تمهيد

احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 والعرب السُّنَّة

هزَّت الاحتجاجات العراقية، التي بدأت في ساحة التحرير وسط بغداد في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 واتسعت رقعتها جنوبًا إلى مدينتي الديوانية والناصرية،  لاعبين لم يسبق أن نافسهم أحدٌ سياسيًّا ممَّن هيمنوا على النظام السياسي في العراق بعد عام 2003.

ظلَّت هذه الاحتجاجات المناهضة للحكومة في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية، في حين امتنع سكَّان المناطق ذات الأغلبية السُّنية عن المشاركة فيها؛ خوفًا من أن تخلق هذه الاحتجاجات أرضًا خصبةً لعودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن ثَمَّ منعهم المحافظون السُّنة المحليون من تنظيم احتجاجات. لقد حدَّ ذلك من إمكانية التحوُّل الشامل للاحتجاجات من احتجاجاتٍ جزئيةٍ افتقرت إلى المشاركة الواسعة من الطائفتَيْن العربية السُّنية والكردية في المجتمع العراقي، إلى احتجاجاتٍ وطنيةٍ تشمل جميع الطوائف. ونتيجةً لذلك، شارك السُّنة في الاحتجاجات في بغداد فقط بالرغم من إبداء شريحةٍ من العرب السُّنة في العراق تعاطفًا مع الاحتجاجات في الجنوب.

بعيدًا عن النهج القائم على الطائفة، فقد ولَّد البُعْد الواسع المعادي للطائفية والإثنية لاحتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 تصورًا مفاده أن هذه الاحتجاجات قد ولَّدت “إرادة وطنية عراقية”، ولكن بدلًا من وجود قيادةٍ تعكس مطالبَ ومواقفَ واضحةً لهذه الإرادة، ظلَّت الحركة الاحتجاجية ذات الأغلبية الشيعية متفرقةً وبلا قيادةٍ وفي حالة تقلُّب.

ما أهمية تقييم تأثير الشبكات السياسية الدينية السُّنية؟

لا نعرف الكثير عن المواقف السياسية للطائفة العربية السُّنية العراقية تجاه التغيير السياسي؛ نظرًا لعدم مشاركتها في انتفاضة 2019؛ ولذا فإن هناك حاجةً إلى دراسة الجهات العربية السُّنية القادرة على حشد أنصارها وفضِّهم، أي أولئك الذين يميلون إلى الإبقاء على الوضع الراهن، والذين قد يقاومون استعمال القوة في التغيير السياسي.

لقد اضطر الإسلاميون السياسيون الشيعة والجهات شبه العسكرية إلى اتخاذ مواقف واضحة؛ إذ إن حركة الاحتجاج إمَّا ساعدت على تمكينهم أو مثَّلت تحديًا لهم. وبالمثل، فإن نظراءهم السُّنة سيضطرون إلى اتخاذ موقفٍ ما في حال قرَّر العرب السُّنة القيام بعملٍ سياسيٍّ جماعيٍّ من خلال تعبئة الشارع في المستقبل.

وبدلًا من دراسة مواقف العرب السُّنة من التغيير السياسي، تسعى هذه الورقة إلى دراسة تموضع الشبكات السياسية الدينية السُّنية في المؤسسة العراقية وموقفها منها، بهدف التمكُّن من التنبؤ بمواقفهم المحتملة تجاه التعبئة الشعبية المشابهة لتلك التي حدثت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 في حال قادها العرب السُّنة.

يوصف الفاعلون بأنهم شبكة؛ لأنهم يشملون هجينًا من الإسلام السياسي السُّني والتبشير الديني اللذين يلعبان دورًا في السياسات الوطنية للبلاد، بالإضافة إلى وجودٍ محدودٍ – لكنه ظاهرٌ – في القطاعات الأمنية المجزَّأة في العراق. ويُستخدم مصطلح “الشبكات” في هذه الورقة؛ لأن بعض اللاعبين الرئيسيين يعرضون أنفسهم عبر وسائل مؤسسية متعدِّدة بدلًا من منظمة فردية واحدة.

هناك بُعدان قد يساعدان في تفسير استجابات الشبكات الدينية السياسية السُّنية وقدرتها على الاستجابة للعمل السياسي المستقبلي في مكوناتها الطائفية:

1- الأوزان النسبية للشبكات الدينية السياسية السُّنية ضمن البنية السياسية العراقية لنظام تقاسم السلطة الطائفي بعد عام 2003. يمكن للردود الخطابية من مثل هذه الجهات الفاعلة أن تعكس مواقفهم في مشهدٍ متقلبٍ سياسيًّا هيمنَ على العراق منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، كما يمكن أن تعكس استجابة كل جهة فاعلة استمرار التحالفات/ التنافسات السياسية أو تسلِّط الضوء على التحولات فيما سبق.

2- مدى قدرة هذه الشبكات على تعبئة أنصارها أو فضِّهم – إن لزم الأمر – من أجل العمل السياسي في المستقبل. تمتلك الشبكات السياسية الدينية السُّنية في العراق قوةً سياسيةً وأمنيةً وماليةً أقلَّ من تلك التي تمتلكها نظيراتها الشيعية، غير أن تحالفاتها قد تكون مهمَّةً للحلفاء الشيعة الحاكمين و/أو المنافسين في الأحداث الكبرى والمنعطفات الحرجة؛ إذ يمكن لتحالف الجهات الفاعلة السُّنية مع معسكر سياسيٍّ ما ذي قيادةٍ شيعيةٍ أن يُحدث تغييرًا في التوازنات.

يمكن للاصطفاف أو الدعم الحاسم من قِبَل الشبكات السياسية الدينية السُّنية أن يتخذ شكل تحالفات تصويت برلمانية أو دمج طائفي أو تجميلي حقيقي في الائتلافات الانتخابية والبرلمانية، أو الدعاية الدينية في أوقات الحرب، أو جهود التجنيد في زمن الحرب، والوساطة بين الطوائف وداخلها.