أثر قرارات المحكمة الاتحادية العليا في الواقع السياسي العراقي 

ملخَّص: خلال الأشهر السابقة، وبالتحديد بعد الانتخابات النيابية في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2021، برزت المحكمة الاتحادية لاعبًا أساسيًّا لتسوية الخلافات السياسية في العراق. وبالرغم من الإشكاليات المتعلقة بقانون المحكمة الاتحادية العليا، والتعديل الذي أُجري عليه في عام 2021، فإن قرارات المحكمة -سواء كانت المتعلقة بتشكيلها أو تعديلها- قد وفرت نوعًا من غطاء المشروعية لممارسة صلاحياتها واختصاصاتها، بالإضافة إلى أن البيانات الصادرة عن المؤسسات الرسمية في إقليم كردستان العراق -التي تشكِّك في مدى مشروعية المحكمة- لم تؤثر في استمرارية المحكمة في أداء مهامها.

إن بعضًا من قرارات المحكمة يتضمَّن نوعًا من التعديل غير الرسمي للدستور، وخاصةً في النزاع المتعلق بإدارة النفط والغاز من قِبَل الأقاليم. كما أن قرارات المحكمة قد هدمت الأركان الأساسية للديمقراطية التوافقية التي بُني عليها العراق وفقًا للدستور.

وما تتميز به المحكمة هو أن قراراتها غير ثابتة، أي تعدل عن مبدأ سبق لها تطبيقه في أحكامها السابقة، على الرغم من عدم تعديل النص الدستوري، ووجدنا التحوُّل القضائي في العديد من قرارات المحكمة.

وبالرغم من عدم تحديد النطاق الزمني لتنفيذ الحكم بعدم الدستورية، فإن المحكمة ملأت هذا الفراغ بقرار حدَّد الأثر الفوري لقراراتها، ما لم ينص القرار أو الحكم على تاريخ محدَّد. وبالنسبة إلى تنفيذ قراراتها، فقد نصَّ الدستور على أنها باتَّة ومُلزِمة للسلطات كافَّة، دون الدخول في تفاصيل كيفية إجراءات تنفيذ تلك القرارات.

مقدمة

تشكَّلت المحكمة الاتحادية العليا بموجب قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وذلك بموجب الأمر التشريعي رقم (30) لعام 2005، وبقي هذا القانون نافذًا حتى بعد صدور الدستور العراقي لعام 2005، وهناك اختلاف بين الدستور وقانون المحكمة من حيثُ التشكيلة والاختصاصات؛ ولذلك أُثيرت مشروعية المحكمة، سواء قبل تعديل قانونها أو بعدها، وهي حتى الآن محل نقاش.

وأصبح للمحكمة الاتحادية دورٌ أساسيٌّ في النظام السياسي في العراق، وأصدرت العديد من القرارات والأحكام ذات الطابع السياسي، التي عدَّلت محتوى النصوص والفقرات الدستورية بشكل غير رسمي، وكان لها دور حاسم في العديد من الصراعات السياسية الدائرة بين الفرقاء السياسيين، كقرار المحكمة بشأن تفسير “الكتلة النيابية الأكثر عددًا”، والأغلبية المطلوبة لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وغيرها.

إن لقرارات المحكمة أَثَرًا في أركان المبادئ الأساسية التي تشكَّلت عليها الجمهورية العراقية بعد عام 2003.

ومع ذلك، هناك تذبذب في قرارات المحكمة، وعدول أو تحوُّل في قراراتها، وذلك في أكثر من مناسبة، كون العراق من الدول التي لا تتبنَّى السوابق القضائية؛ ولذلك لا تتقيَّد بقراراتها السابقة. ولم يحدِّد قانون إدارة الدولة، ولا قانون المحكمة النطاقَ الزمني لتنفيذ الحكم بعدم دستورية النص التشريعي، إلَّا أن قرارات المحكمة قد عالجت هذا النقص.

وفي النهاية، تُثار إشكالية تنفيذ قرارات المحكمة، وخاصةً القرارات ذات الصبغة السياسية، التي يمكن أن تكون قابلةً للتفاوض، خاصةً بين السلطات الاتحادية وإقليم كردستان العراق.  

حول مشروعية المحكمة الاتحادية العليا

الخلفية: تشكَّلت المحكمة الاتحادية العليا في ظل قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004، وذلك بموجب الأمر التشريعي رقم (30) لعام 2005، أي قد صدر خلال المرحلة الانتقالية، وفقًا للصلاحيات التشريعية الممنوحة لمجلس الوزراء[i]، ولم يصدر من قِبَل مجلس النواب. وبصدور الدستور العراقي لعام 2005، تغيَّرت تشكيلة المحكمة، حيث يجب أن تتشكَّل المحكمة من عددٍ من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون يُحدّد عددهم وتنظيم كيفية اختيارهم وعمل المحكمة بقانونٍ يُسنّ بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب[ii]. لكنه وبسبب الخلافات السياسية، لم يصدر حتى الآن قانون المحكمة وفقًا لدستور عام 2005 النافذ.

هناك اختلاف بين الدستور وقانون المحكمة الذي صدر في ظل قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية. ففيما يتعلق بالعضوية في المحكمة، من الواضح أن الدستور أضاف “خبراء في الفقه الإسلامي” و”فقهاء القانون”، وهذا ما يتطلب إصدار قانون جديد لكي يكون تشكيل المحكمة منسجمًا مع ما جاء به الدستور.

أ- مشروعية المحكمة قبل التعديل الأول 

يرى البعض أن مشروعية المحكمة (قبل إجراء التعديل الأول عليه) مشكوك فيها؛ وذلك نظرًا لأن الدستور أكَّد على إصدار قانونٍ خاصٍّ بالمحكمة.

ويردُّ المدافعون عن مشروعية المحكمة بالاستناد إلى المادة (130) من الدستور، التي نصَّت على بقاء التشريعات النافذة معمولًا بها ما لم تُلغ أو تُعدّل وفقًا لأحكام الدستور، مما يعني أن قانون المحكمة (والقوانين الأخرى) سارٍ المفعول ونافذٌ ما دام لم يصدر قانون بإلغائها أو تعديلها[iii].

وفيما يخص إضافة الاختصاصات التي لم ينص عليها قانون إدارة الدولة، كتفسير نصوص الدستور، فإنها معدلة استنادًا إلى النص الدستوري الذي يعلو على غيره من نصوص التشريع العادي.

وهناك نماذج مماثلة للحالة العراقية، كالمحكمة الدستورية في مصر التي لم يطعن أحدٌ في شرعية وجودها، على الرغم من اختلاف أحكام تشكيلها واختصاصاتها بموجب الدستور السابق لعام 2012 عن الدستور المُلغَى والإعلانات الدستورية التي أصدرها المجلس العسكري أو رئيس الجمهورية.

وقد أكَّدت المحكمة في أحد قراراتها[iv] على دستوريتها، حيث جاء فيه: “…وإن عدم صدور قانون جديد للمحكمة لا يعني عدم ممارسة مهامها التي نصَّ عليها القانون والدستور… فمؤسسات الدولة تبقى قائمة وتمارس مهامها المنصوص عليها في قوانينها وفي الدستور أو في القوانين حتى تُلغى قوانينها أو تُعدّل استنادًا إلى أحكام المادة (130) من الدستور، وذلك تأمينًا لسير العمل في هذه المؤسسات واستقرار شؤون الدولة ومصالحها…”.

بشكل عام، يرى الفقهاء أنه مع إضفاء الطابع المؤسسي على المؤسسات، فإنها تسعى إلى إضفاء الشرعية على أنشطتها، من خلال السيطرة، أو تشكيل البيئة السياسية لذلك، وذلك كقاعدة عامَّة، تترجم المؤسسات في هذه الحالة إلى قوة سياسية[v].

إن القول بأن المحكمة الحالية غير دستورية، من الناحية العملية، لا يمكن تطبيقه بشكل واقعيّ؛ لأنه لا يمكن لأي سلطة أخرى أن تحلَّ محلَّ المحكمة الاتحادية في ممارسة اختصاصاتها وصلاحيتها، كما أنه يؤدي إلى خلق العديد من المشاكل الدستورية، ويؤثر في النظام السياسي والقانوني ككُل؛ لأن المحكمة هي الجهة المختصَّة بتصديق نتائج الانتخابات، فإذا كانت المحكمة الحالية غير دستورية، فإن هذا يعني أن قراراتها مُلغاة، وهذا يعني أن مجلس النواب في دوراته 2010 و2014 و2018 و202 الحالية غير دستوريّ؛ لأن تلك المحكمة هي التي صادقت على تلك النتائج. ومن ثَمَّ فإن القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس النواب تكون باطلةً.

ومن الناحية العملية، فإن جميع السلطات والدوائر في الدولة قد قبِلت قرارات المحكمة والتزمت بها دون أي اعتراضٍ على شرعيتها ودستوريتها.

ب- مشروعية التعديل الأول لقانون المحكمة الاتحادية العليا

كان رئيس المحكمة الاتحادية