العلاقات السرية بين إسرائيل والدول العربية ما بعد اتفاق أوسلو

مدخل: ينبع اهتمامنا بهذا الموضوع مما شهدته المنطقة في الأعوام الأخيرة من تطورات كبيرة، قادت -في نهاية المطاف- إمَّا إلى تطبيع رسمي مثلما حدث في اتفاق أبراهام، وإمَّا إلى تعميق العلاقات السرية التي كانت قائمة أصلًا بين إسرائيل وأطراف عربية أخرى. ولطالما كانت السرية هي السمة الأبرز في تاريخ العلاقات العربية الإسرائيلية، وهي علاقات قديمة يعود بعضها حتى إلى ما قبل إعلان إسرائيل؛ حيث كانت أطراف أو شخصيات عربية تتواصل مع شخصيات صهيونية، إلا أن الدراسة تركِّز فقط على ما بعد اتفاق أوسلو الذي أثَّر تأثيرًا كبيرًا في مسار العلاقات السرية والمُعلَنة بين إسرائيل والدول العربية.

وتسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن أسئلة كثيرة، منها: كيف أثَّر اتفاق أوسلو في مسار العلاقات السرية العربية الإسرائيلية؟ وما الدوافع التي ألجأت الدول العربية إلى سرية العلاقات مع إسرائيل؟ وما محددات السياسة الإسرائيلية التي دفعتها إلى اختيار هذا النموذج للتعامل مع محيطها الإقليمي؟ وما دور النُّخَب العسكرية الإسرائيلية في هذا الاختيار؟ وما السمات التي تميز العلاقات السرية بين إسرائيل ومحيطها العربي والإسلامي؟ وما أهم المحطات التي أثَّرت في العلاقات بين العرب وإسرائيل؟ وكيف أثَّر اتفاق أوسلو، وحرب لبنان الثانية، وفشل ثورات الربيع العربي، وتراجع الدور الأمريكي في المنطقة في مسار العلاقات؟

كما تحاول الدراسة أيضًا أن تحدِّد آفاق التعاون السري بين إسرائيل والدول العربية، على مستوياته المختلفة: السياسية، والأمنية العسكرية، والاقتصادية التجارية؛ ومعرفة أكبر الرابحين من وراء هذه العلاقات.

ونظرًا لتركيز الدراسة على العلاقات السرية، فإنها تتجنَّب قدر الإمكان الاتصالات المعلنة والرسمية، إلا إن كان ذلك ذا تأثير في الموضوع، أو كان له سابقة علاقات سرية.

وهذه الدراسة هي وصفية تحليلية بالأساس، مع توظيفها للمنهج التاريخي في بعض الأحيان. وقد بدأت بعرض النقاط الأساسية التي تحدِّد طبيعة السياسة الإسرائيلية، وأسباب لجوئها للعلاقات السرية، ثم أتبعنا ذلك بسمات العلاقات العربية الإسرائيلية، وطبيعة المصادر المستخدمة عند الحديث عنها، ثم الحديث عن الدوافع العربية لإقامة علاقات سرية مع إسرائيل، لننتقل بعدها إلى الحديث عن التحولات الإقليمية والدولية التي أثَّرت في العلاقات العربية الإسرائيلية، ثم عرضنا لمسارات هذه العلاقات: السياسية، والأمنية العسكرية، والاقتصادية التجارية. وانتهينا بخاتمة تلخِّص ما جاء في الدراسة من نقاط.

محددات السياسة الإسرائيلية وأسباب لجوئها للعلاقات السرية

هناك ثلاثة عوامل أثَّرت في شكل السياسة الخارجية الإسرائيلية، وطبيعة العلاقات الإسرائيلية العربية، وأن تكون أغلب هذه العلاقات سريةَ الطابع.

أولها: البحث الدائم عن الأمن؛ فقد حكمت طريقة نشأة إسرائيل عليها بأن تحيا دائمًا في بيئة محاطة بأعداء يقاطعونها ويهدِّدون أمنها ويعملون على تدميرها، وهو ما جعلها تشعر بأنها في حالة حصار دائم، مما جعل أغلب القيادات السياسية التي تقود الدولة في أغلب الفترات، وخاصةً في العقود الأولى، من النُّخَب العسكرية. وقد أدى ذلك إلى أن أصبحت إسرائيل تشبه في كثيرٍ من الجوانب ما يُطلَق عليه سياسيًّا “الدولة الحامية Garrison State”، وهو مصطلح كان قد أطلقه عالم الاجتماع الأمريكي هارولد لاسويل لوصف الدول التي تحكمها نخبٌ عسكرية غير ديمقراطية، متخصِّصة في مواجهة العنف، وهدفها الأساسي هو التعامل مع التهديدات الأمنية[i].

المهم أن بحث إسرائيل الدائم عن أمنها جعل سياستها الخارجية خاضعةً -في أغلب الأحيان- لحسابات أمنها القومي، وهو أمر طبيعيٌّ ولا مشكلة فيه، لكن المشكلة كانت تكْمُن في أن هذه الحسابات قامت على رؤية مفادها أن صراع إسرائيل مع محيطها الإقليمي صراعٌ وجوديٌّ غير قابلٍ للحلّ. وبالطبع كان لكثرة المواجهات مع العالم العربي -دولًا أو حركات- دورٌ في صياغة هذه الرؤية؛ فنتيجةً لهذه المواجهات تأسَّس الاعتقاد الذي كان قائمًا قبل عام 1967 بأن هناك موقفًا عربيًّا موحدًا يسعى إلى تدمير إسرائيل. لكن بعد عام 1967 تطور موقف مختلف لدى صنَّاع القرار في إسرائيل بأن أحد عوامل الضعف العربي يكْمُن في حالة التشرذم التي كانت ناتجةً عن التنافس بين الأُسر الحاكمة، بالإضافة إلى التنافس السياسي والجيو-استراتيجي بين الدول والقادة.

ولأن السياسة الإسرائيلية تأسَّست على تجنُّب المخاطر، وتوقُّع السيناريو الأسوأ باستبعاد تحقُّق السلام، والاعتقاد بإمكانية دمار إسرائيل في حال تعرُّضها للهزيمة، فإن ذلك أدى إلى أن تمرَّ الشخصيات الرئيسة من متخذي القرار بعضوية المؤسسات الأمنية، والأكثر من ذلك أن اتخاذ القرار في القضايا السياسية كان تحت سيطرة كاملة من جهتَيْن: وزارة الدفاع التي كانت مسؤولة كذلك عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن القومي، ومكتب رئيس الوزراء الذي كان مسؤولًا عن الموساد، أما وزارة الخارجية فلم يتبقَّ لها سوى دور ثانوي. وقد أدى هذا التهديد الوجودي إلى تنامي الروح العسكرية، وسلسلة من الإجراءات تغلغلت في كل مجالات السلطة والمجتمع. كما أدت الحاجة الدائمة للاستعداد لحرب شاملة إلى خلقِ منظومة ثقافية عسكرية، ومن ثَمَّ كانت العلاقات السرية تتناسب مع طبيعة هذه القيادات القادمة من المؤسسات الع