ديناميات السياسة الخارجية الإماراتية تجاه الصراعات الإقليمية

الملخَّص: أطلق الربيع العربي، الذي اجتاح معظم البلدان العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في أواخر عام 2010، مرحلةً جديدةً غيَّرت في الوقت نفسِه النظام الإقليمي وسلوك بعض الجهات الفاعلة في المنطقة. وخلال هذا، حاولت الإمارات الظهور كلاعب إقليمي رئيس وقوة إقليمية عبر استخدام ركائز القوة بين الأدوات الناعمة والصلبة في ظل التطورات الناتجة عن الانتفاضات الشعبية وتراجع القوى الإقليمية العربية التقليدية کمصر وسوريا والعراق. وفي غضون ذلك، كانت الثروة مفتاحًا للنخبة الإماراتية الحاكمة لتسويق وتقديم نفسها أمام القوى الكبرى باعتبارها لاعبًا قادرًا على المشاركة في الترتيبات الأمنية للإقليم، وليس فقط طرفًا خاضعًا للترتيبات التي تفرضها القوى الإقليمية والعالمية.

وعلى مدى العقد الماضي، اتبعت الإمارات سياسةً خارجية خشنة وعدوانية إلى حدٍّ ما، حيث اعتمدت في كثير من الأحيان على أدواتٍ صلبة من خلال التدخلات العسكرية المباشرة والدعم العسكري لشركائها المحليين. إذ لعبت أبوظبي دورًا مهمًّا في قمع الاحتجاجات الشعبية في البحرين، والإطاحة بنظام الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، ودعم انقلاب عبد الفتاح السيسي ضد حكومة الإخوان المسلمين في مصر، والدعم الواسع النطاق لقوات خليفة حفتر ضد الحكومة المدعومة دوليًّا في ليبيا، ومشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والتعاون الفعَّال مع السعودية في التحالف العربي في اليمن.

لكن مع هدوء الاضطرابات التي أعقبت ثورات الربيع العربي، شهدت السياسة الخارجية لدولة الإمارات تغيراتٍ عديدة منذ بداية عام 2021، الذي أطلق عليه البعض عام التهدئة؛ إذ إنها حاولت التكيُّف مع الظروف الجديدة على الساحة الإقليمية والدولية دون تغيير أهداف سياستها الخارجية. ويبدو أن الجهد الإقليمي للإمارات يتجه نحو نهجٍ أكثر حذرًا وواقعية، كما يتم توجيه المزيد من الاهتمام والموارد إلى قضايا أخرى.

وفي الآونة الأخيرة، كان هناك تغيير واضح في السياسة الإقليمية للإمارات، ويظهر هذا التغيير في الحدِّ من مشاركتها في عددٍ من بؤر الصراع في المنطقة. حيث سحبت الإمارات معظم قواتها البرية من اليمن عام 2019، كما قلَّصت مشاركتها العسكرية في ليبيا منذ عام 2020، وفي أوائل عام 2021، وردت أنباء أن الإمارات تبحث تخفيض وجودها العسكري في إريتريا وأرض الصومال في القرن الأفريقي.

تسلِّط هذه الورقة التحليلية الضوءَ على التغيرات والتحولات في السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وهو ما فرض ثلاثة أسئلة أساسية تسعى إلى الإجابة عليها؛ أولًا: ما هي التغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية لدولة الإمارات خلال الخمسين سنة الماضية؟ وثانيًا: ما هو نهج السياسة الخارجية الإماراتية إزاء الصراعات الإقليمية؟ وثالثًا: ما أسباب التحول الأخير في السياسة الخارجية لدولة الإمارات؟

المقدمة

شهدت السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة العديد من التغييرات على مدار الخمسين سنة الماضية. فانتهجت على مدى العقود الثلاثة التي قادها مؤسِّسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان سياسةً وسطية حيادية إلى حدٍّ كبيرٍ في القضايا الإقليمية والدولية، وارتبطت بعلاقات وثيقة مع بلدان الخليج الأخرى، وكذلك الدول العربية والإسلامية. كما اتَّسمت تلك الفترة أيضًا بالتزام الإمارات بقضايا العروبة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وقد شاركت في الحظر النفطي إبان حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 لدفع الدول الغربية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها في حرب 1967([i]).

ومع بداية الألفية الثانية، طرأت تحولاتٌ كبيرة على سياسة البلاد الخارجية، حيث ركَّزت اهتمامها على التغيرات الطارئة على الاقتصاد العالمي، وسعت إلى إيجاد مكانٍ لها في مجالات كالطيران المدني والطاقة المتجدِّدة، كما عمَّقت علاقاتها بالولايات المتحدة، لا سيما في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001.

وطوال العقد الماضي، ازدادت إسهاماتها الأمنية الإقليمية بشكل مطرد، ليس فقط في منطقة الخليج، بل على نطاق أوسع في المنطقة العربية. فقد شاركت في عملية الناتو في ليبيا عام 2011، فضلًا عن مشاركتها في قوات درع الجزيرة التي دخلت البحرين في العام ذاته لإخماد مظاه