ملخص: إن الحفاظ على خطة العمل الشاملة المشتركة سيكون له دورٌ رئيس في العلاقات بين موسكو وطهران. تبحث روسيا حاليًا خياراتٍ لتعويض التأثير السلبي لقرار ترمب بشأن إيران والمستقبل الهشِّ للاتفاق النووي. وعندما زار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف موسكو في 14 مايو/أيار 2018، كان هدفه هو مناقشة مستقبل الاتفاق النووي الإيراني مع نظيره الروسي سيرغي لافروف. واستغلَّ الوزيران الاجتماعَ لمناقشة الأجندة الأوسع للعلاقات الثنائية بين البلدين، في حين أكَّد ظريف قبل كلِّ شيء أنَّ إيران تنوي بجديَّة مواصلة التعاون الاقتصادي رغم العقوبات الأميركية الجديدة. وقال إنَّ طهران ستعتمد على روسيا كملاذٍ أخير. إذ لا يمكن لموسكو أن تُقِّدم لإيران سوى الدعم الدبلوماسي، وبعض الإجراءات الهامشية للتخفيف من التأثير السلبي للعقوبات الأميركية. وسبب هذا إلى حدٍّ كبير هو الافتقار إلى الإمكانيات الاقتصادية والسياسية لمساعدة إيران، على الرغم من أنَّ موسكو سوف تساعد طهران بالتأكيد في التملُّص من العقوبات إذا استطاعت ذلك. وعلينا أن نتوقَّع إثارة موسكو للكثير من الضجيج دبلوماسيًّا في محاولةٍ لتعبئة المجتمع الدولي ضد الولايات المتحدة. ومن ناحيةٍ أخرى، اختارت الشركات الروسية حاليًا الانتظار والترقُّب.

مقدمة

حتى مايو/أيار 2018، كانت الاستراتيجية الروسية للتعاون الاقتصادي مع إيران تستند إلى مبدأ الصبر. افترضت موسكو أنَّه لا ينبغي لها أن تستعجل التعامل مع إيران. وبدلًا من ذلك، عمل الكرملين بعناية على إرساء أرضيةٍ صلبة للتعاون مع طهران. ومع ذلك، فإنَّ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، وإعادة فرض العقوبات القديمة على إيران، وفرض عقوباتٍ جديدة قد يغيِّر بعض استراتيجيات موسكو.

كان وضع العلاقات مع إيران قبل مايو/أيار 2018 ملائمًا تمامًا للمصالح الروسية. إذ كانت طهران محاصرةً ببقايا نظام العقوبات الذي امتدَّ من عام 2010 إلى عام 2015: وهذه العقوبات، بالإضافة إلى تهديدات ترمب بفرض إجراءاتٍ عقابية جديدة على طهران، منعت المستثمرين الغربيين من التعامل مع الاقتصاد الإيراني. إلا أنَّ هذه العقوبات لم تكن عقبةً كبيرة أمام الاستثمارات الروسية. فعلى النقيض من منافسيها الغربيين، كانت الشركات الروسية من بين أوائل الشركات التي تداولت النفط الإيراني بعد توقيع الاتفاق النووي في عام 2015. وتفاوضت جميع شركات النفط والغاز الروسية  الكبرى تقريبًا على المشاركة في مشاريع النفط والغاز الإيرانية. وبحلول مايو/أيار 2018، كان الكرملين واثقًا من أنَّ روسيا لم تكن مقيدةً بعامل الوقت، وأنَّه ليس من الضروري أن تكون روسيا في عجلةٍ من أمرها للتعاون مع إيران، ما منح القيادة الإيرانية بعضَ الوقت لاستيعاب فكرة أنَّه لا يوجد بديل لروسيا. ولم يكن هناك شكٌّ لدى موسكو بأنَّ الاستثمار الروسي يمكن أن يحلَّ محلَّ الاستثمار الغربي بالكامل. بعبارةٍ أخرى، هدفت روسيا إلى الاستثمار في تلك المجالات التي تهتمُّ بها، بدلًا من الاستحواذ على الاقتصاد الإيراني بأكمله. وفي الوقت نفسه، لم يكن الكرملين مهتمًّا بتعزيز نظام العقوبات الأميركية فوق المستويات الحالية. فمن جهة، كانت روسيا قلقةً من أنَّ العقوبات الأميركية الجديدة يمكن أن تؤدِّي جزئيًّا إلى إعادة نظام عقوبات ما قبل 2015، الذي يمكن أن يؤثر سلبًا على اقتصاد إيران، وبالتالي يؤدِّي إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. ومن جهةٍ أخرى، قد تفرض العقوبات الجديدة ضغوطًا على الشركات الروسية المهتمَّة بإيران وتجعلها تسحب استثماراتها منها. ولهذا أظهرت موسكو اهتمامًا واضحًا بضمان تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة وتحفيز إيران على الالتزام بالاتفاق.

ردود الفعل الأوليَّة

مع ذلك،  يبدو بعد التصريحات الأخيرة من ترمب أنَّ هذا السيناريو السلبي قد يصبح حقيقةً. إذ اختلفت نبرة تصريحات المسؤولين الروس والإيرانيين حول آفاق التعاون الثنائي في ظلِّ العقوبات. فبينما يبدو الروس حذرين، فإنَّ الإيرانيين (لأسبابٍ دعائية واضحة) يعلنون بداية عصرٍ جديد للشراكة الروسية-الإيرانية، مدفوعًا بقرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي، ما سيدفع طهران إلى فلك موسكو بالتأكيد[1]. وبهذا يكرِّر الإيرانيون كلمات مهدي سنائي، السفير الإيراني في موسكو، بأنَّ شركات النفط الروسية الكبرى على وشك توقيع عقودٍ جديدة مع إيران. فكما أوضح سنائي، حقَّقت شركتا Rosneft وGazprom الروسيتان تقدمًا جديًّا في المفاوضات مع الجانب الإيراني. وتعتزم شركة Gazprom الاستثمار في تطوير القدرات الإيرانية لإنتاج الغاز الطبيعي المسال. ووقَّعت شركة Rosneft بدورها على خريطة طريقٍ للتعاون مع الشركة الوطنية الإيرانية للنفط، تتضمَّن استثمارات بقيمة 30 مليار دولار في قطاعي النفط والغاز في إيران (يمكن أن يصل إجمالي إنتاج النفط من مشاريع تدشنها شركة Rosneft إلى 55 مليون متر مربع سنويًّا)[2]. ويناقش الجانبان حاليًا التفاصيل الفنية. وزوَّدت شركة Gazprom Neft الجانبَ الإيراني بالخطة التقنية لتطوير حقول نفط Cheshm-e Khosh وShanguleh. وفي أوائل ديسمبر/كانون الأول 2017، قدَّمت المشروع المقترح لتطوير حقل بدرة العراقي وحقل آزار النفطي الإيراني كمجموعة موحَّدة (من الواضح أنَّهأ تأمل بهذا للاستفادة من النوايا الإيرانية لتطوير حقول النفط الحدودية كخطوة أولى).

ومع ذلك، ينبغي ألا  نُصدِّق جميع هذه التصريحات. ففي المقام الأول: تهتمُّ إيران بالتظاهر أمام المجتمع الدولي بأنَّ تصرفات ترامب غير مجدية. ومن خلال الحديث عن خططها لتقترب أكثر من الروس، تحاول طهران اللعب على وتر المخاوف الأميركية، واضعةً في الاعتبار أنَّ صنَّاع السياسة الأميركيين لا يرغبون في رؤية إيران وروسيا يشكِّلان تحالفًا حقيقيًّا تحت ضغط العقوبات. ثانيًا: غالبًا ما تصدر التصريحات الواضحة حول الآفاق المشرقة للتعاون الروسي-الإيراني في ظلِّ العقوبات عن السياسيين الإيرانيين أو الروس الذين لا يتولون المسؤولية المباشرة عن التطوير العملي لهذه العلاقات[3]. في حين أنَّ المسؤولين على النقيض من ذلك غالبًا ما يكونون متواضعين في تصريحاتهم. ومن المحتمل أنَّهم يفهمون أنَّ قرار ترامب لن يساعد في تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين[4]. ثالثًا: من الواضح أنَّ صانعي السياسة ورجال الأعمال الروسيين يُدينون قرار الولايات المتحدة بإعادة فرض العقوبات، لكنَّهم مدفوعون في عددٍ كبير من الحالات بموقفهم الرافض للعقوبات كأداة للضغط السياسي في حدِّ ذاتها، وليس من منطلق التعاطف مع المشاكل الإيرانية. ومن الضروري أن نتذكَّر أنَّ موسكو تعيش أيضًا تحت العقوبات الأميركية، ولا تستطيع أن تلتزم الصمت بشأن مسألة استخدام الولايات المتحدة للعقوبات. وينطبق الأمر نفسه على الشركات الروسية: ففي 25 مايو/ أيار 2018، انتقد إيغور سيتشين، المدير الإداري لشركة Rosneft، بحدَّة قرار الولايات المتحدة باستخدام العقوبات ضد إيران وفنزويلا. ومع ذلك، إذا قرأنا ما بين السطور، فإنَّ خطابه يعكس إلى حدٍّ كبير مخاوفَ الشركات الروسية من العقوبات المفروضة على روسيا[5].

مَنْ سينسحب أولًا؟

من الناحية العملية، يبدو أنَّ رجال الأعمال الروس مستعدون لاعتماد نهج الانتظار والترقُّب، وإذا لزم الأمر التراجع عن الاستثمار في إيران في مجالاتٍ معينة. وكانت هناك بالفعل حالةٌ واحدة مزعومة لانسحاب شركة روسية من إيران تحت تأثير العقوبات الأميركية. ففي مايو/أيار، أعلنت شركة Russko-Blizhnervostochniy Eksportniy Tcentr المملوكة لرجل الأعمال الروسي إيغور تشايكا (نجل النائب العام الروسي يوري تشايكا) قرارها بمغادرة إيران[6]. في السابق، كانت هذه الشركة قد وافقت على بناء مرافق تَحْلية للمياه في إيران. ومع ذلك، تُعتبر حالة تشايكا في الوقت الراهن استثناءً. وكما قال بعض المحللين في السوق، كانت الشركة تواجه مشكلاتٍ في تنفيذ المشروع قبل قرار ترمب، واستخدمت نوايا ترمب في الضغط على إيران كذريعةٍ للانسحاب؛ إذ قالت إنَّ العقوبات الأميركية لم تُرفع نهائيًّا ولم تتمكَّن الشركة من شراء المعدَّات اللازمة لبناء محطات التَّحْلية[7]. وبشكلٍ عام، لا تزال الشركات الروسية مهتمةً بمواصلة جهودها لدخول السوق الإيرانية[8]. ومع ذلك، هناك فهم واضح بأنَّ قرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني جعل هذه المهمَّة أكثر خطورةً وتحديًا. وعلى الرغم من أنَّ الكرملين يحاول طمأنة شركائه الإيرانيين بأنَّه سيواصل العمل مع طهران، فإنَّ الوجود الروسي المستمرَّ في هذا البلد سيعتمد على الأرجح على عاملين:

1) سلوك الأوروبيين:

سوف تتطلَّع موسكو لمعرفة ما إذا كان السياسيون الأوروبيون سيؤيدون تصريحاتهم حول استعدادهم لتأمين علاقاتهم مع إيران من الناحية العملية. وفضلًا عن ذلك، ستحاول روسيا حتى حثَّ الأوروبيين على أن يكونوا أكثر حسمًا في مواجهتهم مع الولايات المتحدة بشأن قضية العقوبات. ولهذا أكَّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 10 مايو/أيار 2018 خلال اجتماعٍ مع نظيره الألماني أنَّ قرار ترمب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة كان مُجحفًا للمشاركين الآخرين في الاتفاق؛ لأنَّه لم يأخذ مصالحهم الاقتصادية بعين الاعتبار[9].

2) تصميم ترمب على إعادة فرض العقوبات واتخاذ إجراءات جديدة ضد إيران:

لا تملك موسكو تقريبًا أيَّ تأثيرٍ يُذكَر على سلوك الولايات المتحدة (إن لم يكن تأثيرها معدومًا). وأُقِرَّ بذلك رسميًّا في أوائل مايو/أيار؛ إذ صرَّح لافروف بأنَّ روسيا لا تستطيع أن تفعل شيئًا حيال العقوبات الجديدة التي سوف يفرضها ترمب[10]. والكرملين أيضًا غير مستعدٍّ للقتال بجديَّة وحده من أجل إيران. وإذا ارتأى أنَّ الوضع لا يتطوَّر لصالح إيران وفشل الأوروبيون في مقاومة الأميركيين بشكلٍ مناسب، سوف تُعلِّق غالبية شركات النفط والغاز الروسية على الأرجح تعاونها مع طهران، أو على الأقل سوف تعيد تقييم استراتيجياتها في إيران. إلا أنَّ ذلك لن يعني وقف التعاون بين البلدين تمامًا؛ لأنَّ هذا سيؤدِّي إلى نتائج عكسية فيما يتعلَّق بالروايات السياسية للبلدين، وهو وضع ترغب موسكو في تجنُّبه. وفي أسوأ السيناريوهات (تخلِّي الأوروبيين عن إيران، وفرض الولايات المتحدة مجموعة عقوبات إضافية)، من المحتمل أن يتقلَّص مجال التعاون، وأن يكون محدودًا بعدد المشاريع التي تحميها الحكومة الروسية، أو تلك الناشطة في القطاعات التي لا تغطيها العقوبات مثل بناء محطة بوشهر للطاقة النووية، وبناء محطة كهرباء سيريك، وربما مشاريع شركة السكك الحديدية الروسية (RZD) . وقد تحاول شركات النفط الحكومية أيضًا البقاءَ في إيران، لكن ليس كلها، وربما ستحافظ على تواجدٍ ثانوي في إيران، بأمل تأمين حصتها من السوق الإيراني حتى تتحسَّن الظروف.

وحتى في أسوأ السيناريوهات، لن يكون رحيل الشركات الروسية فوريًّا. ففي معظم الحالات، سوف تفضِّل تجميد وجودها في إيران، وليس إنهاء تواجدها بالكامل. ووقَّعت بالفعل شركة Zarubezhneft عقدًا بشأن تطوير حقلي النفط في إيران، وعلى الأرجح ستفضِّل البقاء. وفي أوائل شهر مايو/أيار، وقَّعت بالفعل اتفاقية أخرى مع شركة Petropars لإجراء دراسات جيولوجية لعددٍ من حقول النفط والغاز[11]. وفي حال نجاحها، فإنَّها سوف تزوِّد الشركة الوطنية الإيرانية للنفط باقتراحاتٍ حول تطوير هذه الحقول. وتتمتَّع شركتا Gazprom وRosneft بالدعم الحكومي، وستحاولان أيضًا تطوير التعاون مع إيران. فضلًا عن ذلك، وكما أثبتت تجربة فنزويلا، فإنَّ تصرفات شركة Rosneft لا يحكمها دائمًا المنطق الاقتصاديُّ، بل توجِّهها الخططُ الجيوستراتيجية لموسكو. وتهتمُّ روسيا حاليًا بإبقاء إيران في دائرة نفوذها. وهذا بدوره قد يجبر Rosneft على البقاء لمساعدة الحكومة