مقدمة

لا يمكنا البدء من نقطة ظهور الوباء في 2019 من دون النظر بتفحص إلى حالة الاقتصاد قبل ذلك بقليل، وعلى الأقل اتجاهه العام، والذي كان متأثرا بمحددين رئيسين: التنافس بين القوة الصينية الصاعدة والقوة الأمريكية الاقتصادية المهيمنة، وانكماش الاقتصاد العالمي الذي مازال يعاني من آثار أزمة 2008، والتباطؤ الملحوظ في النمو حتى من قبل هذه الأزمة التي جاءت لتسرع من وتيرة هذا التباطوء وتزيد من سيناريوهاته غير المفضلة.

فمنذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ظهرت مجموعة تغيرات جوهرية على شكل الاقتصاد العالمي، حيث مثلت الصين ثاني أهم منتج ومستهلك في العالم بعد الولايات المتحدة؛ بل زادت نسبة الاستهلاك المحلي للمنتجات النهائية داخل الصين وقلة نسبة التصدير- وإن بقيت بالطبع نسبة كبيرة– لكي تتحول الصين ليس فقط مصنعاً للعالم ولكن أيضا كقوة استهلاكية قادرة على توجيه ماذا يريد هذا العالم أن يستهلك.

هذه التغيرات لا تشير بقوة إلى مكانة الصين في التجارة والنمو الدوليين فحسب، ولكنها بدأت تظهر الصين في مظهر القوة الاقتصادية المتطلعة للهيمنة، خصوصا بعد حادثة سيطرة الصين على ميناء “هامبانتونتا” في سيرلانكا بعقد إدارة لمدة 99 عام، مقابل ديون مستحقة لمشروعات صينية في هذه البلد الاستراتيجي الواقع على المشروع الصيني الأكبر عالميا والتي تروج له تحت اسم طريق الحرير الجديد، وبدى أن الصين تخفي مخطط يتجاوز مفهوم مصنع العالم، وزاد من ذلك تسارع مركز الصين كقوة منتجة للتقنيات المتطورة والحساسة الأمر الذي يتخطى بالتأكيد مفهوم العامل الماهر إلى مفهوم القائد الموجه، وفي ذات الوقت اتخذ الاقتصاد القوى المسيطرة منحنى هابط في العموم، ولم تظهر جائحة كورونا إلا وقد وصلت معدلات الفائدة إلى انخفاضات قياسية عالميا، وهو ما يطرح الكثير من الأسئلة حول ما هي السياسات المتاحة بالأساس لدى صناع السياسة الاقتصادية للتعامل مع هذه الجائحة وهذا الركود الذي يلوح في الأفق.

لذلك كان لا بد أن تتحرك الدول المسيطرة على الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها الولايات المتحدة لضبط واحتواء هذا الخلل الذي تعانيه في مقابل النمو الصيني والذي احتوى على مبدأين:

  1. مبدأ توزيع مخاطر التصنيع عن طريق إعادة رسم خطوط الإنتاج وسلاسل التوريد بعيداً عن الصين، خاصة لدول مثل الهند، تركيا، البرازيل، إندونيسيا، ماليزيا، وهي الدول التي تمتلك عمالة رخيصة وماهرة قادرة على توطين بديل للصناعات المهاجرة خارج الصين، ويقوم هذا المبدأ بالأساس على أن تركيز الصناعة في مكان واحد خطر يهدد استقرار إمداد المنتجات عالميا.
  2. مبدأ توزيع القدرة الشرائية لعدد من الدول خاصة التي تمتلك إمكانات بشرية كبيرة لتقليل معدلات الهجرة وعدم الاستقرار، من جهة وموازنة التموضع الصيني من جهة أخرى.

أثر جائحة كورنا على مشكلات الاقتصاد العالمي

مما لا شك فيه أن الأوبئة تاريخيا تحدث أثراً كبيراً على الاقتصاد والسياسة، لكن من المهم أن ندرك أنها مجرد عامل مساعد وليست العامل الوحيد لهذا التغير، فعلى سبيل المثال، لقد كان الطاعون الأسود مواكبا لحركة الكشوف الجغرافية وظهور الدولة القومية، كما أن هذا الطاعون لعب دورا مؤثرا في إنهاء طريق الحرير القديم، نتيجة لانتشار المرض من الصين عبر التجارة إلى أوروبا.

يؤثر الوباء على الاقتصاد في ثلاثة محاور، تشكل العلاقة الداخلية بين مكوناته وهي العرض والطلب، علاوة على العمليات اللوجستية التي تمثل خطوط الإنتاج والتجارة البينية سواء من أجل الاستهلاك أو إضافة قيمة عبر عمليات الصناعة والتجارة والتطوير، وقد أثر هذا الوباء العالمي على كافة هذه المحاور، وإن اختلف تأثيره باختلاف حجم كل اقتصاد وشكل القطاعات داخله.

أولا: التأثير على جانب العرض

تأثر جانب العرض والمتمثل في الإنتاج تأثراً شديداً بسبب سياسات العزل التي انتهجتها الدول المتقدمة بشكل عام، حتى أننا رأينا لأول مرة -ولفترة محدودة- الإنتاج الصيني ينخفض لما دون مستوى الإنتاج الأمريكي في شهر فبراير 2020، ويجب أن نلاحظ أن هناك بعض القطاعات الإنتاجية ذات تأثير أكبر من غيرها، وتأتي صناعة السلع على رأس هذه القطاعات، ثم الخدمات المالية، وأخيراً قطاع الخدمات عموما.

ثانيا: التأثير على جاب الطلب

يعد جانب الطلب هو الاكثر هشاشة لارتباطه بالاستهلاك الفردي، والقدرة الشرائية الحقيقية للأفراد، ويعد التأثير الأكبر للأوبئة عموماً، ومنها كورونا المستجد، هو التأثير النفسي على الأفراد، وظهر ذلك على بقوة على تصورات الأفراد حول احتمالات الوفاة أو استمرار الأزمة، وينعكس ذلك بقوه على تسييل الاستثمارات، ومن ثم انهيار البورصات، وهو ما يضع تحديات أمام أساليب التحفيز التقليدية.

ثالثا: التأثير على جانب الإمداد والتجارة

لعل هذا الجانب هو الأكثر حساسية والأكثر تعبيراً عن معضلة الاقتصاد في مثل هذه الظروف، فحركة المنتجات الخام، أو نصف المصنعة أو المصنعة بين دولة وأخرى هو الجزء الأكثر حيوية في العمل الاقتصادي؛ لكننا نرى كيف أنه الأكثر هشاشة حيث كان الأسرع في التأثر بهذا الظرف حتى أن المصانع توقفت في الكثير من الدول لا لأسباب حظر التجوال والتباعد الاجتماعي فقط، ولكن توقف حركة الشحن والتجارة بين الدول، بل هناك الكثير من السياسيين الذين يتحدثون الآن عن إعادة التفاوض حول العقود والاتفاقات التجارية.

رابعا: التأثير على القطاع المالي والمصرفي

لعل إفراد هذا القطاع بنظرة أكثر عمقا يعود إلى أن الأدوات المالية تعتبر هي الأدوات الأكثر استخداما للتعافي من آخر كساد عالمي شهده العالم، وحقيقة فإن المدرسة الكنزية هي الوحيدة المجربة في هذا السياق والتي أعطت نتائج ملموسة في خروج الولايات المتحدة من الكساد العظيم في الثلاثينات ومن ثم تبعها العالم؛ إلا أننا نواجه احتمال كساد من نوع جديد، سبقته معدلات فائدة اقتربت من الصفر، ومن ثم فلا مجال لتخفيض سعر الفائدة، بالإضافة إلى اعتماد متبادل بين الدول في شكل مدخلات صناعية تقوم عليها الصناعة في كل بلد، يصاحب ذلك إجراءات إغلاق لا يمكن التنبؤ بآثار تخفيفها مسبقا.

خامسا: سوق الاقتراض الدولي

خريطة دول العالم مؤشرة بحسب نسبة الديون العامة للناتج القومي الإجمالي في العام 2015 (IMF)

تظهر خريطة الاقتراض الدولي كما بالشكل الدول ذات اللون الأخضر، وعلى الجهة المقابلة الدول ذات اللون الأحمر وتتحرك الديون عادة من الدول الخضراء إلى الدول الحمراء عبر وسطاء ماليين دوليين يقومون بشراء وتداول هذه الديون، ومن الجدير بالذكر أن الصين واليابان هما أكبر مقُرض للولايات المتحدة، والحقيقة أن هذه الأزمة سوف تزيد من احتياج الدول للاقتراض خاصة الدول ذات الاقتصاديات المتقدمة، وهذا لا يعني أن الدول النامية أو الأكثر فقراً لن تكون في احتياج للديون ولكن قدرة تلك الأخيرة على المنافسة أقل من تلك الدول التي تتمتع بملاءة مالية عالية كالدول الصناعية الكبرى، وتقدر بعض الدراسات أن الولايات المتحدة نفسها قد تستدين ما يقدر بناتجها الإجمالي ككل مما يرفع نسبة الديون لديها إلى 200% في العقدين القادمين وكأثر متوقع لهذه الجائحة.

وهنا يطرح السؤال نفسه، ما هو الضامن لهذا التدفق وفي هذا الاتجاه تحديداً في ظل زيادة المنافسة العالمية على الديون، وتعثر الكثير من الدول التي تعتبر مصدراً رئيسيا للأموال لأسباب تتعلق بأزمة كورونا بصورة مباشرة أو غير مباشرة كما هو الحال مع دول الخليج؟ وهذا ما ينقلنا إلى الآثار الخاصة بالمنطقة العربية.

الآثار الاقتصادية للجائحة على المنطقة العربية

تتأثر الدول بما يحدث في الاقتصاد العالمي بحسب عدد من العوامل، لعل أهمها مدى ارتباط اقتصادها المحلي بالاقتصاديات الأخرى ذات الوزن في الاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل لكل دولة وزنا نسبيا مختلفا، وهذه الارتباط يأخذ عديد من الصور لعل أبسطها تصدير المواد الخام، واستيراد المواد المصنعة، مما يؤدي إلى حالة تعرف بالتبعية الاقتصادية.

وبالتالي فإنه من المتوقع أن تؤثر الأزمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة فيروس كورونا المستجد بشدة على الاقتصاديات العربية نتيجة عوامل ثلاثة:

أولا: ارتباط هذه الاقتصاديات الوثيق بالاقتصاد الدولي،  إذ تقسم الدول العربية بشكل عام إلى قسمين، أولا الدول القائمة على تصدير المواد الخام وخاصة النفط للإنفاق من ريع هذا التصدير على المؤسسات العامة، وثانيا الدول القائمة على تقديم بعض الخدمات التي تعود بعائد شبه ريعي تستطيع الدولة من خلاله القيام بالإنفاق على المؤسسات العامة؛ فعلى سبيل المثال تمثل السياحة مصدراً أساسا في الناتج المحلي الإجمالي في كل من مصر بنسبة 15% والأردن بنسبة 14% وتونس بنسبة 12% والمغرب بنسبة 8%؛ فإذا أضفنا أن هذه النسب تمثل رقما  حاكما في الدخل من النقد الأجنبي تظهر مدى اعتماد هذه الدول على السياحة.

أما الدول المصدرة للمواد الخام، فإن التباطوء العالمي صاحبه انخفاض في أسعار النفط والمواد الخام بصورة مستمرة، انتهت بما يشبه الحرب بين المنتجين ليصل برميل النفط إلى حوالي 25 دولار للبرميل، وفي ظل عدم وجود بدائل حقيقية، يضغط هذا الواقع في اتجاه زيادة الإنتاج لتعويض النقص في الإيرادات مما يفاقم الأزمة أكثر مع الزمن في ظل ثبات بل قد نقول تناقص الطلب على هذا المنتج.

ثانيا: عدم الاستقرار السياسي الذي تمر به المنطقة العربية، فكما أسلفنا في هذا التقرير فإن جائحة فيروس كورونا المستجد خرج إلى العالم في لحظة ضعف اقتصادي، وكذلك هذه المنطقة العربية انتقل إليها الوباء وهي في لحظة تغير وتشكل كبير، حيث لا يحظى أي محور من محاور القوى الإقليمية فيه بأدنى شكل من أشكال الاستقرار، فمن الجنوب في السودان اندلعت الانتفاضة الشعبية في 2019 لكي تكمل دائرة الانتفاض العر بي الذي بدأ في تونس في العام 2011، وتنتقل بعدها إلى الجزائر والعراق ولبنان، علاوة على استمرار تداعيات الموجة الأولى في الحروب الأهلية بسوريا وليبيا واليمن، ولا جدال أن هذه الحالة من عدم الاستقرار تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال المحلية وعزوف رؤوس الأموال الأجنبية عن الاستثمار.

ثالثا: نقص الغذاء، إذ تستورد الدول العربية 65 % من احتياجاتها من القمح كما يصل إنفاقها إلى 110 مليار دولار على الواردات الغذائية، وفي ظل تباطوء سلاسل إنتاج الغذاء ونقله وتوزيعه قد يحدث نقص في الغذاء في المنطقة، ويزيد من حدة هذا الاحتمال الزيادة المتوقعة في أعداد الفقراء إذ تشير التقديرات إلى احتمالية تحرك 8.3 مليون شخص إضافيين إلى ما دون خط الفقر العالمي، وسيصل عدد من هم في حاجة إلى مساعدات إنسانية إلى 55 مليون شخص.

وبالمحصلة، فإنه نتيجة لتباطوء الاقتصاد الدولي، وللانخفاض الحاد في أسعار النفط، تشير التقديرات الأولية للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) التابعة للأمم المتحدة إلى أن خسائر المنطقة العربية خلال 2020 سيبلغ 42 مليار دولار، كما يتوقع فقدان 1.7 مليون وظيفة خلال هذا العام، وانخفاض الصادرات بما يقدر 28 مليار دولار منها 11 مليار صادرات نفطية، وسوف تخسر الحكومات إيرادات جمركية تقدر 1.8 مليار دولار.

خاتمة

مازال من المبكر الحديث عن التبعات الاقتصادية وحجم الخسائر التي ستخلفها أزمة جائحة كورونا، كما أن هناك العديد من العوامل التي قد تؤثر في تحديد مسار السيناريوهات المتوقعة لهذه الأزمة العالمية، لكن يمكن أن نشير إلى أهم هذه العوامل، وهي:

  1. المدى الزمني والمعامل العددي لعدد الإصابات والوفيات الحقيقية لهذه الجائحة.
  2. السياسات المتخذة تجاه الحماية الذاتية للسكان والاقتصاد في الدول المتقدمة.
  3. السياسات المتخذة تجاه الاتفاقات التجارية والتعاقدات الخاصة بالتوريد.
  4. حجم الطلب العالمي على الديون.
  5. حدة الصراعات المحلية والإقليمية والاستقرار الدولي.