مقدمة: دخلت السياسةُ السعودية الإقليمية، بعد قمَّة العُلا للمصالحة الخليجية 5 يناير/كانون الثاني 2021، مرحلةً جديدةً، تتَّسم بالترقُّب وتنشيط الأداة الدبلوماسية، في محاولةٍ لاستكشاف اتجاه تغيُّر موازين القوى الإقليمية؛ إذ تنتظر الرياض ما ستسفر عنه متغيرات السياسات الأمريكية تجاه إقليم الشرق الأوسط والعالم، بعد مرور قرابة عامٍ على وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، لا سيما تداعيات سياساته في: الملف النووي الإيراني، ومسألة اليمن، والانسحاب من أفغانستان، وأولوياته في التصدي لتحدي المنافسَيْن الصيني والروسي. 

وفي ظل حاجة السعودية إلى تخفيف التوتُّر في علاقاتها الإقليمية، وفي إطار محاولات الرياض لتوسيع خياراتها وهامش حركتها ومبادراتها الدبلوماسية، خصوصًا البحث في سُبل الخروج من حرب اليمن، وإعادة تقديم رؤية 2030 ومشروع مدينة نيوم، بوصفهما “نقلة استثمارية اقتصادية إقليميًّا وعالميًّا”، توالت مؤشرات سياسة “التهدئة الإقليمية”، بدايةً من تهدئة الخلاف مع قطر، والتقارب مع سلطنة عُمان، مرورًا بإعادة رسم العلاقات السعودية مع مصر والإمارات وباكستان، فضلًا عن تحريك ملف العلاقات مع تركيا، وانتهاءً بإجراء أربع جولاتٍ من الحوار مع إيران.  

سيتناول الجزء الأول من هذا التقرير دوافع التهدئة في السياسة الإقليمية السعودية. ثم يتناول الجزء الثاني سياسة الرياض تجاه تركيا وإيران. أما الجزء الثالث فيناقش السيناريوهات المحتملة للعلاقات السعودية مع كلٍّ من أنقرة وطهران.

أولًا: الدوافع السعودية لسياسة التهدئة الإقليمية

يمكن تفسير “التغيُّر النسبيّ” في سياسات السعودية الإقليمية بعد قمَّة العُلا مطلع عام 2021 بثلاثة دوافع: أولها الرغبة في تخفيف الضائقة السعودية، الناجمة عن: تداعيات جائحة كورونا، وتذبذب أسعار النفط، وتكلفة حرب اليمن؛ إذ أدَّت هذه المتغيرات الثلاثة إلى إرهاق الاقتصاد السعودي، المثقل أصلًا بأعباء مشكلات مزمنة مثل: ريعية الاقتصاد، واعتماده على الإيرادات النفطية؛ أي على القطاع الحكومي، ومحدودية منجزات الخطط الاقتصادية الخمسية للدولة (من عام 1970 إلى عام 2010)، والفساد الإداري والبيروقراطية، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا بين فئات الشباب والمرأة والمتعلمين، والاعتماد على اليد العاملة الوافدة[i].

وعلى الرغم من وجود 440.75 مليار دولار من الأصول الاحتياطية الأجنبية لدى البنك المركزي السعودي، في أبريل/نيسان 2021، فقد سجَّلت السعودية عجزًا  مقداره 79.5 مليار دولار في عام 2020، بعد تحقيقها إيرادات بـ 205.5 مليارات دولار، مقابل إنفاق بـ 285 مليار دولار. وأعلنت الحكومة السعودية موازنة عام 2021 بإنفاق 264 مليار دولار، مقابل إيرادات بـ 226 مليار دولار، متوقعةً عجزًا قيمته 38 مليار دولار[ii].

وبعيدًا عن الأبعاد الإعلامية والدعائية، التي تفسِّر استمرار السعودية في الإعلان عن مبادراتٍ اقتصادية وبيئية تستقطب اهتمامًا عالميًّا وإقليميًّا (مثل: أن تكون الرياض من أكبر 10 اقتصاديات بين مدن العالم، ومبادرة “السعودية الخضراء”، و”الشرق الأوسط الأخضر”، وتأسيس مدينة نيوم الصناعية “أوكساغون”، ومشروع “وسط جدة”)[iii]، فقد أضعفت التداعيات الاقتصادية لكورونا -إجمالًا- قدرة السعودية على الإنفاق على المشروعات الطموحة لولي العهد، محمد بن سلمان، وأدَّت إلى إجراءاتٍ ربما تهدِّد الاستقرار الاجتماعي السعودي (مثل رفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15%، وتعليق بدل المعيشة)[iv]، التي ربما تكشف عن تغيير حقيقي في السياسات المالية للسعودية، وصولًا إلى فرض ضرائب على الدَّخْل، تجاوبًا مع توصيات عدَّة جهات دولية، بهدف تنويع دخل الدولة وتخفيف النفقات العامة وتجفيف الدعم الحكومي رويدًا رويدًا.

وإضافةً إلى التحديات الاقتصادية السعودية، والعقبات أمام تنفيذ رؤية 2030 (المصمَّمة بروح وأفكار “نيوليبرالية” تعكس الرغبة في الاندماج أكثر في النظام الاقتصادي العالمي، في إطار عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط)[v]، فإن تآكل القدرة المالية السعودية يمكن أن يؤدي إلى “انكفاء” السياسة الخارجية السعودية تدريجيًّا، وعودتها إلى دائرتَي اليمن والخليج فقط، ما يعني تآكل الاهتمام السعودي بملفات فلسطين ولبنان وسوريا، وربما إقرار الرياض -آخر المطاف- بنفوذ فاعلين دوليين وإقليميين آخرين في هذه الملفات، لا سيما إيران، المنافس الإقليمي الأبرز للسعودية في الشرق الأوسط.