تنزيل الـ PDF

ملخص: قطعت روسيا وتركيا شوطًا كبيرًا في سبيل استعادة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين بعدما كانا على وشك قطع العلاقات بينهما في الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني إلى يوليو/تموز 2016. غير أنَّ وتيرة التطبيع في المجالين التجاري والاستثماري لم تكن متكافئةً. إذ نجحت روسيا في إملاء شروطها في موضوعاتٍ تتعلَّق بقطاعي الزراعة والطاقة على سبيل المثال، وقدَّمت الحكومة التركية سلسلةً من التنازلات. والأكثر من هذا، أدَّت الأزمة وتداعياتها إلى تحويل الاعتماد التجاري المتبادل بين البلدين إلى أداةٍ ناعمة لإخضاع الطرف الآخر. ونتيجةً لهذا، رغم أنَّ تركيا ترى روسيا شريكًا لها في عدَّة ملفات سياسية مهمَّة مثل الحرب في سوريا، فإنها تستمرُّ في البحث عن سبلٍ لتعزيز موقعها في مجالاتٍ أخرى مثل أمن الطاقة. ورغم التقدُّم الذي أحرزته في بعض المشروعات الاستراتيجية مثل خط الغاز “ترك ستريم” ومحطة الطاقة النووية “أكويو”، فإن أنقرة لم تتخلَّ عن هدفها طويل الآجل الرامي إلى تأمين تنوع مصادر الطاقة. وينبغي أن تقدِّم روسيا وتركيا على حدٍّ سواء تنازلاتٍ كي يصبح تطبيع العلاقات الاستثمارية والتجارية بينهما خاليًا من التوترات. وللتقدُّم أكثر وتحقيق أقصى منفعةٍ ممكنة للمنتجين والمستهلكين على الجانبين، ينبغي عدم تسييس العلاقات الاقتصادية.

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يفتتح القمَّة مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بمدينة سوتشي الروسية المطلَّة على البحر الأسود: “أريد أن أُشير في بداية اجتماعنا أنَّه يمكن من الناحية العملية اعتبار أنَّ علاقاتنا قد عادت إلى طبيعتها بشكلٍ كامل”. وتتكرَّر التأكيدات نفسها كلما التقى الرئيسان. إذ تحدَّث بوتين في 3 مايو/أيار 2017 بعد اجتماعٍ آخر في سوتشي وقال: “انتهت فترة استعادة العلاقات التركية-الروسية، لقد عدنا إلى علاقاتنا الطبيعية”[1]. ومن الصعب معارضة ما يقوله الرئيس الروسي؛ إذ إنَّ الدولتين، منذ زيارة أردوغان إلى مدينة سانت بطرسبرغ في أغسطس/آب 2016 وما بعدها، تمكنتا من تخطِّي أزمة إسقاط الطائرة الحربية الروسية على يد تركيا، التي كادت أن تتسبَّب في انهيار العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين بنهاية عام 2015[2]. وحاليًا، تتعاون تركيا وروسيا في سوريا، ويتباحثان لإتمام صفقة شراء نظام الصواريخ المضاد للطائرات “إس-400″، بالإضافة إلى العمل على مشروعات بنيةٍ تحتيَّة كبيرة مثل خط الغاز “ترك ستريم” ومحطة الطاقة النووية “أكويو”.

قليلون هم من توقعوا مثل هذا التغيُّر الجذري في العلاقات بين البلدين منذ عامين، عندما اتَّهم الكرملين الحكومة التركية بدعم الإرهابيين في سوريا، وفرض عقوباتٍ تجارية قاسية ردًّا على إسقاط طائرته الحربية. وكانت الآثار مدمرةً: إذ انكمش حجم التبادل التجاري بين البلدين بنحو الثلث لينخفض من 23.9 مليار دولار في عام 2015 إلى 16.8 مليار دولار في عام 2016 (انظر إلى جدول 1)[3]. وخسرت تركيا ما يزيد عن 10 مليارات دولار، أي أكثر من 1% من ناتجها المحلي الإجمالي. وكانت أكثر القطاعات التركية تضررًا هي السياحة والإنشاءات والزراعة[4]، التي استهدفتها السلطات الروسية بالقيود والحظر. وعلى النقيض، استمرَّ الغاز الطبيعي، الذي يُعَدُّ السلعة الرئيسة في قائمة الصادرات الروسية، في تدفُّقه دون انقطاعٍ. وبعبارةٍ أخرى، كانت الصادرات التركية من السلع والخدمات إلى روسيا هي ما تلقَّى الجزء الأكبر من الضربة.

جدول 1: تجارة تركيا مع روسيا في المدة بين عامي 2009 و2017 (مُقدَّرة بوحدة مليار دولار أميركي)

2009 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 2017
إجمالي حركة التجارة 22.7 26.2 29.9 33.3 32 31.2 23.9 16.8 22.2
الواردات 19.5 21.6 23.95 26.6 25.3 3 20.3 15.1 19.5
الصادرات 3.2 4.6 6 6.7 7 5.9 3.6 1.7 2.7

المصدر: المعهد الإحصائي التركي (www.tuik.gov.tr)

وحتى في أفضل الظروف، ستكون استعادة العلاقات التجارية بين البلدين مشوبةً بالصعوبات. ولا عجب أنَّ تركيا وروسيا لم يعودا إلى الوضع السابق للأزمة التي اندلعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، رغم تصريحات المسؤولين بعكس ذلك. إن القيود الروسية تُلغى تدريجيًّا حاليًا، بينما تستغلُّ موسكو الأزمة لإعادة التفاوض بشأن بعض الصفقات الثنائية المبرمة مع الحكومة التركية على مدار السنوات السابقة. وتحلِّل هذه الورقة البحثية العقبات المتبقية في طريق استعادة التعاون الاقتصادي التركي-الروسي.

استعادة الروابط التجارية: الشيطان يكْمُن في التفاصيل

تخلَّلت كلَّ القمم التي جمعت بين بوتين وأردوغان خطواتٌ لتخفيف العقوبات الروسية. ففي أغسطس/آب 2016، رفعت السلطات الروسية حظرًا كان مفروضًا على رحلات الطيران الخاصَّة التي تخدم المنتجعات التركية[5]. ثم في مؤتمر مجلس الطاقة العالمي بإسطنبول في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2016، أشرف بوتين على توقيع اتفاق إنشاء خط الغاز “ترك ستريم”، الذي كان قد اقترحه في عام 2014. وفي 9 مارس/آذار 2017، قبيل وصول أردوغان لمناقشة الشأن السوري، رفعت موسكو الحظر المفروض على معظم أنواع الخضراوات والفاكهة القادمة من تركيا[6]. وتزامنت قمَّة الزعيمين مع جلسةٍ منعقدة لمجلس التعاون رفيع المستوى، الذي يضمُّ حكومتي الدولتين وكان غير نشطٍ منذ ديسمبر/كانون الأول 2014. وفي 31 مايو/أيار، وقَّع بوتين قرارًا يُمكِّن حاملي جواز السفر الخَدَمي التركي (أكثر من مليون شخص) والدبلوماسيين ومسؤولي القنصليات وعائلاتهم وطواقم عمل شركات الطيران وقطاعاتٍ معيَّنة من رجال الأعمال من الدخول إلى روسيا دون الحصول على تأشيرة[7].

لكن مع قراءة متأنِّية للوضع، تبدو الصورة أكثر قتامةً. فرغم التقدُّم المُحقَّق، فإنَّ العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تُسْتَعد بشكلٍ كامل. فروسيا التي تتَّخذ خطواتٍ متقطِّعة للضغط على الحكومة التركية لم ترفع بعدُ جميعَ القيود المفروضة. وأبرز الأمثلة على ذلك الطماطم، التي تُعَدُّ سلعةً رئيسة في قائمة الصادرات التركية بالإضافة إلى الفاكهة الحمضية. إذ حُذِفَت الطماطم من قائمة المنتجات الزراعية التركية المسموح بدخولها إلى روسيا. وبرَّر مسؤولون من الجانبين الأمر بأنَّ روسيا تأمل في تطوير إنتاجها المحلي. وأشار بوتين نفسه إلى أنَّ المزارعين الروسيين قد حصلوا بالفعل على قروضٍ مصرفية واستثمروا بكثافةٍ في زراعة هذه السلعة. لكنَّ هذه فرضية بعيدة الاحتمال؛ إذ ربما يستغرق الأمر خمس سنوات على الأقل لزيادة الإنتاج المحلي لتلبية الطلب. والسبب الأكثر احتمالًا هو الضغوط الناجمة عن المصالح الراسخة. إذ يُعَدُّ وزير الزراعة الروسي ألكسندر تكاشيف وعائلته نموذجًا للمسؤولين رفيعي المستوى المنخرطين في قطاع الأغذية والزراعة[8]. لذا، ليس مستغربًا أنَّ تكاشيف هو واحدٌ من أقوى الأصوات المطالبة بالحفاظ على القيود المفروضة على الصادرات الزراعية التركية. وقال: “منحنا شركاتنا المحلية إشارةً قوية لتلبية الطلب على الطماطم في السوق الروسية. بالطبع، أُنفقت أموال الدولة … ولسنا مستعدِّين بالتأكيد للعودة لاستيراد الطماطم التركية، ولن نفعل هذا”[9].

أثارت الطماطم حربًا تجارية قصيرة الأمد. إذ ردَّت تركيا في 15 مارس/آذار 2017 عبر فرض رسومٍ جمركية بنسبة 130% على الواردات الروسية من القمح والذرة، وجمَّدت إصدار تراخيص تسليم شحنات الأرز والبازلاء وزيت عباد الشمس. وكانت الإجراءات المضادة بمثابة هدية للجماعات المؤيدة للسياسات الحمائية في روسيا؛ إذ ساعدت في استمرار الوضع القائم. وعلَّق تشاكيف عليها قائلًا إنَّ الإجراءات التركية تشكِّك في “مدى إخلاص نيَّة أنقرة لبناء علاقاتٍ وثيقة”[10]. لكنَّ أردوغان وافق على إبطال هذا القرار تحت ضغطٍ مباشر من بوتين. وخلال اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود في إسطنبول في 22 مايو/أيار 2017، أنهى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف هذه الصفقة في اتفاقٍ مشتركٍ بين الحكومتين[11].

بعدها، حاولت السُّلطات التركية إقناع نظيرتها الروسية بخفض حدَّة الحظر المفروض على الطماطم وجعله موسميًّا[12]. لكنَّ موسكو اختارت نهجًا مختلفًا. وفي نهاية أكتوبر/تشرين الأول، سمح وزير الزراعة الروسي بدخول حصةٍ من صادرات الطماطم التركية تُقدَّر بنحو 50 ألف طن حتى نهاية عام 2017. وصلت أول شحنة من صادرات الطماطم إلى روسيا في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني[13]. وما زلنا في انتظار رؤية ما سيؤول إليه الوضع في عام 2017، وما إذا كانت الصادرات التركية ستعود إلى الحجم الذي كانت عليه قبل الحظر الروسي (338 طنًّا في عام 2015 على سبيل المثال)[14].

وفي كلِّ الأحوال، من الواضح أنَّ روسيا تُطبق “تكتيك السلامي” (يقصد به خطة إضعاف الخصم والتغلُّب عليه تدريجيًّا مثل طريقة تقطيع لحم السلامي لشرائح)، وذلك عبر إرخاء القيود المفروضة على أنقرة خطوةً بخطوة بهدف خدمة المصالح المحلية الراسخة وأيضًا للحفاظ على النفوذ الدبلوماسي الذي تملكه موسكو في تركيا. ويُعَدُّ تزامن معظم التنازلات الروسية مع القمم الثنائية المهمَّة التي تناقش قضايا سياسية وأمنية مؤشرًا على اتباعها هذه الخطة. ويُحتمل أن تواصل موسكو استخدام ورقة العلاقات التجارية لتطبيق سياسة العصا والجزرة مع أنقرة. فوصول شأنٍ عادي مثل حظر الطماطم إلى مستوى محادثات بوتين وأردوغان رغم أنَّ وزيري الزراعة هما المختصَّان بمناقشة هذا الأمر (أو ربما نائب رئيس الوزراء الروسي أركادي دفوركوفيتش ونظيره التركي محمد شيمشك) يجعل هذا التطبيع رهينةً للقضايا السياسية الحالية.

قضية تأشيرات السفر

تتعلَّق نقطة خلافٍ أخرى بتأشيرات السفر. إذ رفضت موسكو إعادة فرض نظام السفر دون تأشيرة، الذي كان يتمتَّع به كلُّ المواطنين الأتراك قبل إيقافه في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، مشيرةً إلى مخاوف تتعلَّق بالإرهاب لتبرير القرار. لكن لا توجد أيُّ قضايا تتعلَّق بمواطنين أتراك متورطين في أيِّ هجماتٍ على الأراضي الروسية[15]. وتمثِّل تأشيرات السفر حملًا بالنسبة إلى شركات الإنشاءات التركية، التي تجد صعوبةً في استعادة حصتها السوقية في روسيا. وتراجع حجم مبيعات هذه الشركات إلى حوالي 500 مليون دولار في عام 2016 مقارنةً بنحو مليار دولار في السنوات السابقة المزدهرة (ألحق التباطؤ الاقتصادي الضرر بشركات الإنشاء الروسية أيضًا)[16]. لكن أصبح هناك بعض الأمل مؤخرًا: إذ فازت شركة Esta للإنشاءات التركية بمشروع مصنع لتجميع السيارات تابع لشركة مرسيدس بنز في موسكو بقيمة 250 مليون دولار، ودخلت أيضًا في مناقصة لبناء مطارٍ إقليمي في مدينة ساراتوف (ودخلت شركة تركية أخرى وهي Limak في السباق أيضًا)[17]. لكن من المبكِّر للغاية تحديد ما إذا كانت شركات الإنشاءات التركية قادرةً على استعادة حصتها السوقية بشكلٍ كامل في ظلِّ استمرار وجود العقبات في طريقها. وفي سبتمبر/أيلول 2016، أُلقي القبض على ضباطٍ في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي على خلفية اتهامات بتلقي رشاوى لتجاوز القيود المفروضة على الهجرة وتأشيرات السفر[18]. وإلى جانب الزراعة، تُعَدُّ خدمات الإنشاءات قطاعًا مهمًّا بالنسبة إلى تركيا لضبط ميزانها التجاري مع روسيا، التي تبلغ قيمة صادراتها 25 مليار دولار، ومعظمها من الغاز الطبيعي، مقارنةً بوارداتٍ تبلغ قيمتها 5 مليارات دولار فقط.

مساومات الطاقة

يمثِّل قطاع الطاقة القسم الأكبر من التدفق التجاري بين الدولتين، وهو تدفقٌ من جانبٍ واحد لأنَّ تركيا مستهلكٌ للغاز الطبيعي الروسي. من ناحية، أُلغِيَ تجميد العمل في مشروعات الطاقة الكبرى التي توقفت بنهاية عام 2015. تشمل هذه المشروعات خطَّ الغاز الطبيعي “ترك ستريم”، الذي يُتوقَّع أن يضخَّ 31 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا إلى تركيا والاتحاد الأوروبي عبر البحر الأسود، بالإضافة إلى محطة أكويو للطاقة النووية، التي تقع بالقرب من مدينة مرسين الواقعة على ساحل البحر المتوسط، وهو المشروع الذي بدأ عام 2010. ومن ناحيةٍ أخرى، تختلف مصالح أنقرة الاستراتيجية عن مصالح موسكو. فتركيا تحتاج إلى مواجهة مشكلة اعتمادها الخارجي على مصادر الطاقة، الذي يبلغ نسبة 100% في حالة الغاز الطبيعي وأكثر من 90% في حالة النفط الخام؛ نظرًا للارتفاع المستمرِّ في الطلب المحلي. وتحاول أنقرة خفض سعر الغاز الطبيعي الروسي وإصلاح عجز الميزان التجاري المزمن، وتحاول أيضًا تنويع مصادر وارداتها من الطاقة بعيدًا عن روسيا، وإعداد نفسها كي تكون مركزًا تجاريًّا يجمع بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، وتسعى أنقرة أيضًا إلى تقليص حصة الغاز الطبيعي من إجمالي حجم استهلاكها من الطاقة (عن طريق رفع حصة الطاقة المتجدِّدة والنووية وحتى الفحم)[19]، فضلًا عن حثِّ المستثمرين الأجانب على تحمُّل المخاطر التجارية المرتبطة بتنفيذ المشروعات الطموحة، ومن ضمنهم الروس.

وحاليًا، تسعى روسيا إلى الحصول على تنازلاتٍ كانت الحكومة التركية ترفض منحها إياها. وحتى ديسمبر/كانون الأول 2015، بدا وكأنَّ الأتراك يملكون معظمَ الأوراق الرابحة فيما يتعلَّق بتعاملها مع شركتي Gazprom وRosatom. إذ كانت الحكومة التركية تطالب بخفضٍ كبير في سعر عقد الغاز الطبيعي طويل الأجل المرتبط بخط “ترك ستريم”، وكانت تقاوم طلبَ موسكو بالحصول على إعفاءاتٍ ضريبية في مشروع إنشاء محطة أكويو النووية. لكن الآن، يبدو أنَّ الطاولة قد انقلبت. إذ أسهمت الآثار المترتبة على العقوبات التجارية والحرب في سوريا ورغبة أردوغان في استعادة العلاقات مع روسيا في تعظيم نفوذ موسكو، الذي تُوظفه في مفاوضاتها التجارية مع أنقرة. ويصبُّ الربط ما بين السياسة والتجارة في مصلحة روسيا.

خطُّ “ترك ستريم”

إن حجم التبادل التجاري للغاز الطبيعي بين روسيا وتركيا ضخمٌ. فبعد إطلاق خط الغاز “بلو ستريم” في نوفمبر/تشرين الثاني 2005، أصبحت تركيا ثاني أكبر عميل لدى شركة Gazprom الروسية بعد ألمانيا؛ إذ بلغ حجم وارداتها من الغاز حوالي 24.76 مليار متر مكعب في عام 2016 (أي 60% تقريبًا من الاستهلاك المحلي)[20]. واستمرَّ تدفق الغاز الطبيعي بوتيرةٍ منتظمة، دون أن يتأثَّر إلى حدٍّ كبير بتدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وثبت خطأ التكهنات بأنَّ روسيا كانت على وشك استخدام “سلاح الطاقة” المبالَغ في قوته لمعاقبة الأتراك عبر قطع إمدادات الغاز الطبيعي عنهم. وبغضِّ النظر عن الحجم الكلي للسوق التركي، فإن موسكو تُثمِّن قدرة تركيا على أن تصبح طريقًا بديلًا لشحنات الغاز الطبيعي المتوجهة إلى الاتحاد الأوروبي بدلًا من أوكرانيا. وفي زيارةٍ له في ديسمبر/كانون الأول 2014، كشف فلاديمير بوتين عن خط “ترك ستريم” كبديلٍ لخط “ساوث ستريم”، الذي أغلقته المفوضية الأوروبية بسبب عدم الالتزام بقواعد المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي[21].

ولم يكن الاتفاق بشأن إنشاء خط “ستريم ترك” خاليًا من العقبات. إذ توقفت المباحثات الثنائية في عام 2015 نتيجةً لإصرار أنقرة على الحصول على خصمٍ كبير في قيمة العقد طويل الأجل الخاص بنقل الغاز الطبيعي عبر هذا الخط. وبهدف زيادة الضغط على الجانب الروسي، أقامت شركة BOTAŞ التركية دعوى تحكيم ضد شركة Gazprom. وعندما أوقف الروس خط “ترك ستريم” في بداية ديسمبر/كانون الأول 2015، أصبح مصير المشروع غامضًا. لكن تقارب حكومتي الدولتين منح المشروع دفعةً جديدة. ووافقت تركيا على توقيع اتفاقٍ بين الحكومتين في أكتوبر/تشرين الأول 2016 قبل حلِّ مسألة النزاع على سعر الغاز الطبيعي[22]. واتَّفق الطرفان على إعادة إطلاق المشروع خلال أول قمَّة مصالحة بين بوتين وأردوغان بمدينة سانت بطرسبرغ في أغسطس/آب 2016، وبدا أنَّ اتفاق “ترك ستريم” كان السعر الذي دفعته أنقرة من أجل إعادة العلاقات التجارية بين البلدين إلى طبيعتها. وحصل الجانب الروسي على تنازلٍ آخر، وهو الاتفاق المشترك على تحديد كمية الغاز الطبيعي المنقولة عبر خط “ترك ستريم” بنحو 31.5 مليار متر مكعب، تستهلك تركيا نصفها بينما يذهب النصف الآخر إلى الاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان. ورغم أنَّ خط “ساوث ستريم” يُضَخ من خلاله ضعف هذه الكمية (63 مليار متر مكعب)، وكان الهدف منه تحويل الغاز المتدفق عبر أوكرانيا، فما يزال خطُّ “ترك ستريم” يمنح روسيا أفضليةً خاصةً إذا صدر تصريحٌ باستئناف عمل الخط الثاني الذي يخدم الاتحاد الأوروبي. وفي مايو/أيار 2017، بدأ إنشاء جزء من خط الغاز “ترك ستريم” المار تحت مياه البحر الأسود. وبحلول يناير/كانون الثاني 2018، كان قد انتهى العمل على أكثر من 700 كيلومتر من إجمالي طول خط الغاز البالغ 940 كيلومترًا في قاع البحر[23]. وتوصَّلت شركتا BOTAŞ وGazprom إلى اتفاقٍ يتعلَّق بتمويل المشروع، بما فيه القسم المُنشأ فوق الأرض من خط الغاز بين حي كاراكوي ومدينة بورغاس في إقليم تراقيا التركي[24].

ويُعَدُّ خطُّ “ترك ستريم” بندًا رئيسًا في الجهود الرامية إلى عودة الاصطفاف بين تركيا وروسيا. ويواصل الطلب على الغاز الروسي ارتفاعه؛ إذ بلغ مستوياتٍ قياسية في عام 2017 (انظر إلى الجدول 2). لكنَّ التبعات الاستراتيجية لخطِّ الغاز الجديد ليست مباشرةً كما يتوقَّع الجميع:

أولًا: يشوب الغموض خطط إنشاء خطٍّ ثانٍ لضخِّ الغاز إلى الاتحاد الأوروبي. ويتوقَّف مصير مدِّ خطِّ الغاز “ترك ستريم” بعد تركيا ليصل إلى اليونان أو بلغاريا على مدى استعداد شركة Gazprom لتسوية نزاعها مع المفوضية الأوروبية في بروكسل بشأن إتاحة المجال أمام الشركات المنافسة[25]. ومن المحتمل أن يطول أمَدُ هذه المفاوضات، وربما تعتمد على المسار العام للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. وحتى مارس/آذار 2014، كانت هناك مجموعة عمل تُنسِّق بين روسيا والاتحاد الأوروبي للوصول إلى تسويةٍ بشأن خط “ساوث ستريم” (الخط السابق لترك ستريم)، وحق “الأطراف الثالثة في الوصول إلى خط الغاز”. لكنَّ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم أنهى المفاوضات قبل أوانها[26]. ويبقى أفضل رهان لروسيا هو حصولها على إعفاءٍ مؤقت من قواعد الاتحاد الأوروبي على أساس ضمان أمن إمدادات الغاز. ولتحقيق هذا الهدف، تحتاج روسيا إلى الحصول على دعم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. لكنَّ معظم انتباهها موجَّه حاليًا صوب خط “نورد ستريم 2″، وهو خطُّ غاز يصل إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق بدلًا من الوصلة الثانية لخط “ترك ستريم”.

ثانيًا: تضرَّرت شركة Gazprom جراء الموجة الأخيرة من العقوبات التي أقرَّها الكونغرس في يوليو/تموز 2017، التي تُعيق أيضًا التعاون مع الشركات الأوروبية للحصول على التكنولوجيا المطلوبة لتشييد خطِّ الغاز تحت الماء[27]. وفي ظلِّ سعيها إلى تنفيذ مشروعاتٍ طموحة مثل خط “نورد ستريم 2” وخط الغاز “قوة سيبيريا” المتَّجه إلى الصين، ستواجه شركة Gazprom صعوباتٍ في الحصول على التمويل الذي تحتاجه لإنهاء إنشاء امتداد خط “ترك ست