ملخص: إن الحفاظ على خطة العمل الشاملة المشتركة سيكون له دورٌ رئيس في العلاقات بين موسكو وطهران. تبحث روسيا حاليًا خياراتٍ لتعويض التأثير السلبي لقرار ترمب بشأن إيران والمستقبل الهشِّ للاتفاق النووي. وعندما زار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف موسكو في 14 مايو/أيار 2018، كان هدفه هو مناقشة مستقبل الاتفاق النووي الإيراني مع نظيره الروسي سيرغي لافروف. واستغلَّ الوزيران الاجتماعَ لمناقشة الأجندة الأوسع للعلاقات الثنائية بين البلدين، في حين أكَّد ظريف قبل كلِّ شيء أنَّ إيران تنوي بجديَّة مواصلة التعاون الاقتصادي رغم العقوبات الأميركية الجديدة. وقال إنَّ طهران ستعتمد على روسيا كملاذٍ أخير. إذ لا يمكن لموسكو أن تُقِّدم لإيران سوى الدعم الدبلوماسي، وبعض الإجراءات الهامشية للتخفيف من التأثير السلبي للعقوبات الأميركية. وسبب هذا إلى حدٍّ كبير هو الافتقار إلى الإمكانيات الاقتصادية والسياسية لمساعدة إيران، على الرغم من أنَّ موسكو سوف تساعد طهران بالتأكيد في التملُّص من العقوبات إذا استطاعت ذلك. وعلينا أن نتوقَّع إثارة موسكو للكثير من الضجيج دبلوماسيًّا في محاولةٍ لتعبئة المجتمع الدولي ضد الولايات المتحدة. ومن ناحيةٍ أخرى، اختارت الشركات الروسية حاليًا الانتظار والترقُّب.

مقدمة

حتى مايو/أيار 2018، كانت الاستراتيجية الروسية للتعاون الاقتصادي مع إيران تستند إلى مبدأ الصبر. افترضت موسكو أنَّه لا ينبغي لها أن تستعجل التعامل مع إيران. وبدلًا من ذلك، عمل الكرملين بعناية على إرساء أرضيةٍ صلبة للتعاون مع طهران. ومع ذلك، فإنَّ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة، وإعادة فرض العقوبات القديمة على إيران، وفرض عقوباتٍ جديدة قد يغيِّر بعض استراتيجيات موسكو.

كان وضع العلاقات مع إيران قبل مايو/أيار 2018 ملائمًا تمامًا للمصالح الروسية. إذ كانت طهران محاصرةً ببقايا نظام العقوبات الذي امتدَّ من عام 2010 إلى عام 2015: وهذه العقوبات، بالإضافة إلى تهديدات ترمب بفرض إجراءاتٍ عقابية جديدة على طهران، منعت المستثمرين الغربيين من التعامل مع الاقتصاد الإيراني. إلا أنَّ هذه العقوبات لم تكن عقبةً كبيرة أمام الاستثمارات الروسية. فعلى النقيض من منافسيها الغربيين، كانت الشركات الروسية من بين أوائل الشركات التي تداولت النفط الإيراني بعد توقيع الاتفاق النووي في عام 2015. وتفاوضت جميع شركات النفط والغاز الروسية  الكبرى تقريبًا على المشاركة في مشاريع النفط والغاز الإيرانية. وبحلول مايو/أيار 2018، كان الكرملين واثقًا من أنَّ روسيا لم تكن مقيدةً بعامل الوقت، وأنَّه ليس من الضروري أن تكون روسيا في عجلةٍ من أمرها للتعاون مع إيران، ما منح القيادة الإيرانية بعضَ الوقت لاستيعاب فكرة أنَّه لا يوجد بديل لروسيا. ولم يكن هناك شكٌّ لدى موسكو بأنَّ الاستثمار الروسي يمكن أن يحلَّ محلَّ الاستثمار الغربي بالكامل. بعبارةٍ أخرى، هدفت روسيا إلى الاستثمار في تلك المجالات التي تهتمُّ بها، بدلًا من الاستحواذ على الاقتصاد الإيراني بأكمله. وفي الوقت نفسه، لم يكن الكرملين مهتمًّا بتعزيز نظام العقوبات الأميركية فوق المستويات الحالية. فمن جهة، كانت روسيا قلقةً من أنَّ العقوبات الأميركية الجديدة يمكن أن تؤدِّي جزئيًّا إلى إعادة نظام عقوبات ما قبل 2015، الذي يمكن أن يؤثر سلبًا على اقتصاد إيران، وبالتالي يؤدِّي إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. ومن جهةٍ أخرى، قد تفرض العقوبات الجديدة ضغوطًا على الشركات الروسية المهتمَّة بإيران وتجعلها تسحب استثماراتها منها. ولهذا أظهرت موسكو اهتمامًا واضحًا بضمان تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة وتحفيز إيران على الالتزام بالاتفاق.

ردود الفعل الأوليَّة

مع ذلك،  يبدو بعد التصريحات الأخيرة من ترمب أنَّ هذا السيناريو السلبي قد يصبح حقيقةً. إذ اختلفت نبرة تصريحات المسؤولين الروس والإيرانيين حول آفاق التعاون الثنائي في ظلِّ العقوبات. فبينما يبدو الروس حذرين، فإنَّ الإيرانيين (لأسبابٍ دعائية واضحة) يعلنون بداية عصرٍ جديد للشراكة الروسية-الإيرانية، مدفوعًا بقرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي، ما سيدفع طهران إلى فلك موسكو بالتأكيد[1]. وبهذا يكرِّر الإيرانيون كلمات مهدي سنائي، السفير الإيراني في موسكو، بأنَّ شركات النفط الروسية الكبرى على وشك توقيع عقودٍ جديدة مع إيران. فكما أوضح سنائي، حقَّقت شركتا Rosneft وGazprom الروسيتان تقدمًا جديًّا في المفاوضات مع الجانب الإيراني. وتعتزم شركة Gazprom الاستثمار في تطوير القدرات الإيرانية لإنتاج الغاز الطبيعي المسال. ووقَّعت شركة Rosneft بدورها على خريطة طريقٍ للتعاون مع الشركة الوطنية الإيرانية للنفط، تتضمَّن استثمارات بقيمة 30 مليار دولار في قطاعي النفط والغاز في إيران (يمكن أن يصل إجمالي إنتاج النفط من مشاريع تدشنها شركة Rosneft إلى 55 مليون متر مربع سنويًّا)[2]. ويناقش الجانبان حاليًا التفاصيل الفنية. وزوَّدت شركة Gazprom Neft الجانبَ الإيراني بالخطة التقنية لتطوير حقول نفط Cheshm-e Khosh وShanguleh. وفي أوائل ديسمبر/كانون الأول 2017، قدَّمت المشروع المقترح لتطوير حقل بدرة العراقي وحقل آزار النفطي الإيراني كمجموعة موحَّدة (من الواضح أنَّهأ تأمل بهذا للاستفادة من النوايا الإيرانية لتطوير حقول النفط الحدودية كخطوة أولى).

ومع ذلك، ينبغي ألا  نُصدِّق جميع هذه التصريحات. ففي المقام الأول: تهتمُّ إيران بالتظاهر أمام المجتمع الدولي بأنَّ تصرفات ترامب غير مجدية. ومن خلال الحديث عن خططها لتقترب أكثر من الروس، تحاول طهران اللعب على وتر المخاوف الأميركية، واضعةً في الاعتبار أنَّ صنَّاع السياسة الأميركيين لا يرغبون في رؤية إيران وروسيا يشكِّلان تحالفًا حقيقيًّا تحت ضغط العقوبات. ثانيًا: غالبًا ما تصدر التصريحات الواضحة حول الآفاق المشرقة للتعاون الروسي-الإيراني في ظلِّ العقوبات عن السياسيين الإيرانيين أو الروس الذين لا يتولون المسؤولية المباشرة عن التطوير العملي لهذه العلاقات[3]. في حين أنَّ المسؤولين على النقيض من ذلك غالبًا ما يكونون متواضعين في تصريحاتهم. ومن المحتمل أنَّهم يفهمون أنَّ قرار ترامب لن يساعد في تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين[4]. ثالثًا: من الواضح أنَّ صانعي السياسة ورجال الأعمال الروسيين يُدينون قرار الولايات المتحدة بإعادة فرض العقوبات، لكنَّهم مدفوعون في عددٍ كبير من الحالات بموقفهم الرافض للعقوبات كأداة للضغط السياسي في حدِّ ذاتها، وليس من منطلق التعاطف مع المشاكل الإيرانية. ومن الضروري أن نتذكَّر أنَّ موسكو تعيش أيضًا تحت العقوبات الأميركية، ولا تستطيع أن تلتزم الصمت بشأن مسألة استخدام الولايات المتحدة للعقوبات. وينطبق الأمر نفسه على الشركات الروسية: ففي 25 مايو/ أيار 2018، انتقد إيغور سيتشين، المدير الإداري لشركة Rosneft، بحدَّة قرار الولايات المتحدة باستخدام العقوبات ضد إيران وفنزويلا. ومع ذلك، إذا قرأنا ما بين السطور، فإنَّ خطابه يعكس إلى حدٍّ كبير مخاوفَ الشركات الروسية من العقوبات المفروضة على روسيا[5].

مَنْ سينسحب أولًا؟

من الناحية العملية، يبدو أنَّ رجال الأعمال الروس مستعدون لاعتماد نهج الانتظار والترقُّب، وإذا لزم الأمر التراجع عن الاستثمار في إيران في مجالاتٍ معينة. وكانت هناك بالفعل حالةٌ واحدة مزعومة لانسحاب شركة روسية من إيران تحت تأثير العقوبات الأميركية. ففي مايو/أيار، أعلنت شركة Russko-Blizhnervostochniy Eksportniy Tcentr المملوكة لرجل الأعمال الروسي إيغور تشايكا (نجل النائب العام الروسي يوري تشايكا) قرارها بمغادرة إيران[6]. في السابق، كانت هذه الشركة قد وافقت على بناء مرافق تَحْلية للمياه في إيران. ومع ذلك، تُعتبر حالة تشايكا في الوقت الراهن استثناءً. وكما قال بعض المحللين في السوق، كانت الشركة تواجه مشكلاتٍ في تنفيذ المشروع قبل قرار ترمب، واستخدمت نوايا ترمب في الضغط على إيران كذريعةٍ للانسحاب؛ إذ قالت إنَّ العقوبات الأميركية لم تُرفع نهائيًّا ولم تتمكَّن الشركة من شراء المعدَّات اللازمة لبناء محطات التَّحْلية[7]. وبشكلٍ عام، لا تزال الشركات الروسية مهتمةً بمواصلة جهودها لدخول السوق الإيرانية[8]. ومع ذلك، هناك فهم واضح بأنَّ قرار ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني جعل هذه المهمَّة أكثر خطورةً وتحديًا. وعلى الرغم من أنَّ الكرملين يحاول طمأنة شركائه الإيرانيين بأنَّه سيواصل العمل مع طهران، فإنَّ الوجود الروسي المستمرَّ في هذا البلد سيعتمد على الأرجح على عاملين:

1) سلوك الأوروبيين:

سوف تتطلَّع موسكو لمعرفة ما إذا كان السياسيون الأوروبيون سيؤيدون تصريحاتهم حول استعدادهم لتأمين علاقاتهم مع إيران من الناحية العملية. وفضلًا عن ذلك، ستحاول روسيا حتى حثَّ الأوروبيين على أن يكونوا أكثر حسمًا في مواجهتهم مع الولايات المتحدة بشأن قضية العقوبات. ولهذا أكَّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 10 مايو/أيار 2018 خلال اجتماعٍ مع نظيره الألماني أنَّ قرار ترمب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة كان مُجحفًا للمشاركين الآخرين في الاتفاق؛ لأنَّه لم يأخذ مصالحهم الاقتصادية بعين الاعتبار[9].

2) تصميم ترمب على إعادة فرض العقوبات واتخاذ إجراءات جديدة ضد إيران:

لا تملك موسكو تقريبًا أيَّ تأثيرٍ يُذكَر على سلوك الولايات المتحدة (إن لم يكن تأثيرها معدومًا). وأُقِرَّ بذلك رسميًّا في أوائل مايو/أيار؛ إذ صرَّح لافروف بأنَّ روسيا لا تستطيع أن تفعل شيئًا حيال العقوبات الجديدة التي سوف يفرضها ترمب[10]. والكرملين أيضًا غير مستعدٍّ للقتال بجديَّة وحده من أجل إيران. وإذا ارتأى أنَّ الوضع لا يتطوَّر لصالح إيران وفشل الأوروبيون في مقاومة الأميركيين بشكلٍ مناسب، سوف تُعلِّق غالبية شركات النفط والغاز الروسية على الأرجح تعاونها مع طهران، أو على الأقل سوف تعيد تقييم استراتيجياتها في إيران. إلا أنَّ ذلك لن يعني وقف التعاون بين البلدين تمامًا؛ لأنَّ هذا سيؤدِّي إلى نتائج عكسية فيما يتعلَّق بالروايات السياسية للبلدين، وهو وضع ترغب موسكو في تجنُّبه. وفي أسوأ السيناريوهات (تخلِّي الأوروبيين عن إيران، وفرض الولايات المتحدة مجموعة عقوبات إضافية)، من المحتمل أن يتقلَّص مجال التعاون، وأن يكون محدودًا بعدد المشاريع التي تحميها الحكومة الروسية، أو تلك الناشطة في القطاعات التي لا تغطيها العقوبات مثل بناء محطة بوشهر للطاقة النووية، وبناء محطة كهرباء سيريك، وربما مشاريع شركة السكك الحديدية الروسية (RZD) . وقد تحاول شركات النفط الحكومية أيضًا البقاءَ في إيران، لكن ليس كلها، وربما ستحافظ على تواجدٍ ثانوي في إيران، بأمل تأمين حصتها من السوق الإيراني حتى تتحسَّن الظروف.

وحتى في أسوأ السيناريوهات، لن يكون رحيل الشركات الروسية فوريًّا. ففي معظم الحالات، سوف تفضِّل تجميد وجودها في إيران، وليس إنهاء تواجدها بالكامل. ووقَّعت بالفعل شركة Zarubezhneft عقدًا بشأن تطوير حقلي النفط في إيران، وعلى الأرجح ستفضِّل البقاء. وفي أوائل شهر مايو/أيار، وقَّعت بالفعل اتفاقية أخرى مع شركة Petropars لإجراء دراسات جيولوجية لعددٍ من حقول النفط والغاز[11]. وفي حال نجاحها، فإنَّها سوف تزوِّد الشركة الوطنية الإيرانية للنفط باقتراحاتٍ حول تطوير هذه الحقول. وتتمتَّع شركتا Gazprom وRosneft بالدعم الحكومي، وستحاولان أيضًا تطوير التعاون مع إيران. فضلًا عن ذلك، وكما أثبتت تجربة فنزويلا، فإنَّ تصرفات شركة Rosneft لا يحكمها دائمًا المنطق الاقتصاديُّ، بل توجِّهها الخططُ الجيوستراتيجية لموسكو. وتهتمُّ روسيا حاليًا بإبقاء إيران في دائرة نفوذها. وهذا بدوره قد يجبر Rosneft على البقاء لمساعدة الحكومة الروسية في تحقيق أهدافها. وقد يكون موقف شركتي Tatneft وLukoil أكثر حساسيةً وأكثر عزمًا على الانسحاب من إيران[12]. إذ تتمتَّع كلتا الشركتين بدعمٍ حكوميٍّ أقلَّ، ويدفعهما أكثر منطق التكلفة والعائد، ولم تحقِّقا نجاحًا كبيرًا فيما يتعلَّق بالمفاوضات على المشاريع الاستثمارية المحتملة مع طهران. وعلى الرغم من أنَّ شركة Lukoil تفترض أنَّ إيران واحدة من مناطق عملها الرئيسة في الشرق الأوسط، فقد كانت لديها في السابق تجاربُ سلبية في العمل بداخلها، وخسرت مؤخرًا مناقصة لتطوير حقل منصوري النفطي. وقد يشجِّعها ذلك على التوقُّف عن التعامل مع إيران إذا استمرَّت الولايات المتحدة في مستواها الحالي من المواجهة مع طهران.

وأخيرًا، قد تميل موسكو إلى الاستفادة من تطورات وضع خطة العمل الشاملة المشتركة. فروسيا انتهازية للغاية، وتُجبر انتهازيتها أحيانًا المسؤولين الروس على الإدلاء بتصريحاتٍ مثيرة للجدل وغير مدروسةٍ في بعض الأحيان. وهكذا، في حين انتقدت وزارة الخارجية الروسية قرار ترامب، وهو ما حظي باستحسان إيران، أعلن وزير النفط الروسي نوفاك على العكس من ذلك استعدادَ روسيا للتعويض عن الانخفاض في إمدادات النفط العالمية إذا كان سببه تراجع صادرات النفط الإيرانية بسبب عقوبات الولايات المتحدة الجديدة[13]. اتفق هذا التصريح مع تصريحاتٍ أدلى بها السعوديون، وكان منبعه البراغماتية الخالصة لدى نوفاك، الذي كان قلقًا بشأن العرض والطلب في سوق النفط أكثر من قلقه على الشراكة الروسية الإيرانية. وهذا بدوره لم يجد قبولًا في طهران. لم تنتقد طهران روسيا مباشرةً على هذه التصريحات، لكنَّها أدانت نوايا منظمة الأوبك لاستغلال الوضع لصالحها[14].

موسكو ستحاول مدَّ يد العون

رغم كل ما قيل أعلاه، فلا يعني ذلك أنَّ روسيا ستبقى مكتوفة الأيدي تمامًا ولن تحاول حماية إيران من الضغوط الخارجية. فكما جاء في 17 مايو/أيار على لسان نائب رئيس الوزراء ديمتري كوزاك، تتوقَّع روسيا مواجهة شركاتها لصعوباتٍ في إيران، بما في ذلك تلك الناجمة عن استخدام الدولار في المعاملات المالية[15]. إلا أنَّ روسيا ستسعى أيضًا إلى تقليل التأثير السلبي على العلاقات الثنائية إلى أدنى حدٍّ. أولًا وقبل كلِّ شيء، قد تعود موسكو لوضع 2012-2015، عندما كان نصيب الأسد من الأعمال التجارية بين البلدين في قطاعاتٍ غير رئيسة وتقوم عليه الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا يمكن أن تتأثر بالعقوبات (بالنسبة إلى بعضها، كانت إيران السوق الخارجي الوحيد لها). ثانيًا: يمكن لروسيا أن تحاول إيجاد وسائل قانونية لتجنُّب العقوبات الأميركية. وبالتالي، فإنَّ عقوبات ترمب يمكن أن تعزِّز استخدام العملات الوطنية في التجارة الثنائية. على سبيل المثال، قال نوفاك إنَّ العملات المحلية يمكن لروسيا استخدامها في صفقاتٍ نفطية مع إيران، على الرغم من أنَّه أكَّد أنَّ هذا الأمر يتطلَّب إنشاء آلياتٍ إدارية معيَّنة[16]. وحاليًا، يفتح رجال الأعمال الروس والإيرانيون حسابات مراسلة في البنوك الروسية والإيرانية. وتعتزم موسكو أيضًا إقامة صلاتٍ مباشرة بين الأنظمة المصرفية الروسية والإيرانية، بما في ذلك استخدام نظام الدفع الروسي Mir في إيران (البديل الروسي لنظام VISA، ومن المقرَّر أن يبدأ في إيران بحلول نهاية عام 2018).

من المهمِّ أيضًا أن نتذكَّر أنَّه في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، بدأت روسيا وإيران برنامج “النفط مقابل السلع”، الذي كان يتضمَّن شراء النفط الإيراني مقابل الآلات والاستثمارات الروسية. تُناقَش هذه المبادرة منذ أوائل عام 2010. في البداية، كان من المفترض أن تساعد إيران على تجنُّب الحظر على تجارة النفط الذي فرضته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وشركاؤهم. كان الهدف من هذا البرنامج هو إنقاذ اقتصاد إيران من الانهيار، وتزويد الشركات الروسية باحتياطياتٍ نفطية إضافية للتجارة في الخارج. وبعد اعتماد خطة العمل الشاملة المشتركة، أُجِّلت مناقشة هذا الاتفاق، لكنَّها بدأت مرةً أخرى بعد ذلك. وفي هذه المرة، كان من المتوقَّع أن يعوِّض برنامج “النفط مقابل السلع” نقص الاحتياطي المالي في إيران، الذي لم يسمح لطهران بدفع ثمن الواردات من المعدَّات الروسية بالعملة الصعبة. ومع ذلك، إذا حاولت الولايات المتحدة إقناع مشتري النفط الإيراني لإيجاد مورِّدين بديلين، يمكن استخدام برنامج النفط مقابل المنتجات لتلبية الاحتياجات التي كان من المفترض به تلبيتها في البداية. وأكَّدت موسكو في عام 2018 أنَّها تخطِّط لمواصلة تنفيذ هذا البرنامج. ومن المتوقَّع أن تشتري موسكو سنويًّا 5 ملايين طن من النفط من إيران. في المقابل، يخطِّط الكرملين لتزويد إيران ببضائع بقيمة 45 مليار دولار.

وثالثًا: وقَّع الاتحاد الاقتصادي الأوروبي-الآسيوي مع إيران في 17 مايو/أيار اتفاقًا مؤقتًا لإنشاء منطقة تجارة حرَّة ينطوي على خفض التعريفات التجارية القائمة والرسوم الجمركية[17]. ومن المتوقَّع أن تُصدِّق روسيا على هذا الاتفاق حتى نهاية العام. لن تكون هذه الخطوة كافيةً لإحداث تأثيرٍ إيجابي عالمي على الاقتصاد الإيراني. إذ يبلغ الحجم الإجمالي للتجارة بين الاتحاد الاقتصادي الأوروبي-الآسيوي وإيران 2.7 مليار دولار (حصة التجارة الروسية الإيرانية 1.7 مليار دولار)، ولا توجد أسباب للاعتقاد بأنَّه سيزيد كثيرًا في أيِّ وقتٍ قريب. والأثر الإيجابي المباشر هو أيضًا موضع شكٍّ: فوفقًا لكوزاك، سوف تكون الاستثمارات الروسية قادرةً على كسب 150 مليون دولار إضافية[18]. ومع ذلك، فإنَّ منطقة التجارة الحرَّة هذه ستخلق ثغراتٍ معيَّنة للتهرُّب من العقوبات، وستساعد على تطوير العلاقات الاقتصادية الروسية-الإيرانية في ظلِّ العقوبات. وكانت إيران في الفترة بين عامي 2012 و2015 تستخدم بنشاطٍ المناطقَ السوفيتية السابقة كمنطقة يمكن من خلالها الوصول إلى التقنيات والأموال، وحتى الوصول إلى النظام المالي الدولي كذلك[19].

وأخيرًا، تناقش روسيا وإيران طرقًا غير معتادة للتملُّص من العقوبات الأميركية الجديدة. وكطريقةٍ للتعويض عن الحظر المحتمل لإيران من استخدام شبكة المعاملات البنكية الدولية SWIFT، تقترح طهران استخدام العملات المشفرة في المعاملات المالية الثنائية. ووفقًا لمحمد رضا بور إبراهيمي، رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، تلقَّى البنك المركزي الإيراني بالفعل أمرًا لدراسة هذا الخيار[20]. وعلاوةً على ذلك، التقى بور إبراهيمي بنظيره الروسي ديمتري ميزنتسيف، رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الدوما، في مايو/أيار 2018، واقترح النَّظَر في استخدام العملات المشفرة في التجارة الثنائية. ووفقًا لما قاله النائب الإيراني، كان ردُّ فعل البرلمانيين الروس إيجابيًّا، على الرغم من أنَّه كما ذكر بور إبراهيمي لا توجد سابقة لاستخدام العملات المشفرة بهذه الطريقة من قبل. وستعقد روسيا وإيران اجتماعًا للجنة المشتركة حول التعامل بين الهياكل المالية للبلدين في 5 يوليو/تموز. ولم يُعلِّق ميزنتسيف على ما إذا كانت مسألة العملات المشفرة ستُناقش في هذا الاجتماع. ومع ذلك، شدَّد على أنَّه لدى روسيا توقعاتٌ كبيرة بشأن النتائج المحتملة للاجتماع[21].

تحاول روسيا أيضًا تعبئة المجتمع الدولي ضد قرار ترمب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة. وفي سبيل خدمة هذا الهدف، تحاول استخدام جميع المنصات الإقليمية والدولية التي يمكنها الوصول إليها. ويحتلُّ موضوع إيران المقامَ الأول في مفاوضات موسكو مع الاتحاد الأوروبي. ومن المتوقَّع أيضًا أن تناقش روسيا الوضع المحيط بالاتفاق النووي في الاجتماع الوزاري لتكتل بريكس الاقتصادي. فوفقًا لميخائيل كالوجين، رئيس مكتب بريكس في وزارة الخارجية الروسية، فإنَّ هذا الموضوع سيكون واحدًا من التساؤلات الرئيسة محل المناقشة بين أعضاء بريكس في اجتماع بريتوريا يوم 4 يونيو/حزيران 2018. ووفقًا للمسؤول، قام كلُّ أعضاء تكتل بريكس بتطوير علاقاتٍ قوية مع إيران ويريدون حمايتها.

هل ستساعد كلُّ هذه الخطوات إيران؟

للأسف، ليس كثيرًا. يجب على طهران الاعتماد على روسيا كملاذٍ أخير فقط. إذ لا يمكن لموسكو أن تُقِّدم لإيران سوى الدعم الدبلوماسي، وبعض الإجراءات الهامشية للتخفيف من التأثير السلبي للعقوبات الأميركية. وترجع هامشية هذه الإجراءات إلى حدٍّ كبير إلى عدم وجود إمكانات اقتصادية لمساعدة إيران، على الرغم من أنَّ موسكو إذا استطاعت ستساعد طهران بالتأكيد في التملُّص من العقوبات. وعلينا أن نتوقَّع أن تُحدث موسكو الكثير من الضجيج دبلوماسيًّا في محاولةٍ لتعبئة المجتمع الدولي ضد الولايات المتحدة. وتتبنَّى الشركات الروسية على النقيض من ذلك استراتيجية الانتظار والترقُّب (بمعنى أنَّه لا يُتوقَّع أي رحيل للشركات الروسية حتى نهاية مهلة الـ120 يومًا التي منحها ترمب لإيران قبل إعادة فرض العقوبات). لا تريد روسيا الانسحابَ من طهران، لكنَّها ستضطر أن تحدَّ من وجودها إذا ضغطت الولايات المتحدة عليها بقوةٍ من خلال عقوباتٍ ثانوية. وأخيرًا، من المهمِّ أيضًا أن نضع في اعتبارنا أنَّ التوترات الحالية حول الاتفاق النووي الإيراني بالنسبة إلى روسيا لا تتعلَّق فقط بإيران والعقوبات. يمكن للكرملين أن ينظر إلى هذا الوضع كفرصة لاستعادة الحوار مع الاتحاد الأوروبي، من خلال استغلال فكرة أنَّ قرار ترمب قد تحدَّى كلًّا من المصالح الأوروبية والروسية. ومن ناحية أخرى، قد تستغلُّ موسكو هذا الوضع أيضًا كطر