ملخَّص تواجه هيئة تحرير الشام حملةً متصاعدةً وتحدياتٍ أمام تماسك سلطتها في إدلب، فقد فرضت الحملة الروسية تهديداتٍ متزايدةً على هيئة تحرير الشام، سواء باستمرار الحملة العسكرية نحو عمق إدلب، أو باحتمالية استجابة تركيا للطرح الروسي وتبنِّي الضغط على الهيئة. وداخليًّا تواجه الهيئة مرةً أخرى حملة مظاهراتٍ شعبية أطلقها نشطاء ثوريون ضد الهيئة وذراعها المدنية حكومة الإنقاذ، كما تواجه حملة موازية من التيار الجهادي داخل الهيئة وخارجها تهاجم زعيمها الجولاني وسياساته البراغماتية وتتهمها بفساد ماليٍّ. تتعدَّد خيارات الهيئة، ما بين حلِّ التنظيم كما يطالب خصومها، أو الدخول في تحولاتٍ جديدة كما فعلت سابقًا، أو مقاومة الضغوط الراهنة والتمسُّك بصيغة التنظيم نفسها وهو السيناريو المرجَّح؛ ولكن الموقف الإقليمي والدولي يبقى ذا تأثيرٍ حاسمٍ في مستقبل الهيئة الذي ما زال غامضًا حتى الآن.

مقدمة

مع هزيمة حركة أحرار الشام وطردها من معبر باب الهوى الحدودي في تموز 2017[1]، أصبحت هيئة تحرير الشام الفصيلَ المسيطر على الشمال الغربي الذي يشمل إدلب وريفها وريف حماة الشمالي، وباشرت بفرض ذراعها المدنية المسمَّاة بحكومة الإنقاذ على المنطقة كبديلٍ عن الحكومة المؤقتة والمجالس المحلية المحسوبة على التيار الثوري، ليبقى ريف حلب الغربي منطقةً خارج سيطرة الهيئة نسبيًّا ويقع تحت سلطة حركة الزنكي والحكومة المؤقتة، إضافة إلى مواقع صقور الشام وأحرار الشام المتبقية في سهل الغاب وجبل الزاوية، وبعض الجيوب التي نشط فيها الحراك المدني في رفض الهيئة، والتي كان أبرزها مدينة معرة النعمان، وهو ما عنى سيطرة هشَّة للهيئة في ذلك الوقت.

بالهجوم على أحرار الشام والسيطرة على معبر باب الهوى، استبقت هيئة تحرير الشام التدخُّل التركي في إدلب بموجب مسار الأستانة، لتثبت نفسها أمام أنقرة كطرفٍ مسيطرٍ على الأرض عليها التنسيق معه، وبذلك دخل أول رتل عسكري تركي إلى إدلب في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2017[2]، وذلك بمرافقة من هيئة تحرير الشام، وقد راهنت الهيئة على هذه الخطوة للحصول على قبول إقليميٍّ ودوليٍّ يمهِّد لإزالتها عن لوائح الإرهاب، وقبول سيطرتها على إدلب ضمن سياسة إثبات الاعتدال التي انتهجها الجولاني منذ تشكيل جبهة فتح الشام ثم تشكيل هيئة تحرير الشام.