ملخَّص: مثَّلت درعا منذ اتفاق التسوية عام 2018 حالة استثناء بين بقية المناطق التي سيطرت عليها روسيا وقوات النظام في سوريا، حيث استمرت الفاعلية المجتمعية والأهلية والنشاطات المعارضة والمظاهر “الثورية” وحتى ردود الفعل المسلحة ضد هيمنة النظام المتزايدة، التي كان أبرزها الحراك الواسع ضد الانتخابات الرئاسية في أيار/ مايو 2021، بالإضافة إلى ظاهرة الانفلات الأمني و”الحرب الأمنية” تحت الغطاء.

فرضت قوات النظام السوري بدعمٍ روسيٍّ حصارًا على منطقة درعا البلد منذ يوم 24 حزيران/ يونيو 2021، وشهدت المحافظة في الشهرين اللاحقين أعنف حملة عسكرية يقوم بها النظام منذ اتفاق التسوية عام 2018، حيث انتهى التصعيد العسكري وأفضت عشرات جولات المفاوضات إلى اتفاق جديد في درعا البلد، تمَّ استنساخه لتطبيقه في عموم محافظة درعا.

يعبِّر اتفاق أيلول 2021 عن مقاربة أمنية روسية جديدة للمنطقة، وعن تغيير قواعد اتفاق 2018 ومحاولة إلغاء حالة الاستثناء في درعا، وتبدو أهم معالمه في اختصار الفاعلين المحليين على مستوى المجموعات المعارضة أو على مستوى أجهزة النظام نفسه، وتخفيف الحواجز والمظاهر الأمنية في المحافظة، مع منح نفوذ أكبر لجهاز الأمن العسكري على حساب الفرقة الرابعة بشكل رئيس، التي تُعَدُّ ذراع النفوذ الإيراني الأبرز ضمن جيش النظام والجنوب السوري.

أتى التصعيد والاتفاق الأخير في الجنوب منسجماً مع خطوات روسية – عربية يهدف كسر العزلة الاقتصادية والسياسية عن النظام السوري، حيث تزامن مع توقيع اتفاقية خط الغاز العربي وإعادة فتح معبر جابر الحدودي، ومع مبادرة أردنية تدعو الدول العربية والغربية لإعادة علاقاتها مع النظام السوري، حيث يبدو فرض الهدوء والسيطرة المطلقة للنظام على الجنوب بوابة لهذه الصفقات.

ورغم هدوء القصف والاشتباكات في الجنوب مع استكمال رحلة التسويات لتعبر جميع مناطق المحافظة، فإن المقاربة الأمنية الجديدة لا يبدو أنها ستضمن إنهاء حالة القلق الأمني والقابلية لتجدُّد الانفجار في الجنوب السوري.

مدخل: حالة الاستثناء في درعا

رغم تشابه بنود اتفاق التسوية في درعا (عام 2018) مع المناطق الأخرى التي سبقتها بالسقوط العسكري أو اتفاقيات التسوية، فإن درعا حظيت بوضعٍ خاصٍّ من حيث نمط السيطرة الهشَّة للنظام واستمرارية فاعلية المجتمع المحلي والأعيان والشبكات الثورية التي نشطت منذ عام 2011، مع تغيُّر بعض الفاعلين والكيانات، وظهر هذا الاختلاف بشكلٍ متزايدٍ بعد قرابة عام من اتفاق التسوية، بعد استقرار ووضوح المعادلة الجديدة بالنسبة إلى الفاعلين المحليين والنظام نفسه. فقد أسهم عدم تحقيق اتفاق التسوية لتعهداته بالاستقرار أو عودة الخدمات أو الإفراج عن المعتقلين، وزيادة عمليات الاعتقال وتوزيع الحواجز من قِبَل النظام، في دفع السكان من جديد نحو النشاط الاحتجاجي ومقاومة نفوذ النظام المتوسع، معتمدين على أساسٍ قويٍّ من رفض النظام في المنطقة التي شهدت بداية الثورة السورية.

  منذ أواخر عام 2018 عادت المظاهرات بشكلٍ تدريجيٍّ إلى درعا البلد ثم المناطق الأخرى بعد اتفاق التسوية[i]، وازدادت وتيرتها منذ بداية عام 2019[ii]، لتصبح نشاطًا مستمرًّا منذ أواخرها، وبدأت استعادة الحراك الشعبي ضد النظام في الجنوب السوري، والمنسق بين الشبكات الثورية والمناطقية المختلفة مع المظاهرات ضد إعادة تنصيب تمثال “حافظ الأسد” في درعا المحطة (10 آذار/ مارس 2019)[iii]، والتي كانت نقطة تحوُّل، وأول اختبار بين النظام و”مجتمع الثورة” في درعا، في إمكانية تغيير “الهوية السياسية” للمحافظة، وقياس قدرة النظام على ترسيخ قواعد ولاء وهيمنة جديدة بعد اتفاق التسوية، أو قدرة الحواضن الشعبية المؤيدة للثورة على التعبير عن موقفها وانحيازاتها بعد هزيمتها عسكريًّا.

وقد غلب على المظاهرات في مناطق المصالحة أن تكون مظاهرات طيارة يقوم بها مُلثَّمون[iv]، بينما كانت المراكز الأبرز للمظاهرات المعلنة في مناطق التسوية (درعا البلد وطفس وبصرى الشام)[v]، وكانت غالبًا مظاهرات احتجاجية على اعتقالات أو انتهاكات يقوم بها النظام في المحافظة، ثم تحوَّلت إلى مظاهرات تضامنية مع المناطق التي يحصل فيها توتُّر أمني، قبل أن يعود غالبها إلى حالة ما قبل اتفاق 2018 كمظاهرات سياسية واضحة معارضة للنظام[vi]، وكانت حوادث الاعتقال وتشييع الشخصيات الثورية والقادة المحليين أبرز محفزات المظاهرات بعد التهديدات الأمنية[vii].

 كما نشطت ظاهرة الكتابات على الجدران و”الغرافيتي” مرةً أخرى بوصفها مهربًا من الرقابة والتهديدات الأمنية، واستعادةً لرمزية الجدار في بداية الثورة في درعا[viii]، وأصبح واضحًا أن الشبكات الثورية في درعا قد تكيَّفت مع وضع التسوية وأعادت بناء أدوات وأساليب مقاومة السلطوية والقبضة الأمنية ضمن الهوامش التي تمكَّنت من توسيعها بالتدريج حتى صنعت حالة الاستثناء بين مناطق التسوية والتهجير الأخرى، وأصرَّت على استمرارية رمزية المحافظة المرتبطة بالثورة السورية رغم سيطرة النظام العسكرية عليها.