أوقع تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس صدى كبيراً حينما أعلن أنه اتخذ قراراً بالتحلل من الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير -وبالتالي السلطة الفلسطينية- وإسرائيل، كردّ على إصرار الأخيرة على انتهاك تلك الاتفاقيات إضافة للقرارات الدولية. تبع هذا التصريح العديد من التصريحات من مجلس الوزراء الفلسطيني وعدد من الناطقين أن تصريحات عبّاس -هذه المرّة- ليست مجرد حبر على ورق وأنها تعكس إرادة حقيقية للاتجاه بهذا المسار. وعلى الجانب الإسرائيلي، تراوح الاعلام الإسرائيلي في تغطيته للحدث بين من رآه مجرد تصريحات فارغة مثل صحيفة إسرائيل هايوم المقربة من نتنياهو، وبين من رأى فيه هذه المرة تصريحاً جدياً مختلفاً عن سابقيه.

الذي أثار هذا اللغط حول جدية الرئيس عباس في هذا التصريح هو قيامه في عدد من المناسبات بالتهديد بنفس الورقة -بشكل متكرر- ولكن أي منها لم يترجم إلى أفعال أو اجراءات على الأرض. إلا أن حملة التصريحات الرسمية الفلسطينية أوحت بأن الأمر مختلف هذه المرّة. 

الاتفاقيات الفلسطينية-الإسرائيلية

بعد نضال طويل خاضته منظمة التحرير الفلسطينية -المعترف بها كالممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني- من أجل تحرير فلسطين وتأسيس دولة من النهر إلى البحر، وجدت المنظمة نفسها مرغمة على التخلي عن سقف طموحها، تحديداً بعد انهيار النظام الاقليمي العربي بعد غزو العراق للكويت، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور الولايات المتحدة -حليف إسرائيل- كقطب دولي أوحد. وبذلك دخلت المنظمة مرحلة سميّت بـ”التسوية السلمية” وقامت بتعديل الميثاق لشطب ما يتعلق بـ”العنف” وقبول دولة فلسطينية على أجزاء من الأرض الفلسطينية -استناداً لقرار مجلس الأمن 242. أسفرت المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة ومن ثم النرويج إلى توقيع تفاهمات عرفت باتفاقيات أوسلو، تم توقيع أولاها عام 1993 في العاصمة النرويجية أوسلو.

كـان أبرز بنود أوسلو هو تخلي منظمة التحرير الفلسطيني عن “العنف” ونبذها وإدانتها لـ”الإرهاب” مقابل الاعتراف بها كـ”ممثل للشعب الفلسطيني”، بينما اعترفت هي بحق إسرائيل في الوجود. وأسست لإطار زمني لاستمرار المفاوضات. وفي عام 1995، تم توقيع ما عرف بـ”أوسلو 2″ أو اتفاق طابا والذي قام بالتفصيل في البنود الأمنية والجغرافية. أسس اتفاق طابا لفكرة مشاركة السلاح الفلسطيني -الشُرَطيّ هذه المرة- للسلاح الإسرائيلي في مكافحة “الإرهاب”، وأكد على عدم السماح للفلسطيني بحيازة أي سلاح غير سلاح قوات الشرطة -المخولة بحفظ الأمن العام ومكافحة “الارهاب”.

تبع اتفاقات أوسلو بعض الاتفاقات والبروتكولات، أبرزها اتفاق\بروتكول باريس (Paris Protocol) للعلاقات الاقتصادية (1994\5) والذي أسس لتبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي ولسيادة إسرائيل فوق التعاملات التجارية. وكان من أبرز بنود هذا الاتفاق كذلك أن يكون الشيكل الإسرائيلي هو العملة المتداولة فلسطينياً، من دون أن يكون للفلسطينيين عملتهم المستقلة. أما حول النظام الضريبي والجمركي، فقد قام البروتوكول بالإقرار على النظام الذي كان ساريا إبان فترة الحكم العسكري الإسرائيلي للأراضي المحتلة قبل تأسيس السلطة؛ أو ما كان يسمى بـ”الإدارة المدنية الإسرائيلية” مع إجراء بعض التعديلات؛ كاستمرار إسرائيل في جمع الجمارك على أن يعود ريعها للفلسطينيين لا للخزينة الإسرائيلية -كما كان عليه الحال. وفيما يتعلق بضريبة القيمة المضافة، فإن على الفلسطينيين أن يلتزموا بالنسبة التي تفرضها إسرائيل. وبذلك أحكمت إسرائيل قبضتها على الاقتصاد الفلسطيني باتفاقية باريس -علماً أن الضرائب المباشرة وغير المباشرة تقارب نسبتها الـ 80% من إجمالي إيرادات السلطة.

وفي عام 2000، وتعثر مسار المفاوضات، توجّه الرئيس الراحل ياسر عرفات للعودة إلى دعم خيار الكفاح المسلح عبر إطلاق يد قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة، بعد أن كبّلها في السنوات الأولى لاتفاق اوسلو. وتم حصار عرفات في مبنى المقاطعة إلى أن تم اغتياله عام 2005. وفي هذا العام، وصل محمود عباس إلى رئاسة السلطة الفلسطينية لتنتهي مع وصوله مرحلة خيار الكفاح المسلح تماماً بالنسبة لمنظمة التحرير وبداية مسار يمكن وصفه بـ”المفاوضات الودّية” أو المفاوضات المبنية على النوايا الحسنة لا على أوراق الضغط.

وفي نفس العام، بدأ ما يعرف بـ”التنسيق الأمني”، والذي أصبح بمثابة سبب الوجود بالنسبة للسلطة الفلسطينية، تحديداً بعد وصول الرئيس ترامب الذي لم يعر اهتماماً لفكرة حل الدولتين. لم يكن عام 2005 بداية عمليات التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ولكنه كان بداية مرحلة تغيرت فيها عقيدة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، تحت إشراف الولايات المتحدة عبر الجنرال  كيث دايتون (2005-2010) الذي وصف مجندي قوات الأمن الفلسطينية التي يشرف عليها بـ”الفلسطينيين الجدد”. ووصف عبّاس التنسيق الأمني على أنه “مقدّس”، وتعهّد بالاستمرار به حتى في أحلك الظروف عندما هددت أمريكا بقطع المساعدات عن السلطة. تدرك المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حساسية التنسيق الأمني الفلسطيني وأهميته بالنسبة إليها، ففي بعض الاحصائيات، ذكر أن نسبة الهجمات المسلحة التي منعها التنسيق الأمني بلغت حوالي 30-40% من مجمل الهجمات في 3 شهور نهاية العام 2015، بينما صرّح الرئيس الفلسطيني أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية منعت 90% من عمليات حماس المسلحة، وأن “ما أفلت منّا هو 10%”، وصرّح لاحقاً عن اتفاقه بنسبة “99%” في مجمل القضايا مع رئيس الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) الإسرائيلي.

هل بإمكان الفلسطينيين إبطال المعاهدات بصورة قانونية؟

لعل الحالة الفلسطينية من أكثر الحالات التي تعامل القانون الدولي معها وكتبت فيها العديد من الآراء المتناقضة. ومن أجل تجنب الخوض في التعقيدات القانونية لهكذا تساؤل مركب، ترجع هذه الورقة إلى بعض النصوص القانونية -الملزمة لجميع الدول الدول كون محتواها قانونا دولياً عرفياً – المنطبقة على الحالة الفلسطينية؛ وهي اتفاقيتا جينيف وفيينا. تنص المادّة السابعة من “اتفاقية جينيف الخاصة بحماية السكان المدنيين في حالة الحرب” لعام 1949 على أنه بالإمكان التوصل لاتفاقيات خاصة بين قوة الاحتلال والسكان المحتلين طالما لم تنتقص هذه الاتفاقيات من حقوق المدنيين. وتزيد المادة الثامنة على أنه ليس للأشخاص المحميين بموجب الاتفاق (أي الشعب الخاضع للاحتلال) أن يتنازلوا عن حقوقهم التي تكفلها الاتفاقية سواء جزئياً أو كلياً (وسبب هذه المادة هو الضغوط الممارسة على الشعوب الخاضعة للاحتلال للتنازل عن حقوقها). ولو نظرنا إلى الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير، فإن في بنودها العديد مما ينتقص بشكل واضح من حقوق الفلسطينيين الأساسية وقدرتهم على تقرير المصير، مثل اتفاقية باريس التي تخضع الفلسطينيين اقتصادياً.

وكذلك لو نظرنا لهذه الاتفاقيات من منظار “اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات” لعام 1969، فإننا سنجد أن المادتين 53 و64 من الاتفاقية تنصان على أنه ليس لاتفاقية أن تنتهك “قاعدة آمرة” من قواعد القانون الدولي -بغض النظر أكانت سابقة أم لاحقة لتوقيع الاتفاق. ولا شك أن التمييز العرقي والأبارتايد -على سبيل المثال لا الحصر- هما انتهاك لها. وكذلك تفيد المادة 60 من نفس الاتفاقية أنه من حق أي طرف أن يتجه لإبطال الاتفاقية في حال قيام الطرف الاخر بنقضها أو انتهاكها؛ وهنا نستذكر قوائم القرارات العنصرية والتي تقوض الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل من قرارات الضم، وجدار الفصل العنصري -المسمى إسرائيلياً بالجدار الأمني- وانتهاك السيادة الجغرافية واحتجاز إسرائيل لأموال الضرائب (المقاصّة) وغيرها.

 سياسيا، يبدو المشهد أكثر تعقيداً؛ إذ يقف الفلسطينيون بلا ظهير أو حليف دولي، بينما تفكك النظام الإقليمي مجدداً بعد الربيع العربي، فلم يعد للفلسطينيين سند غير تصريحٍ داعم هنا أو هناك، ومحلياً تسيطر إسرائيل على جميع معابر التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية (التي “يحكمها” الرئيس عباس) بحيث لا يوجد أي منفذ فلسطيني -للبشر أو البضائع- للخارج دون إذن إسرائيلي، بل ولا يوجد منفذ حتى من المنطقة “أ” إلى المنطقة “ب” أو “ج” دون إذن إسرائيلي. واقتصادياً، تُحْكِم إسرائيل السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني عبر إجراءات عدة مثل تحكمها بالنظام الضريبي (إضافة للمقاصّة والجمارك والتي تشكل 80% من دخل السلطة) وبحركة الصادرات والواردات.

وفي ظل هذه الصورة، يرغب الرئيس الفلسطيني بالضغط على الجانب الإسرائيلي عبر التلويح بورقة الاتفاقيات المتبادلة، وأهم عناوينها التنسيق الأمني الذي يعلم الرئيس الحاجة الإسرائيلية الماسّة إليه. ولكن قراراً من هذا النوع، يتطلب قدراً عاليا من السيادة والجهوزية من عدة جوانب، أهمها اقتصادياً وأمنياً مما يطرح العديد من علامات الاستفهام حول جدية التوجه لهذا الخيار.

وعلينا أن نأخذ بالحسبان كذلك أن عقيدة الأجهزة الأمنية غير مهيئة للصراع، فهي تعمل بتنسيق شبه كامل مع أجهزة الأمن الإسرائيلية؛ فهل يعني هذا التوجه اعادة هيكلة الأجهزة وعقيدتها الأمنية؟

بعدما أيقن الرئيس الراحل عرفات عدم جدوى التفاوض تحت السقف الأمريكي، حوصر وفقد حياته ثمناً لذلك؛ فهو في النهاية مقيم في المقاطعة في رام الله، والتي هي خاضعة للاحتلال الإسرائيلي. ولعل الرئيس عباس أكثر من يعي هذه الصورة -كونه كان رئيساً للوزراء قبل أن يستقيل بعد وصف عرفات له بكرزاي فلسطين-، فهل هناك استعداد لدفع ثمن هكذا قرار؟

الخلاصة: هل بإمكانه؟ وهل يفعلها؟

قبل الإجابة على هذا التساؤل، لعله من الضروري التنويه إلى أن هكذا خطوة كانت لتكون أكثر تأثيراً بكثير لو أنها كانت قبل قدوم ترامب وصفقته للسلام، فإسرائيل قامت بالعديد من الخطوات على الأرض من أجل التحضير لمرحلة ما بعد السلطة -إن لزم الأمر.

أما عن إلغاء الاتفاقيات، إن كان سؤالنا: هل بإمكان الرئيس الفلسطيني فعل ذلك من دون انتهاك القانون الدولي؟ فهناك العديد من المعطيات التي تدعم الرأي القائل بنعم نظرا لانتهاك إسرائيل لهذه الاتفاقيات، ولقيام كثير منها على أسس غير شرعية. أما إن كان السؤال عن القدرة الفعلية للرئيس الفلسطيني للقيام بذلك، ففي ضوء ما سبق، هناك العديد من علامات الاستفهام حول امتلاك أدوات هكذا قرار؛ فماذا ستفعل السلطة حين تحتجز إسرائيل أموال الضرائب وتفلس الميزانية الفلسطينية؟ وماذا سيفعل الرئيس إن تمت محاصرته في المقر الرئاسي في رام الله ومُنع من التنقل أو السفر؟ وماذا سيفعل مسؤولو السلطة إن مُنعوا من التنقل بين المدن؟ وماذا سيحصل للصادرات والواردات؟ وغيرها الكثير من علامات الاستفهام التي تنطلق من نفس المنطلق: هل بإمكان سلطة فاقدة للسيادة أن تمارسها؟

إن قرار إلغاء الاتفاقيات-تحديداً ذات البعد الأمني- يعني الصدام المباشر مع إسرائيل، ويعني زوال سبب وجود السلطة بالنسبة لإسرائيل. وهو ولا شك، مصدر قلق كبير لإسرائيل -رغم الاجراءات المتبعة- فهل السلطة مهيئة بنيوياً للصدام؟ وهل قيادات السلطة مهيؤن لدفع الثمن السياسي -إن لم يكن أكثر من ذلك؟ إن عدم تقديم أي إجابات لهذه الأسئلة من الجهة المعنية بالدرجة الأولى، إضافة لحالة التخبط والتناقض في التصريحات وتكرارها مراراً من دون أن تترجم إلى خطوات يجعل من الصعب الاجابة بـ”نعم”.

قام الكثيرون بقراءة هذه التصريحات على أنها مجرد رسائل للداخل والخارج، والمقصود بالداخل الجنرال الإسرائيلي المتقاعد ورئيس حزب “هوزين ليزرائيل” (منعة إسرائيل) بيني غانتس -والذي يفترض أن يناوب نتنياهو في رئاسة الوزراء، ومفاد هذه الرسالة أن عباس بإمكانه إعطاء مبرر لغانتس للعودة للمفاوضات. أما للخارج، فمفادها أن عليكم أن تضغطوا من أجل رحيل نتنياهو -الشخص الذي يظن الرئيس عباس أنه السبب الرئيس لتعطل مفاوضات السلام.

ختاماً، فإن مما لا شك فيه أن إلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل -تحديداً الأمنية- هو ضرورة وطنية فلسطينية، فما الحل إذن؟ إن أكبر أعداء الفلسطينيين هو الوقوف في خانة رد الفعل وعدم المبادرة. ولعل أولى خطوات إحياء المشروع الوطني الفلسطيني هو إعادة بناء المؤسسات الفلسطيني لتصبح فلسطينية فعلاً، ولتعكس اسم المنظمة فعلاً: منظمة التحريرالفلسطينية.