منذ اللحظات الأولى لتولي حكومة بينيت/لبيد مقاليد السلطة، كان واضحًا أن الخارجية الإسرائيلية تدرك وجود تحدياتٍ كبيرة في واشنطن، وتدرك كذلك وجود غضب أمريكي تجاه إسرائيل يمكن تلمُّسه بشكل أكبر بين أعضاء الحزب الديمقراطي في الكونجرس الأمريكي بمجلسيه، وهو ما عبَّر عنه وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد عقب توليه مهام منصبه مباشرةً، وهو ما يتوافق كذلك مع توجُّه الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تسعى إلى رأب الصدع الذي تسبَّبت به حكومة نتنياهو في علاقتها مع الديمقراطيين.

لقد كانت سياسة نتنياهو ترتكز على تنسيقٍ غير مسبوقٍ بين اليمين الحاكم في إسرائيل الذي كان يقوده وقت رئاسته للحكومة، وقوى اليمين في الولايات المتحدة في فترة ولاية الرئيس أوباما، حتى إن مواقف نتنياهو كانت كثيرًا ما تأتي على غير أولويات السياسة الخارجية لإدارة أوباما[1]، وزاد هذا التنسيق متانةً مع إدارة الرئيس ترامب، وكانت أبرز ثماره التوصُّل إلى اتفاقات التطبيع بين إسرائيل وعددٍ من الدول العربية، فضلًا عن التطبيع غير المُعلَن مع دول عربية أخرى لم توقِّع على الاتفاق.

كان واضحًا أن إدارة الرئيس بايدن -سواء كان ذلك بدوافع ذاتية، أو نتيجة ضغوط العناصر التقدُّمية داخل الحزب، بالإضافة إلى توجهات الرأي العام- غير راضية عن حكومة نتنياهو، وظهر هذا واضحًا في أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة؛ حيث قامت الإدارة الأمريكية بممارسة ضغوط كبيرة على الحكومة الإسرائيلية لإيقاف الحرب، فاضطر نتنياهو لإيقافها دون أن يحقِّق أهدافه منها.

طبقًا لرأي اللواء السابق عاموس جلعاد، الذي كان رئيسًا للدائرة الأمنية والعسكرية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، فإن معركة حامي الأسوار على غزة في مايو الماضي كشفت عن تراجع مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة، وتآكل الإجماع الذي كان موجودًا لصالحها، وهو أحد أهم ركائز الدولة العبرية، وقد أوصى جلعاد بأن على إسرائيل أن تصوغ خطةً شاملةً لتحسين علاقتها لدى يهود الولايات المتحدة، ولدى الأحزاب الأمريكية عامَّة، والحزب الديمقراطي على وجه التحديد[2].

إن تآكل الإجماع المقصود هنا لا يتعلَّق بخصوصية العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا بما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن تستمرَّ في دعم إسرائيل أم لا، فهذه أمور لا تزال محلَّ إجماع هناك. وإنما يدور الخلاف فقط حول كيفية دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، فنحن أمام جدل حزبي بين فريقَيْن: يتبنَّى أحدهما نهج “دعم إسرائيل إن أصابت أو أخطأت”، وهو نهج يرتبط عادةً بالجمهوريين وناخبيهم، ونهج “الحب القاسي” الذي يتطلَّب أحيانًا من الولايات المتحدة عدم الموافقة على سياسات الحكومة الإسرائيلية وأفعالها، وممارسة الضغط عليها لتغييرها[3].

ويتوقَّع المحللون أن الولايات المتحدة سوف تستمر في دعم إسرائيل، لكن ذلك سيكون مصحوبًا على الأغلب بخلافات متكرِّرة بين صانعي السياسة في الدولتَيْن. هذه الخلافات سيكون مردها لاعتبارات داخلية، منها ما يتعلَّق باتجاهات الرأي العام في البلدين؛ إذ تشير استطلاعات الرأي الأمريكية إلى أن الأمريكيين الأصغر سنًّا -أولئك الذين وُلِدوا بعد عام 1980- أقلُّ احتمالًا لدعم إسرائيل من كبار السنِّ هناك، وأن جيل الألفية -الذي يُعَدُّ الكتلة التصويتية الأكبر في الولايات المتحدة- يميل إلى أن يكون أكثر انتقادًا لإسرائيل، وإذا كان المعتاد تصويت الفئات الأصغر سنًّا لصالح الديمقراطيين، فإن ذلك قد يُسهم في تنامي الانقسام الحزبي عامَّة، وداخل الحزب الديمقراطي بشكل خاص، في دعم إسرائيل[4]. لكن لا ينبغي أن نستنتج من ذلك أن الديمقراطيين لا يدعمون إسرائيل، فهذا تبسيط مُخِلّ.

من هذه الاعتبارات كذلك ما يتعلَّق بتراجع قوة تأثير جماعات الضغط اليهودية الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة، وهو ما ظهر في عدم قدرة هذه الجماعات على هزيمة العديد من السياسيين الذين ينتقدون إسرائيل انتقادًا شديدًا، مثل النائبة رشيدة طليب في ميشيجان، وإلهان عمر في مينيسوتا، رغم إنفاق هذه الجماعات الملايين لإسقاطهم.

الأكثر من ذلك أن الانتخابات التمهيدية لمنطقة الكونجرس السادسة عشرة في نيويورك شهدت فوز جمال أنتوني بومان الذي يُصنَّف على أنه تقدُّمي ديمقراطي على إليوت إنجل السياسي اليهودي المخضرم الذي سبق أن شغل منصب رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب عن الحزب الديمقراطي[5].

ثمة ثلاث قضايا شائكة يتوقَّع أن تكشف عن حجم التحديات التي تواجه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، كما يتوقَّع أن تظهر كذلك حجم الخلافات بين الإدارتَيْن في الفترة المقبلة، سنعرض لها حسب أهميتها للأمن القومي الإسرائيلي.

– إيران والسلاح النووي

تحتاج إيران إلى أقل من عام للوصول إلى القنبلة النووية! هذه هي التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية التي ذكرها شبتاي شبيط (رئيس الموساد الأسبق 1989-1996) معتمدًا على مصادر استخباراتية موثوقة حسب لفظه[6]. وإذا كان الأمر كذلك، فإن هناك أسئلةً ينبغي أن تُطرح، مثل: ما الذي تحقَّق للولايات المتحدة وإسرائيل جراء الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في ظل إدارة الرئيس ترامب؟ وما الذي تنتظره البلدان في حال عودة إيران إلى الاتفاق النووي؟ وهل يمكن أن تؤخر عودتها هذه -إن تحقَّقت- وصولها إلى امتلاك القنبلة النووية؟ هذه الأسئلة المطروحة تشير إلى نجاح الاستراتيجية الإيرانية في تعاملها في موضوع ملفها النووي.

وهناك تحدٍّ آخر أشار إليه شبيط يتعلَّق بطبيعة القرار الذي تتخذه السلطة الدينية في إيران في حال تمكَّنت من امتلاك سلاح نووي، فهل ستكون قراراتها براجماتية أم نابعة من عقلية الخلاص الديني؟ يضاف إلى ذلك ما أشار إليه شبيط من وجود توتُّر بين القيادة الدينية لإيران والحرس الثوري، يخشى فيه من أن تكون الغلبة للأخير الذي ربما كان أكثر تشددًا، حسب لفظ شبيط. مثل هذه الأمور تجعل إسرائيل أكثر اهتمامًا من أيِّ وقت مضى بأن تضع إدارة بايدن منطقة الشرق الأوسط على سُلَّم أولوياتها. وبناءً عليه، فإن ما يريده الإسرائيليون فيما يتعلَّق بمصالحهم الخاصَّة يتمثَّل في أمرين: أولهما أن تكون رسالة الإدارة الأمريكية لإيران مفادها أن الولايات المتحدة ليست على وشك مغادرة الشرق الأوسط، ولا إهمال الملف النووي الإيراني وما يتعلَّق به. أما الأمر الآخر فأنْ تأخذ الإدارة الأمريكية على عاتقها تكوين محور أمريكي إسرائيلي سُني يشمل دول العالم الإسلامي المعتدلة لمواجهة إيران[7].

لكن هل يمكن فعلًا أن تدخل هذه الأمور حيز اهتمامات الإدارة الأمريكية الحالية؟

لا يبدو اهتمام الولايات المتحدة حاليًّا بالشرق الأوسط مثلما كان في الماضي؛ فمنذ أواخر فترة إدارة أوباما، ثم إدارة الرئيس ترامب، ظهر أن الولايات المتحدة تقلِّص دورها في الشرق الأوسط، وأن أولوياتها تتغيَّر بصورة واضحة. ومن المرجَّح أن يزداد هذا التوجُّه في ظل الإدارة الحالية، وهو ما كشف عنه اتفاق “أوكوس” بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، الذي أظهر أن السياسة الأمريكية في الفترة القادمة تنطلق من أن الصين هي التهديد الأكبر بالنسبة إليها، ومن ثَمَّ فإن جهدها الأكبر سوف ينصرف تجاه الحدِّ من توسُّع النفوذ الصيني في منطقة المحيطَيْن الهندي والهادي، وربما الدخول في حرب باردة جديدة عبَّر عنها المتحدث باسم الخارجية الصينية حين تحدث ردًّا على الاتفاق بقوله: “إن الدول الثلاث تحركت بعقلية الحرب الباردة، والمفاهيم الجيوسياسية ضيقة الأفق”[8].

هذا يعني أن الحكومتَيْن الأمريكية والإسرائيلية فيما يتعلَّق بإيران سوف تكونان أمام اختبار جديّ، فالحكومة الإسرائيلية تعارض بشدَّة جهود بايدن لإعادة إيران للاتفاق النووي، وتعتبر ذلك تنازلًا خطيرًا لصالح طهران؛ وهذا ما عبَّر عنه صراحةً وزير الخارجية الإسرائيلي في أول لقاء له مع نظيره الأمريكي في يونيو الماضي[9].

لكن الحكومة الإسرائيلية الحالية -رغم اعتراضاتها هذه- ستكون حريصةً على مناقشة القضية وتسجيل ملاحظاتها خلف أبواب مغلقة، وهي في ذلك تسلك سلوكًا مغايرًا لسلوك نتنياهو المثير للجدل الذي انتقد في خطابه أمام الكونجرس عام 2015 الاتفاق الأمريكي بشكل علنيّ، وفي هذا السياق جاء تأكيد لبيد على اتفاقه مع وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن على سياسة “عدم المفاجآت”.

وفي الموضوع نفسِه أيضًا يرى إيتان جلبوع -الخبير في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في جامعة بر إيلان- أن إسرائيل ربما تقوم بالضغط من أجل أن تبقي الإدارة الأمريكية بعضَ العقوبات المفروضة على إيران ساريةً، مع محاولات إسرائيلية للحصول على “تعويض استراتيجي” في حالة العودة لأيِّ صفقة مع إيران[10].

– القضية الفلسطينية

هناك عقبات تعوق عملية إصلاح المشكلات التي تسبَّبت بها الإدارة السابقة في كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحديدًا فيما يتعلَّق بعملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فقد تجمَّدت كل مباحثات السلام في هذه الفترة تمامًا، واعتمدت إدارة ترامب خطة السلام من جانب واحد، واعتبرت عمليات الاستيطان الإسرائيلية غير متعارضة مع القانون الدولي، وهذا كان يعني السماح لإسرائيل بضمِّ ثلث الضفة الغربية بشكل رسمي.

أما الإدارة الأمريكية الحالية فتريد أن تستعيد سياستها التي استمرت لعقود قبل قدوم ترامب، بأن تتظاهر -رغم انحيازها الدائم لإسرائيل- بقيامها بدور الوسيط المُنصِف[11]. وإذا كان تخفيف حدَّة التوتُّر مع الفلسطينيين أو الدول العربية أحد العوامل التي طالما دفعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى اتباع هذه السياسة، فإنه في ظل التطبيع الرسمي بين إسرائيل والدول العربية خلال العام الماضي، والتطبيع غير المُعلَن مع دول أخرى، وتراجع التأييد الرسمي العربي للقضية الفلسطينية، وتخلي القيادات العربية عن مبدأ الأرض مقابل السلام، فإن هذا العامل لم يعُد المُحرّك لهذه الرغبة الأمريكية في العودة لسياستها القديمة.

لقد أدى جمود عملية السلام، وإيقاف ترامب للمساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، وقراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وغير ذلك من مواقف إلى ضعف السلطة بشكل واضح في السنوات الأخيرة، وقد تزامن هذا الضعف مع زيادة شعبية حركة حماس بين فلسطينيي 48، وداخل مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، خاصةً بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة. وتريد الإدارة الأمريكية الحالية تقوية السلطة الفلسطينية ومنع انهيارها، لكي تحدَّ من تأثير حركة حماس. ومن هنا كان حرص إدارة بايدن على العودة إلى سياسة الإدارات القديمة وإن اختلف دافعها عن دافع تلك الإدارات.

وخلال الشهور الأخيرة انعكست هذه السياسة على التصريحات والمواقف الأمريكية؛ بدءًا من تصريح بلينكن صراحةً بقوله: “نحن في حاجة لدفع العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية بشكل عملي”، أو بما أفاد به موقع أكسيوس بأن بايدن أخبر بينيت خلال لقائهما في أغسطس الماضي برغبته في أن تقوم إسرائيل بوقف سياسة التوسُّع في عمليات الاستيطان[12]، أو باستئناف إدارة بايدن بعض المساعدات للسلطة الفلسطينية، أو باعتزامها إعادة فتح قنصليتها في القدس بعد أن كانت إدارة ترامب قد أوقفتها، ودمجتها كوحدة خاصَّة للشئون الفلسطينية ضمن السفارة الأمريكية في القدس. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة هآرتس عن مصادر فلسطينية بأن مسئولين أمريكيين أبلغوا الفلسطينيين بأن الولايات المتحدة صادقت على ميزانية تشغيل القنصلية، لكنها ستؤجل إعادة فتحها لما بعد موافقة الكنيست على الميزانية الإسرائيلية في نوفمبر القادم حتى لا يكون ذلك سببًا في سقوط حكومة بينيت/لبيد[13].

مثل هذه المواقف لا تلقى قبولًا إسرائيليًّا بالطبع، وإن كانت تتفاوت في خطورتها على مستقبل الحكومة الإسرائيلية الحالية، فقرار إعادة فتح القنصلية يبدو أكثرها خطورةً في ظل تربُّص معسكر اليمين المعارض وتنامي شعبية حزب الليكود والأحزاب الدينية، في الوقت نفسِه الذي تراجعت فيه شعبية بعض قوى الائتلاف الحاكم.

فقد كشف آخر استطلاع للرأي عن تراجع حزب يمينا بزعامة نفتالي بينيت رئيس الحكومة الحالي، وعدم تمكُّن حزب أمل جديد بزعامة جدعون ساعر عضو الائتلاف الحاكم من تجاوز عتبة دخول الكنيست، واحتمالية حصول حزب الليكود بزعامة نتنياهو والأحزاب المؤيدة له على 60 مقعدًا في حال الذهاب لانتخابات جديدة[14]، ما يعني عودة نتنياهو لرئاسة الحكومة من جديد، وهو ما لا تريده الإدارة الأمريكية.

على الأرجح إذن أن الحكومة الإسرائيلية لن تستجيب لهذه الرغبة الأمريكية، ولن يقبل بينيت الجلوس مع قيادة السلطة الفلسطينية؛ إذ يرفض حزبه قيام أي كيان فلسطيني فيما يطلق عليه “أرض إسرائيل” (فلسطين التاريخية)، وأن كل ما لديه ليعرضه على الفلسطينيين هو تحسين ظروفهم المعيشية في المناطق المحتلة منذ عام 1967[15]. وكذلك فإن بينيت صرح لقادة المستوطنين بعد عودته من واشنطن ولقائه الرئيس بايدن بأنه رفض مطالب الإدارة الأمريكية المتعلِّقة بالاستيطان، وأخبرهم أن الاستيطان لن يتباطأ رغم الضغوط الأمريكية[16].

مثل هذه المواقف الإسرائيلية المُتعنِّتة تعود لسببَيْن رئيسَيْن: أحدهما يتعلَّق باحتمالية انهيار الحكومة والذهاب لانتخابات مبكِّرة قد تأتي بنتنياهو من جديد، والآخر يتعلَّق بالموقف الأيديولوجي لبعض قوى الائتلاف الحاكم، وإن كان هذا أقل أهميةً من السبب الأول في ظل براجماتية الأحزاب الإسرائيلية. وعلى الأغلب فإن الإدارة الأمريكية -التي ربما كانت وراء اجتماع القوى والأحزاب الإسرائيلية المتنافرة في حكومة واحدة- سوف تقدِّر موقف الحكومة الإسرائيلية ولن تتعجَّل في اتخاذ خطواتٍ قد تؤثر في استمرارها.

وكذلك فإن الإدارة الأمريكية سوف تكون حريصةً على الاحتفاظ بمواقفها الناقدة للسياسات الإسرائيلية داخل الغرف المغلقة دون أن تنقلها للعلن. وهي السياسة التي يبدو أن الطرفَيْن قد اتفقا عليها.

– العلاقات الصينية الإسرائيلية

شهدت السنوات الأخيرة زخمًا إيجابيًّا في العلاقات الإسرائيلية الصينية، ظهر واضحًا في الاهتمام الصيني المتزايد بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وإسهام الشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية في إسرائيل، يضاف إلى ذلك محاولة التوصُّل إلى اتفاقية تجارة حُرة بين البلدين بنهاية هذا العام، لكن التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين ألقت بظلالها على علاقة إسرائيل بكلٍّ من الولايات المتحدة والصين.

وتشير التقارير إلى ما تقوم به الإدارة الأمريكية من ضغوطٍ على الحكومة الإسرائيلية من أجل التضييق على الاستثمارات الصينية في إسرائيل، وأن مسئولين أمريكيين في إدارة بايدن تحدثوا مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي إيال حولاتا حول التهديدات التي تشكِّلها الاستثمارات الصينية في مشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا الفائقة في إسرائيل. وقد دفع ذلك بعددٍ من كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي وبعض قيادات جهاز الأمن العام إلى رفع توصية بتشكيل لجنة تشرف على الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل، لقلقهم من استمرار اختراق الصين للاقتصاد الإسرائيلي، وما سيؤدي إليه من توتيرٍ لعلاقة إسرائيل بواشنطن، بالإضافة إلى قلقهم من احتمالية استخدام الصين هذه المشاريع في أنشطة تجسُّس[17].

من ناحية أخرى، وخلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، لم تتردَّد الصين في إدانة إسرائيل في مجلس الأمن الدولي ردًّا على وقوف الأخيرة في صفِّ الولايات المتحدة، حين صوتت إسرائيل بشكلٍ غير مسبوقٍ في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في يونيو الماضي لصالح قرار ينتقد سياسات الصين تجاه مسلمي الإيجور. وهذا يعني أن الصين لا تريد من إسرائيل أن تنحاز لأيِّ طرف ضد مصالحها الخاصَّة. ويرى جداليا أفترمان -رئيس برنامج الدبلوماسية الآسيوية في معهد أبا إيبان المتخصِّص في الدبلوماسية الدولية في مركز هرتسليا للدراسات البينية- أن إسرائيل مطالبةٌ بتطوير استراتيجية تحمي من خلالها تحالفها مع الولايات المتحدة وفي الوقت نفسِه توسع من علاقاتها التجارية مع الصين في القطاعات غير الحساسة، ولكي تصل إلى ذلك فإن عليها أن تعزِّز علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية مع الدول الآسيوية الرئيسة، مستفيدةً مما تمنحه لها اتفاقية أبراهام من علاقات دافئة مع دول الخليج والدول العربية التي طبعت معها مؤخرًا[18]، بحيث يجعل ذلك منها لاعبًا مهمًّا لا يمكن الاستغناء عنه، مما يقلِّل من ضغوط الدول العظمى عليها.

لقد شهد العقد الماضي انخراطًا أكبر للصين في الشرق الأوسط؛ وهذا ناتج عن عدَّة عوامل، أهمها تقلُّص دور الولايات المتحدة في المنطقة، مما أعطى للصين فرصة توسيع نشاطها في دولٍ تحتاج إلى مشاريع بنى تحتية كبيرة، ولدى الصين بالطبع القدرة على تنفيذ مثل هذه المشاريع بما تمتلكه من إمكانيات هائلة. وكذلك فإن ما تمارسه إدارة بايدن حاليًّا -ومن قبلها إدارة ترامب- من ضغوطٍ على الصين في آسيا، تقابله الصين بالتحرك في الشرق الأوسط، وهي منطقة نفوذ أمريكية رغم تقليص الولايات المتحدة دورها فيها مؤخرًا، مما يجعل من الشرق الأوسط مسرحًا للتنافس بين القوتين العُظميين.

أغلب الظن أن تزايد الدور الإسرائيلي في المنطقة -خاصةً في دول الخليج- سيؤدي إلى زيادة التعاون بين الصين وإسرائيل، ومن ثَمَّ تزداد احتمالية التأثير السلبي في علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة. وطبقًا لرأي أفترمان، فإن إسرائيل في سعيها من أجل مصالحها عليها مراعاة المخاوف الاستراتيجية للولايات المتحدة، مع ضرورة استمرارها في التنسيق الوثيق في القطاعات العسكرية والحساسة كالأمن السيبراني[19].

ما سبق يكشف أن حجم الخلاف بين الإدارتَيْن الأمريكية والإسرائيلية كبير، وأن هذا الخلاف لن يزول كله بسهولة، على الأقل خلال عامي نوبة بينيت في رئاسة الحكومة بسبب اختلاف نهجه اليميني المتشدِّد عن نهج الإدارة الأمريكية الحالية. لكن إدارة بايدن في الوقت نفسِه ستحاول تجاوز هذه الخلافات كي تستمرَّ الحكومة الإسرائيلية، مع ممارسة بعض الضغوط للوصول إلى نقاط اتفاق في الأمور المختلف عليها، في ظل انشغالها بقضايا أكثر أهمية لأمنها القومي.

 

[1] – Yousef Munayyer: US-Israel relations, Time for a Reset or Reevaluation? Arab Center Washington DC. Sep. 8, 2021.

[2] – עמוס גלעד: ממשלת חדשה בישראל, מענה מיידי לאתגרים דחופים. (30 / 6 / 2021)

https://www.idc.ac.il/he/research/ips/pages/insights/insights-30-6-21-ips.aspx

[3] – Dov Waxman & Jeremy Pressman: The Rocky Future of the US-Israeli Special Relationship. The Washington Quarterly. Vol. 44, 2021 – issue 2.

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/0163660X.2021.1934999

[4] – Ibid

[5] – Campaign 2020: Political Newcomer Jamaal Bowman Defeats 16-Term Rep. Eliot Engel. CBS New York, Jul.17, 2020. 

[6] – שבתי שביט: ביידן, המזרח התיכון והסיכויים לסוף הסכסוך. המכון למדיניות ואסטרטיגיה (2 / 3 / 2021)

https://www.idc.ac.il/he/research/ips/pages/insights/shavit-2-3-21.aspx

[7] – السابق

[8] – What is the Aukus alliance and what are its implications? The Guardian, Sep 16, 2021.

https://www.theguardian.com/politics/2021/sep/16/what-is-the-aukus-alliance-and-what-are-its-implications

[9] – لابيد: لدينا “تحفظات جدية” على اتفاق إيران النووي.. و”أخطاء” شابت علاقة إسرائيل وأمريكا. (CNN العربية 27/6/2021)

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2021/06/27/israeli-fm-israeli-us-relationship-yair-lapid-blinken

[10] – Matthew Lee and Joseph Krauss: New leaders, New Era: US-Israel Relations reach Crossroads. AP. News, June 20, 2021.

https://apnews.com/article/donald-trump-joe-biden-israel-middle-east-iran-nuclear-fb19a7a5a04b48baf86e658146b3b845

[11] – Dov Waxman & Jeremy Pressman

[12] – US discreetly pressing Israel to ease off Settlement Construction – Report. The Times of Israel, Oct. 7, 2021.

https://www.timesofisrael.com/us-discreetly-pressing-israel-to-ease-off-settlement-construction-report/

[13] – גקי חורי ויהונתן ליס: מקורות ברשות, ארה”ב עדכנה כי הקונסוליה בירושלים תיפתח לאחר אישור התקציב בכנסת. (הארץ 3 / 10 / 2021) https://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.10260485

[14] – סקר דיירקט פולס: 35 מנדטים לליכוד, 4 מנדטים למפלגת ימינה. (ערוץ 7 4 / 10 / 2021) https://www.inn.co.il/news/527425

[15] – برهوم جرايسي: مائة يوم على حكومة بينيت – لبيد.. ثبات مرحلي وحزب “يمينا” أمام مستقبل ضبابي. المشهد الإسرائيلي 28/ 9/ 2021.

https://www.al-ayyam.ps/files/server/Appendixes/AlMashhad/2021/AlMashhad_28-09-2021.pdf

[16] – US discreetly pressing Israel to ease off Settlement Construction – Report.

[17] – Y. Katz & L. Harkov: Biden Administration ups Pressure on Israel to crack down on China. The Jerusalem Post, Oct.7, 2021.

https://www.jpost.com/israel-news/biden-administration-ups-pressure-on-israel-to-crack-down-on-china-681379

[18] – Mercy A. Kuo: The China Challenge in Israel-US Relations, Insight from Gedaliah Afterman. The Diplomat, Aug 23, 2021.

https://thediplomat.com/2021/08/the-china-challenge-in-israel-us-relations/

[19] – Ibid