خلال العام الماضي، كانت ساحات القتال المختلفة في سوريا وليبيا وإقليم كاراباغ مسرحًا أساسيًّا لإظهار مدى فعاليَّة الأسلحة الروسية، حيث سُلِّط الضوء بشدَّة على نُظُم الدفاع الجوي الروسية بمختلف أنواعها. وبحسب تصريح وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو لقناة “زفيزدا”، فإن “الحملة في سوريا أتاحت التحقُّق من فعالية السلاح الروسي”، إلَّا أن واقع الأمر يُظهر أن هذه الأسلحة -وبالأخص نُظُم الدفاع الجوي- أثبتت مدى ضعفها ومحدودية عملها، حيث تعرضت هذه النُّظُم ضمن ثلاثة مسارح صراعٍ لعددٍ من الهزائم أثبتت عدم فاعليتها.

تكْمُن المشكلة الحقيقية في أن نُظُم الدفاع الجوي لم تُصنع لحماية نفسها فقط، بل لحماية منشآت مدنية وعسكرية حيوية ومُهمَّة وضرورية من أجل استمرار القوات المسلحة في أداء عملها على الأرض بالشكل الأمثل، وإلَّا فلا داعي لوجود هذه النُّظُم أصلًا، ومن هذا المُنطلق يجب أن تكون نسب فعاليتها أقرب إلى 100٪، ويجب أن تشكِّل مع بعضها بمختلف أنواعها وأصنافها مِظلَّة حماية مُتكاملة لها وللقوات العاملة على الأرض، وهذا ما لم تتمكَّن أبدًا النُّظُم الروسية من توفيره للقوات التي تستخدمها.

بعد التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا، تمَّ نشر وتزويد الجيش السوري بمنظومات دفاع جوي روسية حديثة ومختلفة، وبدا أن هذه المنظومات مُقبلة على تحديّات جمَّة، خصوصًا أن الغارات الإسرائيلية لم ولن تتوانى عن ضرب أهدافٍ في العمق السوري، وعند أول اختبار حقيقي لها في أثناء التصدي لغارة إسرائيلية على مطار المزة العسكري قرب دمشق، تمَّ تدمير منظومة بانتسير ولم تتمكَّن حتى من الدفاع عن نفسها، ناهيك عن قدرتها في حماية ما خُصِّصت لحمايته، ليخرج بعدها محللون روس يبرِّرون بأن المنظومة كانت في طور إعادة التذخير، وتمَّ إلقاء اللَّوْم على طواقم الدفاع الجوي السورية التي تُديرها، وفي المقابل فشلت الطواقم والنُّظُم الروسية بنسبٍ عاليةٍ في التصدي لهجمات طائرات بدائية استهدفت قاعدة حميميم التي تنتشر بها القوات الروسية في سوريا.

كما أسقطت إحدى منظومات الدفاع الجوي روسية الصنع التي يديرها الجيش السوري طائرةَ استطلاع روسية “إيل-20” على متنها 15 عسكريًّا روسيًّا، نتيجة عدم التعرف عليها ضمن نظام (صديق – عدو) في خضم غارة إسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية في محافظة اللاذقية، وهو ما استدعى قيام روسيا بتحديث منظومات الدفاع الجوي السورية، والتعهد بالتصدي للغارات الإسرائيلية، إلَّا أن عدد الغارات الإسرائيلية لم ينخفض، بل حافظت على وتيرتها بشكل شبه أسبوعي، منها غارة جوية استهدفت مطار الضبعة العسكري غرب حمص، ادعت فيها روسيا أنها تمكَّنت من إسقاط جميع الصواريخ الإسرائيلية قبل وصولها لأهدافها، إلَّا أن صور الأقمار الصناعية كذَّبت الرواية الروسية وأظهرت حجم الدمار الذي خلَّفته الغارة.

من جهة أخرى، خلال شهر شباط/فبراير 2020 تمكَّن الجيش التركي من تدمير عدد آخر من نُظُم الدفاع الجوي ضمن ظروف الاشتباك المباشر مع هذه المنظومات، أي إنها في حالة الفاعلية والجاهزية للمعركة، بالإضافة إلى مئات الأهداف الأخرى التي تمَّ تدميرها بواسطة طائرات بيرقدار TB2، وذلك بحسب المقاطع المصورة التي بثَّتها وسائل الإعلام. هذه المرَّة، ادَّعى المحللون أنها مُفبركة، دون الإقرار بفشل هذه النُّظُم، حتى الطائرات المسيرة التركية التي تمَّ إسقاطها من قِبَل الجيش السوري، أُسقطت بالوسائل النارية التقليدية.

بعد الفشل في سوريا تبعه فشل آخر في ليبيا، حيث تمكَّنت قوات حكومة الوفاق الليبية المدعومة من قِبَل تركيا من تدمير عدَّة منظومات بانتسير للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، الذي تمَّ تزويده بها من قِبَل الإمارات العربية المتحدة بحسب ما صرح به خبراء روس، واستطاعت قوات حكومة الوفاق قلبَ موازين القوى وتحسين موقفها العسكري عبر السيطرة على عددٍ من المدن والقواعد العسكرية، حيث أدى الفشل العسكري للجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر، والخسائر الجسيمة التي تعرض لها، إلى فقدان قدرته على شنِّ المزيد من الهجمات، بالأخص بعد عدم فعالية التغطية الجوية اللازمة لحماية قواته وقوافله التي تتحرك من الشرق الليبي نحو غربه.

دفع ما سبق الأطراف المتحاربة وبدعم دولي إلى التوصُّل إلى اتفاق وقف لإطلاق النار، وهو ما ساعد على زيادة فرص السلم الأهلي بعد سنوات من حرب هدَّدت وحدة البلاد، حيث انتخب ملتقى الحوار السياسي الليبي سلطة تنفيذية موحَّدة، مهمتها الأساسية إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021.

 أما في منطقة القوقاز، وخلال شهر ونصف من المعارك بين أذربيجان وأرمينيا ضمن إقليم كاراباغ، فقد فشل الجيش الأرمني في تحييد الطائرات من دون طيار الآذرية، وبقيت نُظُم الدفاع الجوي الروسية عاجزةً حتى في الدفاع عن نفسها، وتمَّ تدمير عدَّة منظومات مختلفة من ضمنها S300 وتور وأوسا وستريلا، بالإضافة إلى مئات الأهداف الأخرى، حيث بلغت القيمة التقديرية لخسائر الجيش الأرمني التي تسبَّبت بها طائرات بيرقدار وحدها ما يقارب 1.9 مليار دولار من أصل 4.8 مليارات دولار قيمة إجمالي الخسائر الأرمنية، ناهيك عن خسارة الحرب وقيام أذربيجان بالسيطرة على معظم إقليم كاراباغ، وقد تبع ذلك تصريحات لرئيس الوزراء الأرمني نيكول باشنيان يلقي فيها باللَّوْم على الأسلحة الروسية، وخاصةً نظم الدفاع الجوي منها. ولاحقًا، أدت هذه النتائج مجتمعة إلى أزمة دستورية كادت تعصف بالبلاد، نتيجة الخلاف الذي حصل بين القيادة السياسية ورئاسة الأركان الأرمنية.

في ساحات المعارك الثلاث السابقة وأمام أسلحة تركية وأخرى إسرائيلية وأمريكية فشلت نُظُم الدفاع الجوي الروسية فشلًا ذريعًا، حتى في شبه جزيرة القرم تمكَّنت أوكرانيا من رصد وتصوير منظومة دفاع جوي روسية S400 دون أن تتمكَّن الأخيرة من كشف طائرة بيرقدار التي كانت أوكرانيا قد اقتنت ستة منها في عام 2019، وهو ما دفعها لتقرر شراء المزيد.

إن نُظُم الدفاع الجوي الروسية بشكل رئيس غير قادرة على الاشتباك مع هذا النوع من الطائرات المسيرة، ويعود ذلك إلى عدَّة أسباب: كصغر هذه الطائرات وتحليقها ببطء على ارتفاعات منخفضة، بالإضافة إلى استخدام خلائط غير معدنية في تصنيعها، حيث يُصعّب كل ذلك اكتشافها ومن ثَمَّ الاشتباك معها، وحتى في حال كشفها ما تزال هذه النُّظُم غير قادرة على الاشتباك مع أهداف جوية تطير بسرعاتٍ أقل من 360 كم ومدى ارتفاعات منخفضة. أما في الحالة الأخرى في أثناء الاشتباك مع طيران حربي أو الصواريخ، فيبدو أن التخفي والتشويش الإلكتروني يقوم بعمله جيدًا، ويجعل هذه النُّظُم عمياء وعديمة الفائدة، بالإضافة إلى عجز رادرات منظومة S400 عن كشف المقاتلة الجوية F35 حتى من مسافة 34 كم، والطائرة F22 من مسافة 21 كم، في حين أن هذه الطائرات تستطيع استهدافها من مسافة 100 كم أو يزيد.

تُستخدم نُظُم الدفاع الجوي الروسية ضمن عدَّة دول حول العالم، كما تملك أو تفاوض عدد من الدول العربية على اقتناء منظومة S400 أو S300، من ضمنها الجزائر وسوريا والسعودية وقطر والسودان. صحيح أن بعض هذه الدول لم ولن تتمكَّن من اقتناء نُظُم  دفاع جوية غربية الصنع، إلَّا أن بعضها تستطيع ولديها الفرص لذلك، وهو أفضل بكثيرٍ من الوقوع في شرك العقوبات الأمريكية، خصوصًا أن واشنطن تُكيل التحذيرات بشكل متواصل لحلفائها من أجل عدم اقتناء الأسلحة الروسية، ومن ثَمَّ التأثير في صفقات السلاح الأمريكية، وبالأخص صفقات الطائرة F35، بشكل مشابه لما حدث مع تركيا التي خاطرت بشراء منظومة S400، ومع ذلك يبدو أن هذه الدول تتجه للاستثمار في شراكة سياسية أكثر منها عسكرية مع موسكو.

يبقى الواقع يشير إلى أن الاستثمار في نُظُم عقيمة غير مُجدٍ لا عسكريًّا ولا سياسيًّا خصوصًا مع روسيا، حيث يدَّعي صانعو هذه النُّظُم قُدرتها على تدمير الأهداف الجوية كافَّة، أما حين فشلها فإنهم يلقون باللائمة على طواقم الدفاع الجوي التي سبق أن تلقت تدريباتها على يد الجيش الروسي الذي لم تخضع طواقمه حتى الآن لاختبار حرب حقيقية.

ملحق: قائمة بالنُّظُم الروسية التي تمَّ تدميرها في ساحات الصراع الثلاث:

م المنظومة البلد المنطقة واسطة التدمير جهة التدمير التاريخ ملاحظة
1 بانتسير سوريا مطار المزة العسكري F16 إسرائيل أيار – 2018  
2 طائرة أل 20 روسيا