تنزيل الـ PDF

ترك ستريم: الآثار الجيوسياسية والآفاق المستقبلية

[box type=”shadow” align=”” class=”” width=””]الخلاصة: لقد بدأ الآن تشغيل خط أنابيب تُرك ستريم الذي يمثل العمود الفقري للتعاون الروسي التركي في مجال الطاقة. حيث تمكنت روسيا عن طريق خط أنابيب الغاز الجديد من إنشاء طريق تصدير بديل إلى الاتحاد الأوروبي، بينما خطت تركيا خطوة إضافية نحو أن تصبح قوة إقليمية في مجال الطاقة. إلا أن تأثير تُرك ستريم على السوق سيكون محدوداً. كما تواجه روسيا منافسة شديدة في تركيا وجنوب شرق أوروبا على حد سواء، حيث تستثمر الدول المحلية في تنويع الإمدادات الخارجية. إن الصعوبات الاقتصادية تقلل من الطلب على الطاقة وتعزز من نفوذ المستهلكين على حساب المنتجين. كما أن الزيادة في واردات الغاز الطبيعي الـمُسال والتقدم المـُحرَز في ممر الغاز الجنوبي الذي يربط تركيا والبلقان ببحر قزوين يؤديان بالمثل إلى تغيير قواعد اللعبة والمساهمة في التكامل الإقليمي.[/box]

 في 8 يناير/ كانون الثاني 2020 افتتح الرئيسان فلاديمير  بوتين ورجب طيب أردوغان رسمياً خط أنابيب الغاز الطبيعي تُرك ستريم في إسطنبول، كما شارك في حفل الافتتاح رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف والرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش. ويُعد خط أنابيب ترك ستريم إنجازاً تاريخياً؛ فهو أولاً يقوي الروابط الاقتصادية بين روسيا وتركيا في فترة تشهد خلافاً بينهما في ليبيا وشمال غرب سوريا. وفي الواقع، فلقد كان أمام خط الأنابيب العابر للبحر الأسود العديد من العقبات التي يجب تخطيها للوصول إلى هذه النقطة منذ أن اقترحه بوتين في ديسمبر/ كانون الأول 2014، ثم توقف العمل في ترك ستريم خلال أزمة العلاقات الروسية التركية الناتجة عن إسقاط طائرة روسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، ثم استُؤنِف بعد ذلك بمجرد عودة العلاقات لطبيعتها في أغسطس/ آب 2016[1]،=. ثانياً يضيف خط ترك ستريم إلى النفوذ الجيوسياسي لموسكو أنه يخلق طريق تصدير آخر بعيداً عن أوكرانيا، فمنذ بداية عام 2020 انخفض حجم الغاز المنقول عبر الجارة الجنوبية الغربية لروسيا بنسبة هائلة بلغت 40%[2]. أخيراً وليس آخراً، يُقرب خط الأنابيب الجديد تركيا خطوة تجاه تحقيق طموحها الذي طال أمده في التحول من مستهلك رئيس للغاز إلى دولة ناقلة له، وربما وسيط في تجارة الطاقة بين أوروبا وآسيا.

يبحث هذا التقرير في التأثيرات السياسية والاقتصادية لخط أنابيب تُرك ستريم على تركيا وجيرانها في جنوب شرق أوروبا، ويدفع بأن تمديد الخط إلى البلقان وأوروبا الوسطى سيواجه المزيد من التأخير، وفي الوقت ذاته ستفقد روسيا حصتها السوقية في تركيا وكذلك في اليونان وبلغاريا إلى جانب بعض دول غرب البلقان. إن الجهود المبذولة لتنويع مصادر الغاز وتعزيز الترابط على المستوى الإقليمي وتحديث البنية التحتية تُغير قواعد اللعبة بالفعل على الرغم من أن الانكماش الاقتصادي في أعقاب جائحة كوفيد-19 سيبطئ بالتأكيد المشاريع العابرة للحدود.

ما هو ترك ستريم؟

خط أنابيب ترك ستريم هو تكرار لخط أنابيب ساوث ستريم، وهو مشروع تقدمت به روسيا منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حتى عام 2014، وقد هدفت شركة Gazprom بشراكة مع شركات أوروبية كبرى مثل ENI الإيطالية و Electricité de France الفرنسية- هدفت إلى إنشاء خط أنابيب يمتد من ميناء أنابا على البحر الأسود في الاتحاد الروسي وصولاً إلى مدينة فارنا البلغارية، ومنها يصل خط ساوث ستريم براً إلى النمسا عابراً بلغاريا وصربيا والمجر. وانتهى المطاف بإلغاء روسيا للمشروع بسبب نزاع طال أمده مع المفوضية الأوروبية حول القواعد المعمول بها؛ حيث أصرت بروكسل على امتلاك Gazprom لحصة كبيرة واستبعاد المنافسين من استخدام خط الأنابيب، وأدى تقليص العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم في مارس/ اذار 2014 إلى القضاء على الجهود المبذولة للوصول إلى حل توافقي، واتهم بوتين بلغاريا بالانسحاب من مبادرة ساوث ستريم تحت ضغط غربي[3].

ومع تجميد مشروع خط أنابيب ساوث ستريم فعلياً حولت روسيا وجهتها إلى تركيا كبديل، وكانت النتيجة هي خط ترك ستريم، وهو نسخة مخففة من سلفه. حيث تبلغ كمية الغاز المنقولة عبر خط ترك ستريم سنوياً 31.5 مليار متر مكعب، وهذا يمثل نصف الكمية المتوقعة لخط ساوث ستريم، ويمتد ترك ستريم من مدينة أنابا إلى مدينة كييكوي في محافظة قرقلر ايلي بشمال غرب تركيا، وهو يتكون من خطين متوازيين، تم تصميم الخط الأول بحيث ينقل 15.75 مليار متر مكعب سنوياً للسوق التركية، وهو من الناحية العملية ينقل ما تلقته تركيا منذ عام 1988 من ما يسمى بالطريق الغربي، وهو خط الأنابيب العابر للبلقان الذي يمر بأوكرانيا ومولدوفا ورومانيا وبلغاريا (انظر الخريطة 1)، أما الخط الثاني فهو خاص بالبلقان وأوروبا الوسطى[4].

Picturce1

الخريطة 1: خطوط الأنابيب في تركيا وجنوب شرق أوروبا. المصدر:
Congressional Research Service, U.S.

يعمل خط الأنابيب في الوقت الحالي وصولاً إلى مدينة مالكوكلار على الحدود التركية البلغارية، وأفادت شركة Gazprom في 1 يناير/ كانون الثاني 2020 ببدء عمليات النقل الفعلية بمتوسط حوالي 1 مليار متر مكعب في الشهر، وقد ذهب أكثر من نصف الكمية في يناير/ كانون الثاني إلى شركة BOTAS المملوكة للدولة التركية والعديد من الشركات الخاصة التي تستورد الغاز الروسي إلى تركيا، وذهب الباقي إلى بلغاريا واليونان ومقدونيا الشمالية، في حين لا يمكن في الوقت الحالي النقل إلى صربيا والمجر لأنه لم يتم توصيل الشبكتين البلغارية والصربية بعد، وبالتالي فإن خط أنابيب ترك ستريم لا يزال غير مستخدم بكامل طاقته، وحتى الخط الأول الذي يخدم اسطنبول ومنطقة مرمرة لا يعمل بكامل طاقته بعد، مع أن الطلب على الغاز في تركيا يتقلص، ومن الممكن أن يتناقص بدرجة أكبر، وهذا ما سنناقشه لاحقاً في هذه الورقة. وهذا يؤدي أيضاً إلى خفض الكميات التي يتم نقلها عبر خط الأنابيب بلو ستريم، وهو أول خط أنابيب في البحر الأسود ويصل إلى أنقرة ووسط الأناضول، وقد انتهت روسيا من إنشائه في عام 2005.

يقدم خط أنابيب ترك ستريم بعض المزايا: لقد حققت شركة Gazprom هدفها في الوصول إلى السوق التركية مباشرةً دون الحاجة إلى التعامل مع الدول الواقعة بينهما، أما تركيا فقد أصبحت لديها القدرة المادية على استقبال الغاز الروسي ونقله إلى الاتحاد الأوروبي، وهذ يعطيها -من الناحية النظرية على الأقل- نفوذاً أمام أوروبا وروسيا على حد سواء.

نظرة سريعة على خط أنابيب بلقان ستريم

 كان من السهل توقع وجود بوريسوف وفوتشيتش في اسطنبول يوم 8 يناير/ كانون الثاني، إذ تمثل بلغاريا وصربيا أهمية حاسمة لتنفيذ المرحلة الثانية من خط ترك ستريم (المعروفة أيضاً باسم بلقان ستريم) من الحدود التركية البلغارية إلى مدينة بومغارتن مركز تجميع وتوزيع الغاز والقريبة من العاصمة النمساوية فيينا؛ لذا تم تصميم خط أنابيب ترك ستريم 2/ بلقان ستريم للوصول إلى وسط أوروبا حيث يكون الطلب على الغاز مرتفعاً. كما أن خط الأنابيب سيؤدي إلى ترسيخ هيمنة الشركة الروسية على معظم جنوب شرق أوروبا، وهذا يشمل صربيا وبلغاريا؛ حيث تمارس Gazprom احتكاراً فعلياً كمورد أوحد للغاز، وعلى الجانب الآخر تنظر بلغراد وصوفيا إلى المشاريع الروسية كوسيلة لخلق فرص للعمل والاستثمار في الاقتصادات المحلية، فعلى سبيل المثال كانت الرواية السائدة حول خط أنابيب ساوث ستريم الذي تم تعطيله هي أن دولاً أوروبية كبيرة وكذلك الولايات المتحدة قد ألغته بالإجبار، ونتيجة لذلك عانت منطقة البلقان من خسارة الإيرادات المحتملة لرسوم العبور إلى جانب فقدان مزايا اقتصادية أخرى، وعلى النقيض من ذلك أحرزت المشاريع الروسية في أوروبا الغربية مثل خط أنابيب نوردستريم أحرزت تقدماً على هذا الجانب، ولذلك تم الترحيب بخط أنابيب ترك/بلقان ستريم، وخاصة من قبل المعلقين المؤيدين للكرملين، باعتباره فرصة للحصول على تعويض جزئي، وكذلك كفرصة لإعادة العلاقات مع روسيا.

لقد واجه خط أنابيب بلقان ستريم عقبات منذ اللحظة الأولى؛ حيث لم توقع شركة Bulgartransgaz المشغلة لشبكة الغاز البلغارية على عقد الإنشاء سوى في أواخر سبتمبر/ أيلول 2019، وقد أدت معركة قانونية طويلة مع تحالف أركاد للهندسة والإنشاءات بقيادة السعودية -والذي فاز بالمناقصة بقيمة 1.1 مليار يورو[5]– إلى إيقاف العمل، كما ألقى بوتين في اجتماع مع الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (في 4 ديسمبر/ كانون الأول) ألقى باللوم  على الجانب البلغاري لتأخيره المشروع عمداً، لكن خلال حفل الافتتاح في اسطنبول (8 يناير/ كانون الثاني 2020) أكد بوريسوف للرئيس الروسي‏ أن الخط الممتد لمسافة 474 كم سيكون جاهزاً للعمل في يونيو/ حزيران، إلا أن أزمة جائحة كوفيد-19 أدت إلى المزيد من التأخير في الموعد المستهدف، ففي مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف حددت وزيرة الخارجية البلغارية إيكاترينا زاهاريفا نهاية عام 2020 كموعد نهائي للانتهاء من العمل[6]، وفي الوقت ذاته تؤكد السلطات في بلغراد أن أعمال الإنشاء في صربيا قد اكتملت ويمكن الآن نقل الغاز الروسي إلى الحدود المجرية بمجرد انتهاء بلغاريا من إنشاء الجزء المار بأراضيها من خط الأنابيب.

هناك فارق رئيس بين الدولتين فيما يتعلق بخط أنابيب بلقان ستريم؛ ففي صربيا يُعد خط الأنابيب مملوكاً لشركة مساهمة، حيث تسيطر شركة Gazprom على 51% من الأسهم بينما تسيطر شركة Srbijagas المملوكة للدولة على نسبة 49%، ولكن الأمر مختلف في بلغاريا بسبب قوانين مكافحة الاحتكار الخاصة بالاتحاد الأوروبي- فالجزء البلغاري من الخط مملوك لشركة Bulgartransgaz المشغلة لشبكة الغاز في البلاد ومن أجل الامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي- يتعين على شركة Gazprom تقديم عطاء للحصول على حصة في مواجهة الشركات المنافسة، ولهذا السبب تؤكد الحكومة البلغارية على أن خط أنابيب بلقان ستريم متوافق مع سياسة الاتحاد لتعزيز أمن الطاقة من خلال تنويع الإمدادات، حيث من الممكن استخدام خط الأنابيب لنقل الغاز من مصادر أخرى مثل أذربيجان أو الغاز الطبيعي المسال القادم من اليونان أو تركيا أو إيران أو العراق أو غيرها من الدول المنتجة في الشرق الأوسط إلخ، وقد دعا رئيس الوزراء بوريسوف إلى خطط لإنشاء مركز لتجارة الغاز في بلغاريا ملتمساً التمويل من المفوضية الأوروبية، لكن فرصة حدوث هذا ضئيلة؛ ففي الوقت الحالي لا يفيد خط أنابيب بلقان ستريم سوى شركة Gazprom بشكل حصري تقريباً، حيث لا توجد شركات غاز كبيرة مهتمة بالحصول على حصة، وفي الوقت نفسه تقع المخاطر المالية على شركة Bulgartransgaz التي جمعت 200 مليون يورو للتعاقد مع مجموعة أركاد[7].

أسواق الغاز المتقلبة

على الرغم من أن خط أنابيب ترك ستريم يمثل ضربة موفقة لدبلوماسية الطاقة الروسية، إلا أن تأثيره الاقتصادي أقل بكثير، فقد أصبحت سوق الغاز في تركيا وجوارها في جنوب شرق أوروبا تنافسية على نحو متزايد مع تناقص حصة Gazprom بالفعل، ففي عام 2018 استوردت تركيا 23.6 مليار متر مكعب من الغاز من روسيا و 7.9 مليار متر مكعب من إيران و 7.5 مليار متر مكعب من أذربيجان، بينما شكل الغاز الطبيعي المسال النسبة المتبقية المقدرة بـ 22.5%[8]، لكن في عام 2019 انخفضت الواردات من روسيا بأكثر من الثلث إلى 15.51 مليار متر مكعب[9]، ويمكن ملاحظة نفس هذا الاتجاه في جنوب شرق أوروبا؛ حيث انخفضت واردات اليونان من روسيا خلال النصف الأول من العام بمقدار الربع مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2018[10]، وبشكل عام انخفضت شحنات Gazprom إلى تركيا وجيرانها من 19.5 إلى 14.2 مليار متر مكعب، وهذا يمثل نسبة 27%[11].

هناك العديد من الأسباب الكامنة وراء فقدان روسيا لسيطرتها على الأسواق المحلية: أولاً: يتناقص الطلب على الغاز في تركيا التي تمثل أكبر سوق في المنطقة مع تعثر اقتصادها، ففي عام 2019 انخفض إجمالي وارداتها من 50.3 مليار متر مكعب إلى 45.2 مليار متر مكعب، ومن المرجح أن يستمر اتجاه الهبوط هذا في عام 2020، وقد شهد استهلاك تركيا وجيرانها للغاز انخفاضاً حاداً منذ مارس/ اذار عندما ضربتهم جائحة كوفيد-19، على سبيل المثال أعلنت جمعية منتجي الكهرباء في تركيا عن انخفاض انتاج الكهرباء بنسبة 20٪ في محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي في شهر أبريل/ نيسان[12].

ثانياً: أثبت الغاز الطبيعي المسال أنه قادر على تغيير قواعد اللعبة، وقد قفزت واردات الغاز الطبيعي المسال من 22% من إجمالي حجم الواردات في 2018 إلى 28.3% في 2019، ومن منظور أطول ارتفعت مشتريات الغاز الطبيعي المسال من 6.1 مليار متر مكعب إلى 12.7 مليار متر مكعب بين عامي 2013 و 2019[13]، وتتجه الشركة التركية لتجارة النفط والغاز المملوكة للدولة BOTAS  إلى الغاز الطبيعي المسال بسبب انخفاض أسعاره، ولديها عقود توريد طويلة الأجل مع شركة سوناطراك الجزائرية وشركة قطر غاز وشركة NLNG النيجيرية، ولكنها تقوم أيضاً بالشراء في السوق الفورية، وهذا يشمل شركات أمريكية[14].

كما استثمرت تركيا في القدرة على استيراد الغاز الطبيعي المسال؛ فقد دخلت وحدتان عائمتان لتخزين وتغويز الغاز المسال- دخلتا التشغيل في السنوات الأخيرة، واحدة في مدينة الياجا بمقاطعة إزمير (ديسمبر/ كانون الأول 2016) والأخرى قبالة مدينة دورتيول بمحافظة هاتاي، ومن المقرر إنشاء وحدة عائمة ثالثة لتخزين وتغويز الغاز المسال في خليج ساروس ببحر إيجة (تراقيا الشرقية)[15]، وعلاوة على ذلك تقوم تركيا بزيادة قدرتها على تخزين الغاز بهدف الوصول إلى 20٪ من استهلاكها السنوي، ولتوضيح الأمر ببساطة يمكن لشركة BOTAS شراء الغاز عند انخفاض الأسعار لتلبية طلب المنازل ومُنتجي الكهرباء والصناعات خلال فترات ارتفاع الأسعار مثل أشهر الشتاء، وهذا يعني أن Gazprom سوف تفقد حصتها السوقية في تركيا التي تُعد بالنسبة لها ثاني أهم سوق بعد ألمانيا.

إن الغاز الطبيعي المسال آخذ في الانتشار في دول أخرى أيضاً؛ ففي الربع الأخير من عام 2019 تضاعفت واردات اليونان من الغاز الطبيعي المسال ثلاث مرات مقارنة بالفترة نفسها من عام 2018، حيث بلغت 1.2 مليار متر مكعب، كما اشترت الجمهورية اليونانية على مدار العام 2.8 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال مقابل 2.4 مليار متر مكعب من Gazprom[16]. واعتباراً من عام 2019 بدأت شركة DEPA للغاز المملوكة للدولة اليونانية في بيع الغاز الطبيعي المسال إلى شركة Bulgarigaz[17]، كذلك تتعاون اليونان وبلغاريا في مشروع لإنشاء وحدة عائمة لتخزين وتغويز الغاز المسال قبالة ميناء اليكساندروأوبولي في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد، وفي يناير/ كانون الثاني أكدت Bulgartransgaz عزمها على شراء حصة 20% في شركة Gastrade القائمة بالمشروع، والتي تمتلك DEPA حصة 20% منها مع سيطرة شركة Copelouzos على الباقي[18]، كما أبدت شركات من الولايات المتحدة وإسرائيل وقطر والجزائر اهتماماً بالمشروع[19]، ويمكن لوحدة لتخزين وتغويز الغاز المسال العائمة في اليكساندروأوبولي -والتي تبلغ سعتها السنوية 5.5 مليار متر مكعب- أن تخدم السوق الإقليمية الأوسع بفضل خط الأنابيب الرابط بين اليونان وبلغاريا (IGB) الذي يجري إنشاؤه في الوقت الحالي، كما يتمتع المشروعان بدعم سياسي من الولايات المتحدة، وجرت مناقشتهما خلال الاجتماعين اللذين عقدهما دونالد ترامب مع رئيس الوزراء بوريسوف في البيت الأبيض (25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019) ورئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس (7 يناير/ كانون الثاني 2020)[20].

ثالثاً: برزت أذربيجان كمورد منافس لشركة Gazprom في الأسواق في تركيا وجنوب شرق أوروبا، ففي ديسمبر/ كانون الأول 2019 تم افتتاح القسم الأخير من خط الأنابيب العابر للأناضول (TANAP)، وبهذا وصل خط الأنابيب -الذي يخدم السوق التركية منذ منتصف عام 2018- إلى الحدود مع اليونان[21]، وينقل خط الأنابيب العابر للأناضول 16 مليار متر مكعب من حقل شاه دنيز البحري في بحر قزوين، يذهب منها 10 مليارات متر مكعب إلى تركيا (حوالي خُمس وارداتها)، بينما يذهب 6 مليارات متر مكعب إلى جنوب شرق أوروبا وإيطاليا في نهاية المطاف، وعند الحدود اليونانية يتصل خط الأنابيب العابر للأناضول بخط الأنابيب عبر الأدرياتي (TAP) الذي يمر باليونان وألبانيا وينتهي عند ميناء ميليندونيو في مقاطعة ابوليا الجنوبية الإيطالية، وبمجرد أن يبدأ خط الأنابيب عبر الأدرياتي في العمل سيصل غاز بحر قزوين إلى جنوب شرق أوروبا أيضاً، مما يجعل ممر الغاز الجنوبي الذي طالما تمت مناقشته حقيقة، كما أنه لدى كل من شركتي DEPA اليونانية وBulgargaz البلغارية عقود مع اتحاد حقل شاه دنيز، الذي يدعم خطي الأنابيب العابر للأناضول وخط الأنابيب عبر الأدرياتي بمليار متر مكعب في السنة، وهذا يعادل حوالي ثلث الاستهلاك السنوي في بلغاريا وأقل من الربع بقليل في اليونان، كما سيصل غاز بحر قزوين إلى ألبانيا، وإلى بقية دول غرب البلقان في حالة بناء خطوط أنابيب تربط بينها[22].

تبيع أذربيجان بالفعل كميات كبيرة من الغاز في السوق التركية، فعلى سبيل المثال خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى مارس/ اذار 2020 استوردت تركيا منها حوالي 3.57 مليار متر مكعب مقارنة بـ 2.6 مليار متر مكعب في الربع الأول من عام 2019[23]، وترى أنقرة أن هذه الشحنات مهمة لعدة أسباب: أن الروابط المتعلقة بالطاقة تعزز التحالف بين أنقرة وباكو، وهو ما يمثل أولوية لجميع الحكومات التركية منذ أوائل التسعينات، كما أن عقد شركة BOTAS مع اتحاد حقل شاه دنيز لا يحتوي على أي شرط يتعلق بالوجهة، على النقيض من العقود الموقعة مع Gazprom. وهذا يعني أنه يمكن لتركيا إعادة بيع الغاز الذي تشتريه من أذربيجان لعملاء آخرين بشكل قانوني، وهذا مفيد بالنظر إلى هدفها طويل الأمد بأن تصبح مركزاً لتجارة الغاز، وبالتالي الاستفادة من موقعها الجغرافي بين الدول المنتجة للنفط والغاز الطبيعي والدول المستوردة للطاقة .

بالإضافة لما سبق يدفع ممر الغاز الجنوبي التعاون الإقليمي إلى الأمام، فهو يعزز من التكامل السوقي بين تركيا والدول المجاورة لها مثل اليونان وبلغاريا على النقيض من الوضع في شرق البحر الأبيض المتوسط حيث أصبح الغاز مثار خلاف، كما يمكن أيضاً عكس مسار خط أنابيب بلقان ستريم وخط الأنابيب العابر للبلقان لضخ صادرات الغاز من الجنوب إلى الشمال، وهو ما من شأنه إفادة الشركات التركية بالتأكيد[24].

الآفاق المستقبلية

تتمثل المصلحة الاستراتيجية لروسيا في الحفاظ على تركيا كسوق والاستفادة من الروابط المتعلقة بالطاقة من أجل تعزيز نفوذها في السياسات الإقليمية والدولية، وعلى النقيض ترغب تركيا في توسيع المجال المتاح لها للمناورة وتقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين، وينطبق الأمر ذاته على جيرانها في البلقان على الرغم من أن صربيا تختلف بوضوح عن الآخرين فيما يتعلق بتنويع الإمدادات، وبشكل مجمل يقدم الغاز الطبيعي المسال وممر الغاز الجنوبي وسيلة للتحوط من روسيا التي أحرزت بعض التقدم بفضل خط أنابيب ترك ستريم.

ستأتي لحظة الحقيقة عند إعادة التفاوض يشأن عقود التوريد طويلة الأجل التي وقعتها Gazprom مع تركيا خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث ستنتهي الصفقات التي تبلغ قيمتها 8 مليار متر مكعب والموقعة مع شركة BOTAS وأربع شركات خاصة تستخدم ترك ستريم حالياً- ستنتهي بنهاية عام 2021، كما ستنتهي مجموعة كبيرة أخرى من العقود التي تغطي ما