ملخص: تسعى هذه الورقة لبيان كيف تحكمت القوى السياسية في القواعد الدستورية والقانونية في الأزمة الليبية، واستطاعت أن تتحكم في المشهد الليبي من خلالها. كما تناقش الورقة كيف أن الفاعل المحلي والدولي، وكذلك مقاربة الأمم المتحدة التي بدأت منذ بداية الثورة الليبية مع نشأة الإعلان الدستوري الحاكم للمشهد الليبي لم تنجح في إيجاد طرف ثالث ومرجعية قانونية، بل ظل السياسي يزيح القانوني، من خلال التعديلات الدستورية أحياناً، أو الاتفاقات السياسية كاتفاق الصخيرات واتفاق جنيف أحياناً أخرى، والمعركة الأخيرة بين مجلس النواب والمحكمة العليا في ليبيا تؤكد هذا السياق.  هذه المراوحة تتطلب الانتقال من سياسة التمثيل التي عادة ما تنطلق منها الأمم المتحدة في جمع أطراف النزاع لتسويته، إلى مقاربة الطرف الثالث وهو البحث عن قوة قانونية يمكنها أن تضع قواعد للعبة السياسي ومرجعية حاكمة ومحكِّمة بين أطراف النزاع. هذا يقتضي عدة سياسات يمكنها أن تسهم في إيجاد ميزة استراتيجية لمن يتبنى هذه المقاربة حتى يمكنه تحويل المشهد المعقد الليبي إلى بناء متدرج يعمل كوسيط ومحكم ودافع للأطراف نحو التعاون والبناء بدل التنازع والصراع.

مقدمة

منذ اندلاع ما عرف بثورة السابع عشر من فبراير تكونت جدلية بينما هو قانوني وسياسي في ليبيا استمرت ليومنا هذا. هذه الجدلية يمكننا أن نصفها بأنها جدل بين الثابت القانوني والمتغير السياسي، أو بين المرجعية القانونية والظرفية السياسية، أو بين المعيار القانوني والزمنية السياسية؛ هذا التفريق بين المسارين قد يجعلنا ندرك أن سبب استمرار الأزمة في ليبيا هو تغليب منطق السياسة على لغة القانون. هذه الغلبة لها أسباب متعددة منها طبيعة الأزمات في الدول الهشة حيث يخشى كل طرف من نهاية المراحل الانتقالية لحالة دائمة لا تضمن مصالحه، ومنها المقاربة الليبرالية-كما تسمى في أدبيات النزاعات الدولية-والتي تميل لمنطق التعاقد والاتفاق السياسي على حساب لغة القانون والمقاربة الدستورية، ومنها التدخلات الخارجية ودعم الأطراف المتصارعة في ليبيا حيث يصعب التوجه نحو مرجعية في وجود حالة من عدم التوازن الإقليمي والدولي، ومنها استمرار شبكات المصالح في ليبيا في تأجيج الصراع حتى يتسنى لها الحصول على مزيد من المكاسب. هذا السياق بدأ منذ الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الانتقالي عام 2011، واستمر حتى بعد انتخاب لجنة لصياغة الدستور من قبل المؤتمر الوطني العام في 16 يوليو 2013، إلى أن جاء اتفاق الصخيرات بعد حرب دامية في طرابلس في نهاية عام 2015 والذي أسس لمفهوم السياسة على حساب القانون، ولمّا غاب البعد القانوني فشلت مؤتمرات واتفاقات دولية في إيجاد طرف ثالث قادر على إخراج ليبيا من دوامة الصراع والاتفاقات التي لم تلتزم بها الأطراف المتصارعة. هذا السياق يجعل من استمرار التعامل بمقاربة سياسية تتجاوز ما هو قانوني قد يكون سبباً في استمرار النزاع في ليبيا ومزيداً من الفشل للدولة الليبية ومؤسساتها.

نحاول في هذه الورقة متابعة هذه الجدلية في مراحلها المختلفة، وإبراز أهمية الطرف الثالث في الخروج من هذه الدوامة التي دخلت فيها ليبيا لأكثر من عقد من الزمن، وأنَّ تبني سياسة الطرف الثالث وفق شروط محددة قد يسهم في تقليل حالة الغموض بشأن المرحلة القادمة في ليبيا ويسهم في تصور مستقبل مغاير للواقع الذي يعيشه الليبيون، ويستبدل التغير المستمر في السياسة بالثبات النسبي للقانون، والمماحكات السياسية للفاعلين السياسيين، والبراغماتية التي تغلب على الفاعل السياسي الليبي بمعايرة قانونية تتسم بالعقلانية والمسؤولية.

السياق الزمني

  • في خضم الأحداث التي شهدتها ليبيا عام 2011، تجول عدد من قيادات الثورة الليبية في عواصم العالم، وكان الحديث عن نظام جديد في ليبيا يتوافق مع القيم الليبرالية العالمية، كما هو ظاهر من الإعلان الدستوري 3/8/2011 الذي تضمن الحقوق والحريات وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واقتصاد السوق، والنظام البرلماني والدورية الانتخابية؛ هذه المبادئ جاءت بناءً على اتفاقات ضمنية بين الأطراف السياسية التي برزت بعد الثورة. لكن المادة الأبرز في الإعلان الدستوري كانت هي المادة 30، والتي من خلالها وضعت خارطة الانتقال نحو المرحلة الدائمة في دولة ليبيا التي بشر بها الثوارُ العالمَ. هذه المادة تضمنت الحديث عن لجنة لصياغة الدستور؛ هذه اللجنة اختلف المشرعون في طريقة اختيارها، فبينما كانت النسخة الأولى للإعلان تتحدث عن تعيين للجنة صياغة الدستور من قبل المؤتمر الوطني العام وهو السلطة التشريعية التي نص الإعلان الدستوري على ضرورة انتخابها، نجد أن التعديل الأولى حول هذه النسخة 13/3/2012 كان باستبدال “تعيِّين تلك اللجنة المعنية بصياغة الدستور بانتخابها انتخاباً مباشراً من قبل الشعب الليبي.[1]

الذي فرض هذا التغيير هي الظروف السياسية وليست الحكمة والرؤية القانونية، فقد حاولت بعض التيارات الفيدرالية التأثير على المجلس الوطني الانتقالي لكتابة هذه الصيغة وهي الانتخاب للجنة الدستور. هذا التأثير السياسي سيكون له عواقب وخيمة على لجنة صياغة الدستور والمرحلة الانتقالية. عندما بدأ المؤتمر الوطني أعماله في 8 أغسطس عام 2012، كان واضحاً غياب السلطة التأويلية ونعني بذلك من يملك الحق في تفسير الإعلان الدستوري، خاصة وأن المهام التي كلف بها المؤتمر الوطني وفقاً للإعلان الدستوري كانت غاية في الأهمية فهي التي ستضع أسس الدولة الجديدة: الدستور والانتخابات والشرعية التي تحكم مؤسسات الدولة. لم يكن الإعلان الدستوري واضحاً أو مفصلاً لطبيعة النظام السياسي الجديد، وحدث جدل كبير حول إمكانية الفصل بين المهام التي كلف بها المؤتمر الوطني العام، وبين السلطة التشريعية التي يملكها في التعامل مع حياة الناس ومؤسسات الدولة الليبية، وبما أن السلطة القضائية لم تصمم في الأساس لتكون دستورية بعد إلغاء العمل بالدستور الملكي عقب انقلاب القذافي عام 1969، كان من الواضح أن النظام السياسي يعاني من عيوب في التكوين لم تكن ظاهرة في الإعلان الدستوري.

نتائج هذه العيوب هو تأخر المدد الزمنية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري، فرغم أن الإعلان الدستوري نص على “انتخاب هيئة تأسيسية بطريقة الاقتراع الحر المباشر” خلال 30 يوماً من أول اجتماع للمؤتمر الوطني العام إلا أن ذلك لم يحدث إلا في 20 يوليو عام 2013 أي بعد 10 أشهر. كان واضحاً أن عمل المؤتمر الوطني العام لم يكن سهلاً، وأن الصراعات السياسية بين الأحزاب والمستقلين لم تدرك خطورة المرحلة، وغابت السلطة القضائية التي تنظم عمل هذه السلطات خاصة في تفسير الإعلان الدستوري، وهذا ما حدث عندما بدأ الحديث عن مدة زمنية محددة لعمل المؤتمر الوطني العام لا ترتبط بمهامه. بمعنى آخر أن الأمر يتعلق بمدة محددة وليس بتأديته لمهامه، عُرف ذلك بحراك ” لا للتمديد”.

“لا للتمديد”[2] هو حراك سياسي انتشر في 15 مدينة ليبية يطالب فيها بإسقاط المؤتمر الوطني العام، وجاء ذلك بناء على قراءة للإعلان الدستوري تفترض أن المهام التي أوكلت للمؤتمر الوطني العام حددت بأزمان معينة في الإعلان الدستوري، وأن استمرار المؤتمر الوطني يخالف الإعلان الدستوري، فعليه أن يغادر حتى وإن لم ينجز مهامه، ورغم أن أنه لا يوجد أي نص واضح يؤكد أن المؤتمر الوطني العام له زمن محدد، إلا أن الأخير قام بتشكيل لجنة سميت لجنة فبراير للقي