بعد قيام الإدارة الأمريكية، بنشر تقرير الاستخبارات عن جريمة اغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، ثم اتصال الرئيس جو بايدن بالملك سلمان بن عبد العزيز، تصاعدت الشكوك بشأن جدية واشنطن في تكثيف الضغوط على الرياض لتحقيق العدالة في قضية خاشقجي، بسبب اتجاه الإدارة نحو تغليب أسس سياساتها الواقعية البراغماتية، واستبعاد فكرة “معاقبة السعودية” عموماً، بالتوازي مع التركيز على استعادة الدور الأمريكي القيادي عالمياً، سيما في مواجهة تمدّد الخصمين الصيني والروسي، بالإضافة إلى الانخراط الأمريكي المكثّف، على الصعيد الدبلوماسي، في إقليم الشرق الأوسط، خصوصاً في ملفيْ اليمن والبرنامج النووي الإيراني.

وعلى الرغم من تصريحات إدارة بايدن عن “إعادة ضبط العلاقة” مع السعودية، وقيام وزارتي الخارجية والمالية بفرض عقوبات على 76 مسؤولاً سعودياً، من بينهم المتورطون في اغتيال خاشقجي، وآخرون بسبب تهديدهم معارضين سعوديين في الخارج، فإن واشنطن لا تزال تُقدّم مصالحها الجيوستراتيجية مع الرياض، حتى لو أعطى الخطاب الدبلوماسي الأمريكي أهميةً أكبر لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ إذ تبدو قضية خاشقجي كأنّها “مستثناة” من هذا الخطاب، حتى الآن، لا سيما إذا لم تتوفّر لها روافع جديدة تعيد إحياءها، وتضعها على مسارٍ مختلفٍ، حتى تتمكن من تجاوز تداعيات سياسة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، الذي لعب دوراً محورياً في عرقلة مسار العدالة في قضية خاشقجي.

لقد مَنعَ ترامب أي احتمال لمعاقبة الرياض على سلوكها الوحشي في القضية، وتجاهلَ تقييمات وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) حول مسؤولية ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، عن إصدار الأمر بالاغتيال، كما تجاهلَ ضغوط مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي تبنّى أعضاؤه بالإجماع، في 13 ديسمبر/كانون الأول 2018، مشروع القرار الذي حمّل محمد بن سلمان، المسؤولية عن مقتل خاشقجي.

بل ذهبت إدارة ترامب إلى حد فتح المخارج أمام السعودية، لكي تتنصل الدولة من المسؤولية السياسية والجنائية، وذلك عبر ثلاث تكتيكات؛ أولها، ترويج ترامب رواية مضلّلة تتحدث عن “قتلة مارقين” لا ينفّذون أوامر سياسية، سواء من ملك السعودية أو ولي عهده. وثانيها، تشجيع إدارة ترامب للسعودية، لكي تُجري محاكمات داخلية شكلية بهدف “سعودة” القضية، أو طمسها بمعنى أدق. وثالثها، قطع الطريق أمام أية إمكانية لتدويل القضية، خصوصاً عبر الالتفاف الأمريكي على الجهود التركية ومساعي كبريات الصحف الأمريكية والعالمية والمنظمات الحقوقية وهيئات المجتمع المدني، المدافعة عن الصحافة وحرية التعبير، وعن حقوق خاشقجي تحديداً.

ويبدو أن عناصر الاستمرارية في السياسة الأمريكية في عهد بايدن، هي أكثر من عناصر التغيير، التي تقتصر، حتى الآن، على تغيير “الخطاب الأمريكي”، وزيادة الانخراط الدبلوماسي في ملفات معينة، بالتوازي مع فرض “عقوبات رمزية”، تهدف إلى توجيه رسائل لحلفاء واشنطن وخصومها على حد سواء.

في هذا السياق، ثمة أربع ملاحظات حول العلاقات الأمريكية السعودية في عهد بايدن، وحول سياسات واشنطن تجاه الشرق الأوسط عموماً:

الملاحظة الأولى، أن إدارة بايدن تواجه “عقبات حقيقية” في الشرق الأوسط، مما يحدّ من قدرتها على الحركة وفرض الحلول، بسبب تداعيات سياسات سلفه ترامب و”إرثه” في تأجيج مستويات الصراع الإقليمي، وافتقاده استراتيجية كبرى (Strategy Grand)، على نحو ما تجلّى في أزمة حصار قطر، وكذلك في إدارة تداعيات ملف اغتيال خاشقجي، الذي ولّد صراعاً حقيقياً بين السعودية وتركيا، على الرغم من كونها جميعاً دولاً حليفة لواشنطن.

كما أدّت سياسات الفاعلين الإقليميين (مثل إسرائيل وإيران ومصر وإثيوبيا) والفاعلين المحليين (مثل جماعة الحوثي، والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، والقوات التابعة لخليفة حفتر في ليبيا)، إلى إضفاء مزيد من التعقيدات على تفاعلات الشرق الأوسط، بحيث باتت صراعاته “شبه مستعصية” على الحلول والتسويات، بدون تغيير جوهري في السياسات الدولية تجاه الشرق الأوسط.

ولذلك ثمة شكوك في ذهاب واشنطن إلى مستويات عالية من الضغوط على السعودية، وعلى ولي العهد محمد بن سلمان تحديداً؛ إذ ترغب واشنطن في تجنّب التدخل في التعقيدات الداخلية المرتبطة بالنظام السعودي عموماً خشية الفوضى، ومسألة ولاية العرش خصوصاً، تماماً مثلما ترغب في الالتفاف على التعقيدات الكبيرة التي طرأت على الشرق الأوسط في عهد ترامب.

وعلى الرغم من ذلك، فإن تآكل مكانة السعودية إقليمياً، وخسارتها معظم أوراق قوتها المالية والمعنوية، يجعلها في موقع أضعف بالنسبة لعلاقاتها مع واشنطن، التي أصبح بإمكانها “إعادة تعريفها”، وإجبار الرياض على تغيير سياساتها الإقليمية بإنهاء حصار قطر، وكذلك تغيير السياسة السعودية تجاه حرب اليمن، بل وإلزام الرياض أيضاً تقديم المساعدات لتخفيف الكارثة الإنسانية المحدقة بالشعب اليمني.

 الملاحظة الثانية تخص سياسة بايدن تجاه اليمن، التي يمكن اختصارها في أربعة عناصر؛ أولها إنهاء الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية في اليمن، بما في ذلك مبيعات الأسلحة التي تستخدمها السعودية والإمارات في تلك الحرب. ثانيها، التأكيد على استمرارية دعم واشنطن للسعودية والدفاع عنها ضد التهديدات الإقليمية، سواء جاءت من إيران أم من وكلائها في المنطقة. ثالثها، التركيز على أنه “لا يوجد حل عسكري في اليمن”، ما يعني ضرورة الدفع في اتجاه حل دبلوماسي وسياسي. ورابعها، إلغاء تصنيف الحوثيين “منظمة إرهابية”، لتعبيد الطريق أمام الجهود الدبلوماسية لحل الصراع، ناهيك عن وصول المساعدات الإنسانية.

أما الملاحظة الثالثة، فتتعلق بسياسة بايدن تجاه إيران وعلاقتها بنمط تصعيد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية. وعلى الرغم من التصريحات والسياسات الأمريكية التي تهدف إلى الدفع بإيران نحو العودة للالتزام بالاتفاق النووي، فإن ثمة شكوكاً بأن هذه الإدارة لا تملك أدوات ضغط حقيقية على طهران، على الرغم من محاولة واشنطن الاستقواء بمواقف حلفائها الأوروبيين وتوظيف الوكالة الدولية للطاقة النووية في هذا الصدد أيضا.

ويتجلّى مأزق إدارة بايدن في الملف النووي الإيراني بالنظر إلى متغيرين؛ أحدهما اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو 2021، التي ربما يخسر فيها الإصلاحيون، ما يعني تضاؤل فرصة العودة للاتفاق النووي. والآخر الإصرار الأمريكي والأوروبي على توسيع الاتفاق ليشمل موضوع الصواريخ الباليستية الإيرانية، وسلوك إيران الإقليمي ودور ميليشياتها، الذي يزعزع استقرار الشرق الأوسط.

الملاحظة الأخيرة في هذا الصدد، أن سياسة بايدن تجاه إسرائيل والتأكيد على الالتزام بأمنها، ورسوخ التحالف الاستراتيجي معها، والتنسيق معها بشأن الملف النووي الإيراني، كلها تخلق أساساً لتوسع الصراع الإقليمي بين إسرائيل وإيران، خصوصاً في سورية ولبنان وربما العراق.

أضف إلى ذلك، احتمال استشعار الرياض بأن إدارة بايدن ربما تقلّص وجودها العسكري المباشر في الخليج تدريجياً، وتحيل أمن الدول الخليجية إلى تقوية نفسها، والاكتفاء بتزويدها بالأسلحة الدفاعية الأمريكية، مع تحويل إسرائيل إلى قائد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد قرار ترامب بتوسيع القيادة العسكرية الأمريكية الوسطى (U.S. Central Command) في الشرق الأوسط، لتشمل إسرائيل، لتعزيز التعاون بينها وبين الدول العربية ضد إيران، كما نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال في 14 يناير/كانون الثاني.

وربما يسمح هذا التحول الاستراتيجي الأمريكي، بأن تضع إسرائيل الخطط والأهداف، وجرّ الدول العربية خلفها، سواء في الحرب على الإرهاب أو مواجهة إيران أو إجراء تدريبات ومناورات مشتركة بين الجيوش العربية وإسرائيل، الخ. ما يعني استمرار تحسّن موقع إسرائيل وقدراتها في النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، حتى بعد انتهاء رئاسة ترامب.

وهذا قد يؤدي في المحصلة النهائية إلى اندفاع السعودية أكثر نحو إسرائيل، للاستعاضة بدورها عن انكفاء واشنطن عن الشرق الأوسط، واهتمامها أكثر بالصين وروسيا والقارة الآسيوية عموماً. ولذلك فإن أي تحليل لمستقبل العلاقات الأمريكية السعودية لا بد أن يُعطي للعامل الإسرائيلي وزناً معتبراً، بسبب قدرته على التأثير على سياسات واشنطن تجاه الرياض، وتجاه الشرق الأوسط عموماً.

الاحتمالية الأخرى تتمثل في تغير السياسات الإقليمية لكل من السعودية ومصر، والتوجه نحو التقارب مع تركيا بدل الصراع معها، وحل كل الإشكاليات العالقة بين أطراف هذا المثلث، بما في ذلك تحقيق العدالة في قضية خاشقجي، وإيجاد تفاهمات إقليمية تؤسس لنمط جديد من التعاون، يكون قادراً على المبادرة وإيجاد الحلول للصراعات الملتهبة في العالم العربي والشرق الأوسط.