تنزيل الـ PDF

ما مدى فعالية سياسة السعودية في مجابهة إيران؟

الملخص: يهدف هذا المقال إلى دراسة السياسة الجديدة للمملكة العربية السعودية تجاه إيران في الشرق الأوسط. ففي حين بدأ صعود الملك سلمان إلى العرش صفحةً جديدة في العلاقات الإيرانية-السعودية، أدى نهج محمد بن سلمان إلى منحًى من التصعيد المتواصل بين البلدين. ومع ذلك، فهذه ليست القصة كاملة. فتغير القيادة في السعودية تزامن مع تحولاتٍ في توازن القوى الإقليمية، وهي تحولاتٍ إلى جانب رئاسة ترمب خلقت زخماً لوجود رياض نشطة -وانتهازية- في الشرق الأوسط. وعلى ذلك، كان هناك تركيزٌ متنامٍ على الدور الإقليمي لإيران من جهة السعودية. وكانت هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وكذلك المعارضة السورية، واستعادة الحكومتين السورية والعراقية السيطرة على أراضيهما، واستمرار الحرب اليمنية دون أي بارقة أمل، كلها أمور جعلت الرياض ترى أنَّ موقف خصمها أصبح أقوى، فيما ضَعُّف موقفها هي. لذلك جاءت الرياض بسياسةٍ لمجابهة إيران تهدف إلى السيطرة، وفي أفضل الأحوال عكس التيار الإقليمي الحالي.

تُغير المملكة العربية السعودية حاليّاً عاداتها المتعلقة بالانخراط الإقليمي في المنطقة. فهي لم تكن مسبقاً بهذا النشاط الكبير في تحدي ميزان القوى في المنطقة. ويَرجع السبب في ذلك إلى أنَّها تدرك أنَّ الميزان كان يتحول لصالح إيران، فلا يمكن أن تسوء الأمور أكثر مما تكشفت عنه من وجهة نظر الرياض. ففي حين أنَّ الحرب السورية إلى جانب تنظيم داعش انتهيا تقريباً، لا تزال السعودية تُصارع في الحرب اليمينة، وتحاول استمالة قطر ومصر لمسايرة أولوياتها الإقليمية. وبينما كانت الشراكة بين إيران وتركيا وروسيا فعالة للغاية، فقد تشذرَّت تحالفات الرياض في اليمن وتحالفات “مكافحة الإرهاب”. وفي أثناء ذلك، أدت إدارة أميركية مناهضة لإيران اليمين الدستورية. ويُنظَر إلى ترمب باعتباره فرصةً لمجابهة إيران، وباعتباره محفزاً لحملة الرياض ضدها، إذ تُشجع رئاسة ترامب السعوديين على التصعيد أملاً في حدوث مواجهة إيرانية-أميركية. ومن ثم حدثت أزمة قطر، واستقالة الحريري، واتهام إيران بارتكاب “عملٍ حربي”. وتتسبب هذه السياسة، بغض النظر عن مدى فعاليتها، في هز المنطقة بأكملها. ويتناول هذا المقال هذا التحول، وردود فعل إيران إزاءه وكذلك تبعاته الإقليمية.

حولَّت عقودٌ من الحذر السعودية إلى دولةٍ سلبية على المستوى الإقليمي. إذ كانت الرياض عادةً تسعى إلى بقاء الوضع الراهن كما هو عليه، في محاولةٍ لدمج طموحاتها الإقليمية ضمن التوازن الإقليمي. غير أنَّ سياستها الجديدة لا تتماشى مع هذا  التقليد. فالمسار الجديد للملك سلمان الهادف إلى كبح النفوذ الإقليمي الإيراني يُغيَّر الموقف الإقليمي للرياض. ومع غياب التسويات المطلوبة بشدة في الأزمات الرئيسية في المنطقة، فإنَّ السياسة السعودية الجديدة تزيد عدم اليقين بشأن مستقبل المنطقة، وتستغل الفرص وفقاً لمصلحة الرياض، وتشجَّع المنافسين وفقاً لنُقادها.

انبثق عن التحول في سياسة الرياض تغير مسار العلاقات الإيرانية-السعودية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، مرت العلاقات الإيرانية-السعودية بمراحل مختلفة تميزت بالتعاون المحدود في أوقاتٍ والتنافس والعداء الصريح في أوقاتٍ أخرى. وكان توازن القوى محركاً أساسياً للحسابات والسلوكيات المتبادلة والإقليمية للدولتين. وبناءً عليه، عندما رجحت كفة إيران في الميزان، نزعت السعودية إلى موقفٍ معادٍ لإيران. وفي أوقاتٍ تشهد تعزيزاً للتعاون السعودي-الأميركي، وسَّعت الاضطرابات المتزايدة داخل طهران نطاق الخلافات. وعليه، كانت سياسة الولايات المتحدة الإقليمية تؤثر على العلاقات الإيرانية-السعودية، وهكذا، كلما أصبحت السياسة الأميركية أقل اتزاناً -سواءٌ كان ذلك مُتصورَّاً أم حقيقياً- تقل فرصة التوصل لتسويةٍ بين الطرفين.

وبما أنَّ كبح نفوذ إيران هو حجر أساس ذلك النهج الجديد، ولأنَّ المعاملات الإيرانية-السعودية كان لها أثرٌ إقليمي، فمن المتوقع أن تضيف السياسة الجديدة للسعودية وردود فعل طهران أبعاداً جديدة إلى التنافس الإقليمي. وكانت سوريا، وقطر، ولبنان، واليمن هي المراحل الرئيسية للتحول السعودي ومسارها الجديد مع طهران. وسيتناول الجزء الأول من هذا المقال مناقشة التحول في السياسة الإقليمية السعودية. وسيتناول الجزء الثاني أسباب هذا التحول وردود فعل إيران. فيما سيحاول الجزء الثالث توقُّع التداعيات الإقليمية المحتملة.

التحول السعودي

لم تكن الرياض مطلقاً نشطةً للغاية هكذا في ما يتعلق بالشؤون الإقليمية. اعتادت السعودية في الماضي التخلف عن التطورات بدلاً من إثارتها. وعكست السلوكيات السابقة ضعف موقف الرياض نسبياً في الشرق الأوسط أثناء فترات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. وجعل هذا الوضع الرياض تُرحب بالشراكة الثنائية والإقليمية لاحقاً مع واشنطن. كانت الشراكة قائمةً على ثروة المملكة النفطية من جانب، وعلى القدرات الدفاعية لواشنطن من جانبٍ آخر. وكانت النتيجة شراكة سعودية-أميركية طويلة الأمد تغلبت على كلٍ من الحظر النفطي في عام 1973 وعلى أزمة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

وكانت الشراكة السعودية-الأميركية في فترة ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979 عاملاً جوهرياً في السلوك السعودي الإقليمي. فكلما زاد انشغال الرياضة باستقرار النظام الحاكم، زادت الأولوية التي يوليها لشراكته مع واشنطن. وهكذا، وسيراً على خطى واشنطن نفسها، دعمت الرياض جهود الحرب ضد إيران التي قادها الرئيس العراقي صدام حسين في الثمانينيات، ووافقت على سياسة “الاحتواء المزدوج” خلال التسعينيات، ودعمت تهديدات الولايات المتحدة بتغيير النظام والعقوبات المُعجِزة أثناء العقد الأول وبداية العقد الثاني من القرن الحالي. ومع تغيُّر موقف الولايات المتحدة تجاه حكومة محمد خاتمي الإصلاحية في إيران، خففت الرياض بدورها حدة موقفها العدائي تجاه طهران. لذلك، وبالتعامل مع سياسات الولايات المتحدة على مدار أربعة عقود، يُمكن لصناع القرار الإيرانيين رسم خطٍ يربط بين سياسات الولايات المتحدة وتلك الخاصة بالسعودية تجاه إيران.[1]

لكنَّ موقف السعودية الجديد تجنب الصورة السابقة التي كان عليها في العقد الأول من القرن الحالي. أولاً، بدت الرياض أقل سعياً في الإبقاء على الوضع الراهن، وشرعت في حملة لإطاحة الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس المصري السابق محمد مرسي. لكنَّ دعمها للتغيير في الخارج رافقته حملة مناهضة للتغيير في شبه الجزيرة العربية. وأظهرت الحملة العسكرية للرياض في البحرين، فضلاً عن حربها في اليمن -وهي مؤشر آخر على تحركاتها غير المسبوقة- تصديها لأي شكل من أشكال التغيير المطلق في شبه الجزيرة العربية. لكن على المستوى الإقليمي كانت الرياض تكافح لتغيير التوازن.

ويُعد كلٌ من الحصار الذي فرضته الرياض على قطر، وإجبارها رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة، وعودتها إلى العراق، وموقفها المتزايد في حدته ضد إيران في اليمن، كلها مؤشراتٌ على مجموعةٍ جديدة من الأنشطة السعودية. وقيل إنَّ الحملة تهدف إلى مجابهة “التدخل” الإيراني في الشؤون العربية. وبتحرُكها ضد إيران إقليمياً، تعرب الرياض عن إنزعاجها من توازن القوى الناجم عن التطورات في السنوات الأخيرة، بما في ذلك اتفاق مشاركة السلطة في لبنان، والنشاطات الإقليمية لقطر، وبخاصةً هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق. ويُنظر إليها جميعها على أنَّها تحركات في صالح إيران، وهي في حد ذاتها نتائج تكافح السعودية لتجنبها.

ويأتي التحول السعودي تماشياً مع السياسة الجديدة لواشنطن إزاء طهران. وكانت الفترة الوحيدة التي شهدت اختلافاً صارخاً بين الموقفين السعودي والأميركي تجاه طهران أثناء الفترة الرئاسية الثانية لباراك أوباما. أجهضت سياسة أوباما تجاه إيران سياسةً دامت عقوداً طويلة تعتمد على التنسيق بين الولايات المتحدة والسعودية في ما يتعلق بطهران. لذلك، صنع  ترمب فرصةً لدحر هذا الاتجاه وتجنبه.[2] وبدا أنَّ وجهة النظر العامة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان هي أنَّه “بدعمٍ من إدارة ترامب -الذي امتدحه باعتباره “الشخص المناسب في الوقت المناسب”- سيبني السعوديون وحلفاؤهم العرب ببطء تحالفاً للتصدي لإيران.[3] بعبارةٍ أخرى، كان صعود ترامب وسلوكه المعادي لطهران محفزاً للسياسة الإقليمية الجديدة للسعودية التي تتسم بالمجازفة. وعلاوةً على ذلك، يبدو أنَّ الرياض تصعد سياساتها ضد إيران لتشجع واشنطن على التحرك ضدها.

تعمُّق الخلافات

تجد إيران نفسها عالقةً في قلب الخطط الجديدة للرياض. إذ أثارت السياسة والنفوذ الإيرانيان في الشرق الأوسط -مُتصورين كانا أم حقيقيين- ردود فعل الرياض. وهذه مشكلة جوهرية. فطهران أيضاً تفسر سياسات الرياض على أنَّها أعمالٌ عدائية، وأنَّ سياساتها الخاصة هي رد فعل تجاه السعودية. ونتيجةً لذلك، ظهرت معضلةٌ أمنية، مع تهديد التحركات السعودية لإيران وتهديد السلوك الإقليمي الإيراني للسعودية. وإذا لم تُكسَر تلك الدائرة المفرغة في مرحلةٍ ما، فقد يؤدي هذا الوضع إلى نشوب صراع. وهذا هو السبب في أنَّ سياسات الرياض التي تحاول تغيير الوضع الراهن والمدفوعة بأهدافٍ أمنية يمكنها أن تؤدي إلى نتائج عكسية. ويمكنها أنَّ تؤدي إلى مزيدٍ من اختلال التوازن، وتضيف إلى الاضطرابات الإقليمية وبالتالي تُفاقِم عدم الاستقرار.

بعد أكثر من عقدٍ من الزمان، بدأت الرياض أخيراً في فهم الحقائق الجديدة في العراق والتسليم بها. وهذه في حد ذاتها أخبارٌ جيدة يمكن أن تؤدي إلى مزيدٍ من الاستقرار في البلد الذي مزقته الحرب. لكن في ما يتعلق بعلاقاتها بطهران، فنوايا السعودية تحمل خطورةً أكبر. وكما يقترح خطاب سفيرها الأول لدى العراق ثامر السبهان، فالخُطة الجديدة للرياض في العراق صُمِّمَت لمجابهة إيران. يمكن أن يبني هذا تنافساً صحياً مثل ذلك الذين بين إيران وتركيا في العراق. لكن لكي يسير هذا الأمر على هذا النحو، يجب التخلي تماماً عن فكرة أنَّ مكاسب إيران تمثل بالتأكيد خسائر للسعودية والعكس. وحتى الآن، أبدى النهج السعودي في العراق مؤشراتٍ معاكسة، مشعلاً غضب العراق، ومتسبباً في طرد السفير السعودي.[4] وقد تؤدي الخُطة الجديدة، التي قيل إنَّها تُركز على عملية الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب، إلى مسارٍ دبلوماسي جديد. غير أنَّ العقلية القديمة لا تزال باقية. إضافةَّ إلى ذلك، فلا يمكن تقويم العراق بمعزل عمَّا يحدث، والسياسة الإقليمية للرياض أبعد ما تكون عن التجديد.

أمَّأ معضلة السعودية وقطر فكانت واحدةً من العلاقات الأكثر إشكالية في مجلس التعاون الخليجي. لعقودٍ