي الجميع وخاصة تفيد البلاد.

كما كان من الممكن الاستفادة من تجربة إدارة مرحلة ما بعد انتخابات 2014 رغم أن الخيارات حينها كانت أوسع.

لقد تطبعت حركة النهضة  بطريقة في التعامل معها باعتبارها “حالة خاصة” (للإشارة كان يطلق على الإسلاميين في سجون بن علي صفة مساجين الصبغة الخاصة)، بل لقد تأقلمت مع “البدع” داخلها، وقد تكون  فوتت على نفسها فرصة مبكرة للتحول إلى حزب سياسي طبيعي بعد انتخابات أكتوبر 2011، حينها كان يجدر بها أن تجد مخرجا لتعهد رئيسها الأستاذ راشد الغنوشي عند عودته من المنفى بعدم التقدم لأي موقع في الدولة، أو أن تغير رئيسها في مؤتمرها التاسع (يوليو 2012) باتجاه أمينها العام المهندس حمادي الجبالي الذي كان رئيس الحكومة حينها. كان من شأن أي من هذين الخيارين أن يقذف بالحركة في صلب السياسة بدل المراوحة في تلك المنطقة الرخوة بين السياسة و اللاسياسة، كما كان من شأن ذلك أن يجنبها شتى الازدواجيات في داخلها، بل كان من شأنه أن يدفع الساحة السياسية التونسية إلى مزيد من التبلور. فتطور الأحزاب الكبيرة يتجاوز مداه حيزها التنظيمي الخاص.

وفي المقابل، لقد استثمر بعض الفاعلين السياسيين وخصوم النهضة هذه الوضعية، لتصبح النهضة في نظرهم  مجرد فاعل انتخابي يتبرع  بحاصل اجتهاده إلى من يحكم وبالنيابة عنه، في صورة هي أقرب إلى العمل الخيري السياسي، ولقد تواصلت  هذه العقلية بعد الانتخابات الاخيرة من خلال تأكيد عدد من الشركاء على خطورة التحديات حينا، أو من خلال التقليل من فوز النهضة حينا آخر.

ووسط هذه المتاهة،  لم تتقدم النهضة إلى قصر الحكومة برئيسها أو أحد قيادييها الكبار، ولا فوضت الأمر إلى شخصية واضحة الاستقلالية ذات اقتدار سياسي أو اقتصادي معلوم، بل قدمت المهندس الجملي ولم يكن شخصية معروفة في هذين الفضائين.

سادسا: استمرار مناخات التجاذب المميزة للانتخابات، ومن المعلوم  أنها لحظة انفعالية ومحطة اشتداد الصراع وافتعال التباين الحدي والمزايدات في الخصومة من أجل جني أكثر ما يمكن من مواقع، أما ما بعدها فيقتضي عادة مغادرة مربع الانفعال إلى مربع العقل ليحسن استثمار المكاسب في سوق توزيع السلطة، إنه الانتقال من السعي إلى التمايز إلى البحث عن المشترك.

ولا يبدو أن الجميع قد غادروا حقا المناخ الانتخابي، ولذلك كان التعاطي الإعلامي للجميع كارثيا، وقد شكلت المزايدات المباشرة على الفضائيات قيدا على كل الأطراف، وأدت إلى تسميم العلاقات الانسانية، ونقلت جزءا مهما من النقاش من المربع السياسي إلى المساحات السيكولوجية.

سابعا: سوء قراءة  نتيجة الانتخابات وتفكيك شفرة أرقامها باتجاه الوقوف عند الدلالات و الوصفات والتموقعات الممكنة، فلا أحد بإمكانه أن يحكم لوحده، ولا أحد بإمكانه الاستمتاع بالمعارضة في وضع هش يوشك أن يسقط السقف على الجميع.

الوصفة الوحيدة الممكنة التي تتيحها الأرقام هي التشارك وفقا إلى صيغة من إحدى الصيغ الثلاث الممكنة، وهي صيغة التشاركية الواسعة، وقد منعها استمرار التراشق والتصنيف الحدي، أو صيغة التشاركية بين القوى الديموقراطية الاجتماعية القريبة للمزاج الثوري، وقد أفسدتها كثرة الحسابات وتدني منسوب الثقة وأخطاء التموقع، أو صيغة التشاركية بين النهضة كممثل للقوى الجديدة  وبين كتلة تمثل القوى القديمة، وقد منع من التوصل إليها التردد وانزلاقات الخطاب الانتخابي، كل ذلك أدى إلى وصفة هجينة غير جديرة بعمل سياسي سليم.

ثامنا: ارتباك المكلف المهندس الحبيب الجملي شخصية بعيدة عن الساحة السياسية وعن إدارة الشأن العام منذ ما يقارب الثلاث سنوات لذلك يعتبر قبوله التكليف، في ظرفية احتداد التجاذب الحزبي وأمام تحديات لا تخفى على عاقل، علامة شجاعة كبرى، ويحسب له أنه تمكن رغم كل شيء من تشكيل فريق يضم عناصر وازنة ومحترمة من مساندي الحكومة و معارضيها، إلا أنه قصر في التواصل مع الكتل التي يفترض أن تمنحه ثقتها، وتعامل معها بما فهم منه أنه استعلاء وسعي لتشتيت صفوفها، كما أن علاقته بالحزب الذي اقترحه لم تكن بالوضوح والسلاسة المطلوبين، واتخذ خطوات احادية أخطرها الانتقال يوم الاثنين 23 ديسمبر من وصفة الحكومة السياسية إلى وصفة حكومة الكفاءات غير المسيسة بل وغير المنخرطة أصلا في العمل الحزبي، و هو ما اعتبر تمردا وخروجا على التعاقد الأخلاقي للتكليف.

يومها كان المطلوب التشاور لتدقيق التكليف، ولكن لا رئيس الحكومة المكلف استشار ولا هيئة التقرير العليا لحركة النهضة اجتمعت لسحب التكليف أو مراجعة قرارها، وفضلت الحركة الانخراط مع خيار المكلف وتحسينه. ولكن في العمق كان شيء ما قد تكسر، ربما كانت هذه الثنائية هي التي تختزل المشهد: خوف من صورة رئيس حكومة متحكم فيه من جهة، وخوف من حكومة متمردة  تتحمل النهضة نتيجة عملها دون أن يكون لها تأثير فيها من جهة اخرى، و خلال الأيام الفاصلة عن  جلسة تزكية البرلمان كان الاشتغال أكثر على محاولة استرداد الثقة تجنبا لتكرار صدام الباجي قائد السبسي ويوسف الشاهد.

ولإن ثبتت دورة مجلس الشورى قرار الحركة السابق بدعم الحكومة وحشد الدعم لها ساعات قبل جلسة البرلمان (10يناير)، إلا أنها قرئت سياسيا من طرف الكتل الاخرى على أنها علامة على تخلي النهضة، أو جزء مؤثر من قياداتها، عن الحكومة المقترحة، وكانت بقية الوقائع مجرد تفاصيل.

3- الفرصة الجديدة

لقد تم إهدار الفرصة الدستورية الأولى، و قد يكون من مصلحة جميع المساهمين في مسارها الوقوف عند دروسها الكثيرة دون عناد ولا مكابرة. وتكمن التربة الثقافية المشجعة لتكرار الأخطاء في عقلية تنزيه الذات والهروب إلى الأمام. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الحداثة الإدارية وما قبلها، بين ثقافة تفرض تحمل المسؤولية طوعيا و تحميلها مؤسساتيا، وأخرى تحرص على تعويمها  والهروب منها بل ربما تحويلها الى انتصار حتى.

من مصلحة الحزب الأول أن يتوقف عند مجمل المسار، وعند عدد الأصوات التي تحصلت عليها التركيبة المقترحة، وما إذا كانت تعبر عن عزلة سياسية أم هي التقاءات طبيعية مرتبطة بالتركيبة في ذاتها و بطريقة اداء الرئيس المكلف.

ومن مصلحة أحزاب ما اصطلح على تسميته بالطيف الثورى أن يراجعوا أداءهم،فقد يكونوا فوتوا على أنفسهم وعلى البلاد فرصة لتشكيل حكومة منحازة للتغيير ولمزاج الشباب وطموحاته، وقد يكونوا فوتوا لحظة الانتقال من الضغط إلى قبول العرض وتحسينه.

ومع ذلك لا تزال أمام التونسيين فرصة أخرى.

ذلك أن انتقال المبادرة إلى رئيس الجمهورية بموقعه الدستوري والاعتباري، وبالشرعية الانتخابية العالية التي حازها، وبتحرره من الانتماء الحزبي لاختيار الشخصية الأقدر، قد تتيح الفرصة لتجميع أوسع إسناد برلماني ممكن.

ونقطة الارتكاز الأساسية لإنجاح هذه المحطة تكمن في اختيار الشخصية الموصوفة ب”الأقدر “.

لقد أرسل السيد الرئيس رسالة لكل الكتل والأحزاب الممثلة في البرلمان لتقديم مقترحاتها معللة في سابقة في التاريخ السياسي للبلاد.

ويتحدث الجميع عن مواصفات لهذه الشخصية منها القدرة على إدارة فريق وسط أوضاع صعبة، والتمتع بخبرة سياسية عالية، و إلمام بالملفات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، والتوفر على علاقات واسعة مع دوائر التأثير في البلاد وخارجها.

ويرجح أن تكون الساحة التونسية خلال أسبوع أمام ثلاث خيارات بالنسبة لتموقع هذه الشخصية:

فإما أن تكون شخصية سياسية أقرب لمزاج التغيير ولروح التحالف الذي تعثر يوم 22ديسمبر.

أو أن تكون شخصية جامعة تتجاوز تصنيفات الحملة الانتخابية، وتقدر على نيل ثقة غالب الكتل البرلمانية، وتركز على كفاءة ونزاهة أعضاء فريقها بقطع النظر عن انتماءاتهم.

أو أن تكون شخصية غير معروفة، ولكنها من نفس لون المحيط الحالي لرئيس الجمهورية.

يمكن للخيارين الأولين أن يشقا الطريق لنيل ثقة البرلمان والتقدم تاليا لخدمة التونسيين، خاصة مع إمكانية استفادة المكلف الجديد من تجربة الأشهر الثلاث الماضية، في ضرورة تقليص عدد الفريق الحكومي، وإبراز الاولويات، وبناء جسور ثقة مع الكتل البرلمانية، واعتماد سياسة تواصل ناجعة مع المواطنين.

أما الخيار الثالث فقد يجد صعوبات في الحصول على رضا الكتل البرلمانية التي ستتراوح مواقفها حينها بين الرفض المؤدي إلى تصاعد الأزمة السياسية والمؤسساتية،أو القبول الاضطراري تجنبا لسيناريو الانتخابات السابقة لأوانها، والذي يظل ممكنا دستوريا وسياسيا.

ويبقى ترجيحنا هو لسيناريو الوصول إلى حكومة ذات أغلبية واسعة، ذات نكهة ديموقراطية واجتماعية، تملأ الفراغ الحاصل، و تتجاوز حالة الحيرة و الشلل، وتأهل البلاد للتعامل مع مختلف المخاطر التي قد تأتي من المحيط القريب.