في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2001، غزت الولايات المتحدة وحلفاؤها أفغانستان على ظهور الجياد للإطاحة بحركة طالبان. وفي غضون بضعة أشهر، انهار نظام طالبان بسرعة، وأنشأ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1383 و1386 حكومةً بصحبة “قوة المساعدة الأمنية الدولية” المُكلّفة بالحفاظ على الأمن في كابل في ديسمبر/ كانون الأول عام 2001. بعد ذلك، أصبحت جهود بناء الدولة من قِبَل المجتمع الدولي في فترة ما بعد طالبان مشروعًا مكلفاً بالنسبة للولايات المتحدة، والتي خاضت بالنسبة لها.

 وانتهى المشروع المُكلّف للغاية عندما أعلن الرئيس جو بايدن انسحاب القوات القتالية الأمريكية في شهر أبريل/ نيسان عام 2021. وفي الفترة التالية، واصلت طالبان تقدُّمها بلا هوادة، وتمَّ الاستيلاء على بعض المناطق دون طلقة واحدة. وقد فاجأت سيطرة طالبان المُحكمة على مساحات شاسعة من الريف كلَّ مَن سمع بها. وفي غضون ذلك، واستجابة للعنف المتزايد، فرَّ عشرات الآلاف من منازلهم. وعلى الرغم من بقاء غالبية النازحين داخل البلاد، حثَّت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إيران على إبقاء معبرها الحدودي مفتوحًا.

 وبعد عقدين من القتال، وتحديدًا في يوم الأحد 15 أغسطس/ آب 2021، استعادت طالبان السيطرة على العاصمة الأفغانية. وبفرار الرئيس أشرف غني من البلاد، غرقت العاصمة الأفغانية في حالة من الفوضى. ولكن، كيف انهارت الحكومة الأفغانية بهذه السرعة؟

انتقد بايدن القيادة الأفغانية، ودافع عن قراره بسحب الولايات المتحدة من أفغانستان. وقال للصحفيين في مؤتمر بالبيت الأبيض يوم الثلاثاء 10 أغسطس/ آب: “انظروا، لقد أنفقنا أكثر من تريليون دولار على مدى 20 عامًا. قمنا بتدريب أكثر من 300000 جندي أفغاني وتجهيزهم بمعدات حديثة. ويتعيَّن على القادة الأفغان أن يجتمعوا”. كما ركَّز في خطابه على التزام الولايات المتحدة بتقديم “دعم جوي وثيق”، فضلًا عن الدعم الاقتصادي والإنساني.

 وكانت قوات الأمن الوطني الأفغانية أكثر تقدمًا من طالبان من الناحية النظرية. ومع ذلك، كان للجيش الأفغاني تاريخ مضطرب يملؤه الفرار والفساد. ففي عام 2012، لفت الفرار من الخدمة العسكرية وانخفاض معدلات التجنيد في الجيش الأفغاني انتباه وسائل الإعلام الدولية. وعلاوة على ذلك، ارتبطت شرعية الجيش ارتباطًا وثيقًا بالشرعية السياسية للحكومة الأفغانية التي كانت في أزمة عميقة منذ البداية.

 استخدمت طالبان افتقار الحكومة الأفغانية للشرعية كأداة حرب. وكانت تهدف إلى الاستفادة من المظالم المحلية والعزلة لكسب “قلوب وعقول” الشعب الأفغاني المُحبَط من فساد مؤسسات الدولة. وتحقيقًا لهذه الغاية، قدَّمت طالبان نفسها بوصفها حركةً شرعيةً توفر الحكم الرشيد بما يتماشى مع التقاليد الثقافية والقواعد الدينية. وعندما عززت طالبان سيطرتها على الأراضي داخل البلاد، أصبحت مسؤولة عن توفير الصالح العام والخدمات بما فيها الرعاية الصحية والتعليم والعدالة. وقد أبرزت تقارير مختلفة حول الحكم والوصول إلى السلع العامة في أفغانستان -منها بحث آشلي جاكسون– استراتيجيات حكم طالبان وتأثيرها في الحياة اليومية.

ووفقًا لذلك، وكجزء من استراتيجيات إضفاء الشرعية في السياسة الدولية، استمرت طالبان في التوسُّع في مشاركتها الدولية لزيادةة الدعم الداخلي والخارجي. ثم منح الاتفاق الموقَّع بين الولايات المتحدة وطالبان في الدوحة/ قطر في 29 فبراير/ شباط 2020 الحركة شرعيةً متجددةً كمرحلة حاسمة في عملية السلام الأفغانية،  والتي تهدف إلى إنهاء العنف المستمر في البلاد. كما قامت قوى إقليمية مثل إيران وباكستان وروسيا والصين في السنوات الماضية بإحياء وتعزيز علاقاتها الدبلوماسية مع طالبان لتحديد مستقبل أفغانستان. واكتسبت حركة طالبان بدورها زخمًا وحظيت بدعم القوى الإقليمية.

من ناحية أخرى، هيمن مفهوم بناء الدولة على أجندة المجتمع الدولي خلال عقدين من الحرب في أفغانستان بدلًا من الحكم الرشيد في مجتمع قَبَلي. إذ يرتكز هذا النهج على مصطلحات التنوير الغربي، ويعطي الأولوية لتقوية مؤسسات الدولة مع التركيز على البُعْد الأمني. فهي بطبيعتها تتجاهل المجتمع التقليدي والمؤسسات الاجتماعية التي تحدِّد العلاقات بين الدولة والمجتمع.

كما واصلت الولايات المتحدة شنَّ غاراتٍ جوية لدعم القوات الأفغانية ردًّا على تقدُّم طالبان. ومع ذلك، فإن الهجمات الجوية دائمًا ما تنطوي على خطر وقوع إصاباتٍ في صفوف المدنيين. وعلى هذا النحو، وبصرف النظر عن الأسئلة المتعلِّقة بفعالية الضربات، فإن الضربات الجوية في البلاد تهدِّد بمزيدٍ من عزلة الشعب الأفغاني، ولا سيما سكَّان الريف. يشار إلى أنه وفقًا لما أوردته بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما)، كانت الضربات الجوية أحد الأسباب الرئيسة لسقوط ضحايا مدنيين في النصف الأول من عام 2021.

 في عام 1996، استولت طالبان على كابل من خلال استغلال الفوضى المستمرة والانقسام والخوف في البلاد. وبات الوضع الحالي في البلاد يردِّد صدى هذا  الماضي عندما سقطت كابل -عاصمة أفغانستان- في أيدي طالبان. وقد سهل ذلك عودة طالبان إلى السلطة بهذه السرعة.

إن سقوط الدولة في يد طالبان ظاهرة معقَّدة. فإلى جانب التركيز على الشرعية السياسية، يتمُّ تحديد هذه الظاهرة من خلال تفاعل عوامل مختلفة، مثل الإخفاقات على مستويات السياسة أو الخصائص الفردية في الحكومة الأفغانية أو التلاعب السياسي بقادة طالبان المحليين. ومع ذلك، وكما أكَّد الرئيس الأفغاني المخلوع أشرف غني في بيانه الأول بعد فراره من أفغانستان، “من الضروري لطالبان… أن تكسب الشرعية وقلوب الشعب” حتى يكون لها حكم مستدام.