تنزيل الـ PDF

ما مدى فعالية سياسة السعودية في مجابهة إيران؟

الملخص: يهدف هذا المقال إلى دراسة السياسة الجديدة للمملكة العربية السعودية تجاه إيران في الشرق الأوسط. ففي حين بدأ صعود الملك سلمان إلى العرش صفحةً جديدة في العلاقات الإيرانية-السعودية، أدى نهج محمد بن سلمان إلى منحًى من التصعيد المتواصل بين البلدين. ومع ذلك، فهذه ليست القصة كاملة. فتغير القيادة في السعودية تزامن مع تحولاتٍ في توازن القوى الإقليمية، وهي تحولاتٍ إلى جانب رئاسة ترمب خلقت زخماً لوجود رياض نشطة -وانتهازية- في الشرق الأوسط. وعلى ذلك، كان هناك تركيزٌ متنامٍ على الدور الإقليمي لإيران من جهة السعودية. وكانت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وكذلك المعارضة السورية، واستعادة الحكومتين السورية والعراقية السيطرة على أراضيهما، واستمرار الحرب اليمنية دون أي بارقة أمل، كلها أمور جعلت الرياض ترى أنَّ موقف خصمها أصبح أقوى، فيما ضَعُّف موقفها هي. لذلك جاءت الرياض بسياسةٍ لمجابهة إيران تهدف إلى السيطرة، وفي أفضل الأحوال عكس التيار الإقليمي الحالي.

تُغير المملكة العربية السعودية حاليّاً عاداتها المتعلقة بالانخراط الإقليمي في المنطقة. فهي لم تكن مسبقاً بهذا النشاط الكبير في تحدي ميزان القوى في المنطقة. ويَرجع السبب في ذلك إلى أنَّها تدرك أنَّ الميزان كان يتحول لصالح إيران، فلا يمكن أن تسوء الأمور أكثر مما تكشفت عنه من وجهة نظر الرياض. ففي حين أنَّ الحرب السورية إلى جانب تنظيم داعش انتهيا تقريباً، لا تزال السعودية تُصارع في الحرب اليمينة، وتحاول استمالة قطر ومصر لمسايرة أولوياتها الإقليمية. وبينما كانت الشراكة بين إيران وتركيا وروسيا فعالة للغاية، فقد تشذرَّت تحالفات الرياض في اليمن وتحالفات “مكافحة الإرهاب”. وفي أثناء ذلك، أدت إدارة أميركية مناهضة لإيران اليمين الدستورية. ويُنظَر إلى ترمب باعتباره فرصةً لمجابهة إيران، وباعتباره محفزاً لحملة الرياض ضدها، إذ تُشجع رئاسة ترامب السعوديين على التصعيد أملاً في حدوث مواجهة إيرانية-أميركية. ومن ثم حدثت أزمة قطر، واستقالة الحريري، واتهام إيران بارتكاب “عملٍ حربي”. وتتسبب هذه السياسة، بغض النظر عن مدى فعاليتها، في هز المنطقة بأكملها. ويتناول هذا المقال هذا التحول، وردود فعل إيران إزاءه وكذلك تبعاته الإقليمية.

حولَّت عقودٌ من الحذر السعودية إلى دولةٍ سلبية على المستوى الإقليمي. إذ كانت الرياض عادةً تسعى إلى بقاء الوضع الراهن كما هو عليه، في محاولةٍ لدمج طموحاتها الإقليمية ضمن التوازن الإقليمي. غير أنَّ سياستها الجديدة لا تتماشى مع هذا  التقليد. فالمسار الجديد للملك سلمان الهادف إلى كبح النفوذ الإقليمي الإيراني يُغيَّر الموقف الإقليمي للرياض. ومع غياب التسويات المطلوبة بشدة في الأزمات الرئيسية في المنطقة، فإنَّ السياسة السعودية الجديدة تزيد عدم اليقين بشأن مستقبل المنطقة، وتستغل الفرص وفقاً لمصلحة الرياض، وتشجَّع المنافسين وفقاً لنُقادها.

انبثق عن التحول في سياسة الرياض تغير مسار العلاقات الإيرانية-السعودية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، مرت العلاقات الإيرانية-السعودية بمراحل مختلفة تميزت بالتعاون المحدود في أوقاتٍ والتنافس والعداء الصريح في أوقاتٍ أخرى. وكان توازن القوى محركاً أساسياً للحسابات والسلوكيات المتبادلة والإقليمية للدولتين. وبناءً عليه، عندما رجحت كفة إيران في الميزان، نزعت السعودية إلى موقفٍ معادٍ لإيران. وفي أوقاتٍ تشهد تعزيزاً للتعاون السعودي-الأميركي، وسَّعت الاضطرابات المتزايدة داخل طهران نطاق الخلافات. وعليه، كانت سياسة الولايات المتحدة الإقليمية تؤثر على العلاقات الإيرانية-السعودية، وهكذا، كلما أصبحت السياسة الأميركية أقل اتزاناً -سواءٌ كان ذلك مُتصورَّاً أم حقيقياً- تقل فرصة التوصل لتسويةٍ بين الطرفين.

وبما أنَّ كبح نفوذ إيران هو حجر أساس ذلك النهج الجديد، ولأنَّ المعاملات الإيرانية-السعودية كان لها أثرٌ إقليمي، فمن المتوقع أن تضيف السياسة الجديدة للسعودية وردود فعل طهران أبعاداً جديدة إلى التنافس الإقليمي. وكانت سوريا، وقطر، ولبنان، واليمن هي المراحل الرئيسية للتحول السعودي ومسارها الجديد مع طهران. وسيتناول الجزء الأول من هذا المقال مناقشة التحول في السياسة الإقليمية السعودية. وسيتناول الجزء الثاني أسباب هذا التحول وردود فعل إيران. فيما سيحاول الجزء الثالث توقُّع التداعيات الإقليمية المحتملة.

التحول السعودي

لم تكن الرياض مطلقاً نشطةً للغاية هكذا في ما يتعلق بالشؤون الإقليمية. اعتادت السعودية في الماضي التخلف عن التطورات بدلاً من إثارتها. وعكست السلوكيات السابقة ضعف موقف الرياض نسبياً في الشرق الأوسط أثناء فترات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. وجعل هذا الوضع الرياض تُرحب بالشراكة الثنائية والإقليمية لاحقاً مع واشنطن. كانت الشراكة قائمةً على ثروة المملكة النفطية من جانب، وعلى القدرات الدفاعية لواشنطن من جانبٍ آخر. وكانت النتيجة شراكة سعودية-أميركية طويلة الأمد تغلبت على كلٍ من الحظر النفطي في عام 1973 وعلى أزمة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

وكانت الشراكة السعودية-الأميركية في فترة ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979 عاملاً جوهرياً في السلوك السعودي الإقليمي. فكلما زاد انشغال الرياضة باستقرار النظام الحاكم، زادت الأولوية التي يوليها لشراكته مع واشنطن. وهكذا، وسيراً على خطى واشنطن نفسها، دعمت الرياض جهود الحرب ضد إيران التي قادها الرئيس العراقي صدام حسين في الثمانينيات، ووافقت على سياسة “الاحتواء المزدوج” خلال التسعينيات، ودعمت تهديدات الولايات المتحدة بتغيير النظام والعقوبات المُعجِزة أثناء العقد الأول وبداية العقد الثاني من القرن الحالي. ومع تغيُّر موقف الولايات المتحدة تجاه حكومة محمد خاتمي الإصلاحية في إيران، خففت الرياض بدورها حدة موقفها العدائي تجاه طهران. لذلك، وبالتعامل مع سياسات الولايات المتحدة على مدار أربعة عقود، يُمكن لصناع القرار الإيرانيين رسم خطٍ يربط بين سياسات الولايات المتحدة وتلك الخاصة بالسعودية تجاه إيران.[1]

لكنَّ موقف السعودية الجديد تجنب الصورة السابقة التي كان عليها في العقد الأول من القرن الحالي. أولاً، بدت الرياض أقل سعياً في الإبقاء على الوضع الراهن، وشرعت في حملة لإطاحة الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس المصري السابق محمد مرسي. لكنَّ دعمها للتغيير في الخارج رافقته حملة مناهضة للتغيير في شبه الجزيرة العربية. وأظهرت الحملة العسكرية للرياض في البحرين، فضلاً عن حربها في اليمن -وهي مؤشر آخر على تحركاتها غير المسبوقة- تصديها لأي شكل من أشكال التغيير المطلق في شبه الجزيرة العربية. لكن على المستوى الإقليمي كانت الرياض تكافح لتغيير التوازن.

ويُعد كلٌ من الحصار الذي فرضته الرياض على قطر، وإجبارها رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة، وعودتها إلى العراق، وموقفها المتزايد في حدته ضد إيران في اليمن، كلها مؤشراتٌ على مجموعةٍ جديدة من الأنشطة السعودية. وقيل إنَّ الحملة تهدف إلى مجابهة “التدخل” الإيراني في الشؤون العربية. وبتحرُكها ضد إيران إقليمياً، تعرب الرياض عن إنزعاجها من توازن القوى الناجم عن التطورات في السنوات الأخيرة، بما في ذلك اتفاق مشاركة السلطة في لبنان، والنشاطات الإقليمية لقطر، وبخاصةً هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق. ويُنظر إليها جميعها على أنَّها تحركات في صالح إيران، وهي في حد ذاتها نتائج تكافح السعودية لتجنبها.

ويأتي التحول السعودي تماشياً مع السياسة الجديدة لواشنطن إزاء طهران. وكانت الفترة الوحيدة التي شهدت اختلافاً صارخاً بين الموقفين السعودي والأميركي تجاه طهران أثناء الفترة الرئاسية الثانية لباراك أوباما. أجهضت سياسة أوباما تجاه إيران سياسةً دامت عقوداً طويلة تعتمد على التنسيق بين الولايات المتحدة والسعودية في ما يتعلق بطهران. لذلك، صنع  ترمب فرصةً لدحر هذا الاتجاه وتجنبه.[2] وبدا أنَّ وجهة النظر العامة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان هي أنَّه “بدعمٍ من إدارة ترامب -الذي امتدحه باعتباره “الشخص المناسب في الوقت المناسب”- سيبني السعوديون وحلفاؤهم العرب ببطء تحالفاً للتصدي لإيران.[3] بعبارةٍ أخرى، كان صعود ترامب وسلوكه المعادي لطهران محفزاً للسياسة الإقليمية الجديدة للسعودية التي تتسم بالمجازفة. وعلاوةً على ذلك، يبدو أنَّ الرياض تصعد سياساتها ضد إيران لتشجع واشنطن على التحرك ضدها.

تعمُّق الخلافات

تجد إيران نفسها عالقةً في قلب الخطط الجديدة للرياض. إذ أثارت السياسة والنفوذ الإيرانيان في الشرق الأوسط -مُتصورين كانا أم حقيقيين- ردود فعل الرياض. وهذه مشكلة جوهرية. فطهران أيضاً تفسر سياسات الرياض على أنَّها أعمالٌ عدائية، وأنَّ سياساتها الخاصة هي رد فعل تجاه السعودية. ونتيجةً لذلك، ظهرت معضلةٌ أمنية، مع تهديد التحركات السعودية لإيران وتهديد السلوك الإقليمي الإيراني للسعودية. وإذا لم تُكسَر تلك الدائرة المفرغة في مرحلةٍ ما، فقد يؤدي هذا الوضع إلى نشوب صراع. وهذا هو السبب في أنَّ سياسات الرياض التي تحاول تغيير الوضع الراهن والمدفوعة بأهدافٍ أمنية يمكنها أن تؤدي إلى نتائج عكسية. ويمكنها أنَّ تؤدي إلى مزيدٍ من اختلال التوازن، وتضيف إلى الاضطرابات الإقليمية وبالتالي تُفاقِم عدم الاستقرار.

بعد أكثر من عقدٍ من الزمان، بدأت الرياض أخيراً في فهم الحقائق الجديدة في العراق والتسليم بها. وهذه في حد ذاتها أخبارٌ جيدة يمكن أن تؤدي إلى مزيدٍ من الاستقرار في البلد الذي مزقته الحرب. لكن في ما يتعلق بعلاقاتها بطهران، فنوايا السعودية تحمل خطورةً أكبر. وكما يقترح خطاب سفيرها الأول لدى العراق ثامر السبهان، فالخُطة الجديدة للرياض في العراق صُمِّمَت لمجابهة إيران. يمكن أن يبني هذا تنافساً صحياً مثل ذلك الذين بين إيران وتركيا في العراق. لكن لكي يسير هذا الأمر على هذا النحو، يجب التخلي تماماً عن فكرة أنَّ مكاسب إيران تمثل بالتأكيد خسائر للسعودية والعكس. وحتى الآن، أبدى النهج السعودي في العراق مؤشراتٍ معاكسة، مشعلاً غضب العراق، ومتسبباً في طرد السفير السعودي.[4] وقد تؤدي الخُطة الجديدة، التي قيل إنَّها تُركز على عملية الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب، إلى مسارٍ دبلوماسي جديد. غير أنَّ العقلية القديمة لا تزال باقية. إضافةَّ إلى ذلك، فلا يمكن تقويم العراق بمعزل عمَّا يحدث، والسياسة الإقليمية للرياض أبعد ما تكون عن التجديد.

أمَّأ معضلة السعودية وقطر فكانت واحدةً من العلاقات الأكثر إشكالية في مجلس التعاون الخليجي. لعقودٍ كانت قطر تقاوم سلوك الرياض الساعي للهيمنة داخل مجلس التعاون الخليجي وخارجه. واختلفت السياسة الإقليمية للدوحة، بما في ذلك علاقتها المقربة مع جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، وشراكتها مع تركيا، وعلاقتها شبه المتزنة والمستمرة مع طهران، جذرياً عن تلك الخاصة بالرياض. وأصبح الاتفاق في المواقف بين الدولتين ممكناً بصورةٍ مؤقتة في سوريا، ولاحقاً في اليمن. لكنَّ السياسة المستقلة لقطر في مواجهة ميول الرياض للهيمنة لا يمكن أن تضمن استمرار التعاون

أظهرت الأزمة القطرية إخفاق التعاون القائم على قضايا بعينها. وطالبت الرياض وحلفاؤها قطر بتقديم تنازلاتٍ في ما يتعلق بعلاقاتها بكل من جماعة الإخوان المسلمين وإيران[5]. وأثبتت هذه المطالب أنَّها تأتي بنتائج عكسية. فأولاً، تقاربت قطر مع إيران وتركيا كوسيلةٍ لمواجهة الضغط الممارس عليها. وثانياً، وجدت إيران أرضيةً مشتركة إضافية مع تركيا، متمثلةً في قطر وجماعة الإخوان المسلمين. وثالثاً، عمقَّت المطالب الاختلاف داخل مجلس التعاون الخليجي. لذلك استفادت إيران من السياسة السعودية دون أي جهد. وتنشأ الإشكالية القطرية بالنسبة للرياض من افتقارها الجلَّي للبدائل. وعلى هذا النحو، لن تستطيع السعودية ولا قطر بسهولة التغلب على تداعيات المواجهة. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن قطر هي الحالة الوحيدة لهذا الأمر.

وأجبرت السياسة السعودية تجاه لبنان -رغم عدم الاتساق الغالب عليها- سعد الحريري على الاستقالة من منصبه، في إطار آخر مساعيها المناهضة لجماعة حزب الله. كان تولي الحريري رئاسة الحكومة نتيجةً لاتفاقٍ عام لمعالجة مشكلة فراغ السلطة في لبنان. وبعد تعليق الرياض لمساعداتها المالية للجيش اللبناني في فبراير/شباط عام 2016، بات الحريري -وهو القائد السني الرئيسي في لبنان- دون خيارات. وأبرم اتفاقاً جعل ميشيل عون رئيس لبنان، ومنح حزب الله حصةً في تشكيل الحكومة، بينما يتولى هو رئاسة الوزراء. لم يحظ الاتفاق بقبول الرياض. لكن مع انشغال السعوديين بمشاكل أخرى كثيرة، استمر سريان الاتفاق كما هو متوقع.

ومُثَّلت استقالة الحريري التي أذاعها من الرياض إشارةً على التحول في سياسة الرياض تجاه لبنان.[6] هاجم الحريري حزب الله وإيران بسبب “أنشطتهما المزعزعة للاستقرار”، سواءٌ داخل لبنان أو خارجه. لكن ما الذي أرادت الرياض تحقيقه؟ هل كانت ترغب في انسحاب حزب الله من المشهد السياسي، أو من سوريا، أم نزع سلاحه؟ لم يكن أيٌ من هذه النتائج مرجحاً. لكن بدا أنَّ التصعيد ضد طهران عبر حليفها الرئيسي في لبنان أمراً يستحق المحاولة بما يكفي. وأتى ذلك بالتزامن مع تصعيد إدارة ترمب ضد طهران، وكان يهدف إلى زيادة الضغط على طهران. لكنَّ النتائج جاءت مختلفة.

تحتم على الرياض إيضاح وضع الحريري بعدما أُثيرت تكهنات بأنَّه تحت الإقامة الجبرية. وفي نهاية المطاف، لم تجد السعودية خياراً آخر سوى تركه يرحل متوجهاً إلى باريس، ومنها إلى بيروت حيثُ استأنف رئاسته للحكومة. وأدى التحول السعودي تجاه لبنان إلى نتائج عكسية. أولاً، تسببت استقالة الحريري في التفافٍ شعبي غير مسبوق في صفوف المجتمع اللبناني المنقسم. وثانياً، وجهت ضربةً أخرى لحلفاء السعودية في لبنان الذين يعلقون آمالهم المستقبلية على الرياض، وتلاشت أولى آمالهم عندما سحبت الرياض دعمها. ثالثاً، بدلاً من التركيز على أدوار حزب الله في لبنان وسوريا، كان المجتمع الدولي يتابع وضع الحريري. وكانت التبعات الثلاثة غير مقصودة.

وشنت إيران، وهي الطرف المستهدَف من تلك التحركات، حملةً سياسية ضد تحرك الرياض، إذ انتقد رئيسها الرياض بشدة لأنَّها صنعت سابقةً في سياسة الشرق الأوسط بإجبارها الحريري على الاستقالة.[8] وبشكلٍ عام، مع فشل الحملة السعودية في لبنان، استفادت إيران دون أي تغييرٍ في نهجها. وفي واقع الأمر، ففي حين تَراجع الحريري عن الاستقالة، لم تفعل الحملة السعودية المعادية لحزب الله شيئاً سوى الإضرار بسمعة المملكة في لبنان، ومصداقيتها بين اللبنانيين السنة.

وتظل الحرب اليمنية، المستنقع العميق الذي علقت به الرياض، تدخلاً باهظ الثمن بالنسبة لها. أوقفت الحرب التي بدأت في مارس/آذار عام 2015 الحوثيين عن التقدم صوب عدن، وأجبرتهم على الانسحاب من أجزاء كبيرة من الأراضي اليمنية. غير أنَّ غياب إستراتيجيةٍ للخروج أبقت الرياض بين المطرقة والسندان. وعلى مدار 30 شهراً حتى الآن، كانت الرياض تكافح لنزع سلاح الحوثيين. وعلى الرغم من أنَّ المهمة بدت مستحيلة منذ عام 2015، فقد ظلَّت الرياض مُصرَّة على خيارها العسكري. وليست مشكلة الرياض مع اليمن بالفريدة من نوعها؛ فهي تماماً مثل أزمة قطر واستقالة الحريري، تنبع من غياب مخرج أو استراتيجية بديلة. لذا فإن الرياض ما زالت تُنفق المال، والحرب مستمرة، واليمنيون يعانون.

ما يُعد جديداً هو تركيز الرياض المُتكرِّر على دعم إيران للحوثيين. كان الدعم السياسي والإعلامي الذي قدمته طهران للحوثيين جلياً. لكنَّ دعمها العسكري للجماعة ما زال مبهماً. ومع ذلك فأنًّ السعودية كانت تضخم بوضوح حجم هذا الدعم العسكري.[9] وكوسيلةٍ لردعها، كانت صواريخ الحوثيين تستهدف السعودية منذ عام 2015. وبمرور الوقت أصبحت الهجمات الصاروخية حتى أكثر تطوراً ودقة. ورغم ذلك، فعندما استهدف الحوثيون الأراضي السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، اتهمت الرياض إيران بارتكاب “عملٍ حربي”.[10]

وبمراقبة نمط الهجمات الصاروخية، لا يمكن للرياض إغفال الحقيقة التالية: بدلاً من الاستسلام، سيستهدف الحوثيون وحلفاؤهم اليمنيون حتى أهدافاً أكبر في السعودية. إذ حذر عبد الملك الحوثي زعيم الحوثيين الرياض وأبو ظبي من المدى البعيد الذي قد تصل إليه الصواريخ اليمنية. [11] ومع ذلك، فقد اتهمت الرياض إيران بارتكاب “عملٍ حربي”؛ وجلبت القضية إلى قاعات الأمم المتحدة، ودعت جامعة الدول العربية لمناقشة الأعمال العدوانية الإيرانية. ويَفترض رد الرياض أنَّ الحوثيين وكيل لإيران. ويفترض كذلك أنَّهم يطيعون سلسلةً من الأوامر. لكن الأكثر أهمية، أنَّه يعتبر أنَّ الصواريخ المُطلَقَة من اليمن إيرانية الصنع. كانت الرياض قادرةً على حشد الجامعة العربية للتنديد بـ”تدخلات” و”عدائية” إيران. [12] لكن جهود السعودية لم تنجح في وضع إيران تحت ضغط الولايات المتحدة وانتقامها، وكذلك في تحويل الضغط الدولي عن حرب الرياض على اليمن.

إجمالاً، تحركت السعودية، بتشجيعٍ من سياسة ترمب تجاه الشرق الأوسط، بما في ذلك سلوكه المعادي لإيران، لتنتقل من المشاركة في المواجهات الإقليمية إلى إشعالها. والهدف هو عدم تفويت فرصة ترمب. ويأتي التحرك بالتزامن مع حديثٍ مسترسل في واشنطن عن “توجيه صفعةٍ لإيران”. ويمكن للمواجهات الإقليمية المتصاعدة، التي قد تظهر فيها إيران كطرفٍ عدواني، المساعدة في بلورة هذه “الصفعة”، أو هكذا تعتقد الرياض. إضافةً إلى ذلك، تبدو السعودية متلهفةً لقيادة جبهةٍ متحالفة مع الولايات المتحدة ضد طهران. ويفسر هذا تحركاتها المؤسسية داخل الجامعة العربية والأمم المتحدة. [13]

وعلى الجانب الآخر، تحتفل إيران بهلاك تنظيم داعش، وردت على التصعيد السعودي بثلاث وسائل:

الإنكار: شنت إيران رسمياً حملةً ضد تصعيد الرياض واتهاماتها التي وجهتها لطهران في لبنان واليمن. وأنكر الرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، والمتحدثون باسمهما كل ادعاءات الرياض.

الثأر: على طريقة الدبلوماسية القائمة على مبدأ العين بالعين، صعدَّت طهران دعواتها لوقف التدخل السعودي في كلٍ من لبنان واليمن، وبالتالي جعلت التصعيد السعودي يرتد على الرياض نفسها.

التحييد: وهي الوسيلة الأهم، عن طريق الفصل بين علاقاتها بالسعودية ومشاركتها الدولية، إذ حاولت طهران جاهدةً تحييد تأثير التصعيد السعودي على تواصلها الدولي. وكان ذلك في واقع الأمر جزءاً من الدبلوماسية الإيرانية منذ المفاوضات التي أدت إلى  خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني).

إجمالاً، بما أنَّ طهران لديها أمور أكثر أهمية ومنفعة، ألا وهي عداوة ترمب لها والاتفاق النووي الإيراني، فهي لا ترغب في تخصيص جزءٍ كبير من طاقتها الدبلوماسية لتصعيدات الرياض. لكنَّها تستجيب وستستجيب للتصعيدات السعودية أولاً عن طريق محاولة تحييدها، ثم بتقديم الرياض باعتبارها الفاعل الرئيسي الذي يزعزع الاستقرار في المنطقة. وطالما ظلَّت التصعيدات السعودية غير مباشرة، فردود فعل إيران عليها على الأرجح ستبقى ضمن الإطار المذكور أعلاه. وإلى جانب آثارها المتبادلة، فتصعيدات الرياض على الأرجح ستجلب تغييراتٍ إقليمية. لكن هل يمكنها ذلك بالفعل؟

النتائج الإقليمية

يُعد التوتر المتزايد نتيجةً عامة لمخاطر الصراع الإيراني-السعودي التي زادت بشدة في وقتٍ قصير. ومع كون الأزمات الإقليمية هي العوامل الرئيسية المؤثرة، فإنَّ تطوراتها على مدار الأشهر الأخيرة، وخاصةً بعدما تكشفت التصعيدات السعودية، أضحت هامةً في فهم التداعيات المحتملة. وهناك أربع حالات لأخذها بعين الاعتبار:

نهج قطر المستقل والمُوَازِن: عن طريق تمسكها بوضعها المستقل على المستوى الإقليمي، وحقوقها السيادية في مجلس التعاون الخليجي، بنت قطر قضيةً في مو