تنزيل الـ PDF

روسيا ومصر: علاقة معقَّدة

يمكن القول إن مصر تُعَدُّ من بين أقوى حلفاء روسيا في الشرق الأوسط. فمنذ أن استولى على السلطة بانقلاب عسكريٍّ في عام 2013، شُوهد عبد الفتاح السيسي باستمرار في صحبة الرئيس فلاديمير بوتين. في المقابل، ازدهر التعاون الثنائي بين البلدين في مجموعةٍ واسعةٍ من المجالات، أهمها: الدفاع والطاقة والزراعة وصناعات التكنولوجيا المتقدِّمة والتعليم والثقافة. واستنادًا إلى ذلك، اشترت مصر كمياتٍ كبيرةً من الأسلحة الروسية الصنع المتقدِّمة. ويصاحب الارتفاع الحاصل في اقتناء الأسلحة روابطُ ديمغرافية قوية. إذ هناك حوالي 35000 مواطن روسي[1] يقيمون حاليًا في مصر، مما يعكس اهتمام موسكو الشديد بالقاهرة كقوةٍ محوريةٍ في الشرق الأوسط. وبدورها، تعتبر مصر روسيا جهةً فاعلة عالمية وإقليمية رئيسة.

في الوقت نفسه، من الأدق وصف العلاقات بين البلدين – التي تعود إلى تاريخٍ طويلٍ – بأنها معقَّدة. فمنذ الحرب العالمية الثانية، مَرَّ البلدان بمراحل من التعاون الوثيق تلاها تباعدٌ وجمودٌ وتقاربٌ وانتعاشٌ. لكن العلاقات الحالية تشهد تناميًا كبيرًا، وغالبيته ينبع من الديناميات الجيوسياسية الحالية الموجودة في الشرق الأوسط، والفرص التي خلقتها السياسات الأمريكية في المنطقة. ومع ذلك، فإن العوامل الداخلية الهيكلية في مصر والواقع الإقليمي تفرض قيودًا على الشراكة الناشئة بين موسكو والقاهرة.

تتناول هذه المقالة السياق الإقليمي الذي يشكِّل علاقاتها الثنائية، مع تسليط الضوء على الدوافع الرئيسة وراء زيادة التبادلات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. كما أنها تبرز القيود الرئيسة الحقيقية أو المحتملة التي تعيق مستقبل شراكة روسيا ومصر المزدهرة.

تأثير البندول

تفاعلت روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية مع مصر بين الحين والآخر منذ كانت تحت الحكم العثماني، ثم تحت الحماية البريطانية. ففي القرن الثامن عشر، قدَّمت روسيا أولى شحنات الأسلحة إلى مصر، عندما أعلن زعيم المماليك علي بك استقلاله. وخلال عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، حاولت الحكومة البلشفية دعم القوات الشيوعية المحلية في مصر[2]. ومع ذلك، فقد جرى إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الثنائية وترسيخها في النصف الأخير من القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين، مرت العلاقة بأربع مراحل مختلفة:

في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين وفي ظلِّ حكم جمال عبد الناصر، أصبح الاتحاد السوفيتي ومصر شريكين تربطهما روابطُ قوية. فقد ساعدت المعونات السوفيتية في بناء 97 مؤسسة صناعية كبيرة، بما في ذلك سد أسوان الشهير ومصانع الحديد والصلب في حلوان ونجع حمادي، إضافة إلى مئات الكيلومترات من خطوط الكهرباء وغيرها الكثير[3]. كما قام الاتحاد السوفيتي بتعليم عشرات الآلاف من المهندسين المصريين والمتخصِّصين في المجال الصناعي وكذلك ضباط الجيش. ووفَّر الروس معداتٍ عسكريةً حديثة، وأرسلوا الآلاف من المستشارين العسكريين لتدريب قوات الجمهورية العربية الناشئة[4].

بدأت المرحلة الثانية في عام 1970 مع صعود أنور السادات إلى السلطة، واستمرت حتى منتصف التسعينيات. فقد أدى توجُّه مصر نحو الغرب إلى طرد المستشارين السوفيت والإخلاء التدريجي للقوات البحرية والجوية السوفيتية من مصر، مصحوبًا بتقاربٍ سريعٍ نحو الولايات المتحدة. في ذلك الوقت، أوقف السادات مشاريعَ مشتركةً مع السوفيت وخفض العلاقات الدبلوماسية.

أما المرحلة الثالثة، بين منتصف التسعينيات وحتى نهاية الألفية الجديدة، فقد جلبت أشكالًا جديدة من التعاون. إذ سعت الدولتان إلى إيجاد سبلٍ لاستئناف العلاقات وتكييفها مع العالم المتغيِّر. وقد أسفرت زيارات حسني مبارك لروسيا في عامي 1997 و2001 عن مجموعةٍ من الاتفاقيات ساهمت في إضفاء الطابع المؤسسي على الشراكة بين موسكو والقاهرة. ثم أعطت رحلات بوتين إلى مصر في عامي 2005 و2007 العلاقةَ دفعةً قويةً للأمام، مما أرسى الأساس للتقارب الحالي. ومنذ عام 2010، كثفت مصر وروسيا تعاونهما بفضل التقاء العوامل العالمية والإقليمية.

ما وراء الشراكة المكثفة؟

تستغلُّ روسيا شعور النُّخب المصرية المتنامي بانعدام الثقة بالولايات المتحدة. تقليديًّا، ركَّزت أمريكا على العلاقات الأمنية مع إسرائيل ومصر والسعودية. لكن في عام 2011، عندما أُجبر الرئيس المصري السابق حسني مبارك على الاستقالة تحت الضغط الشعبي، تغيَّرت التصورات تجاه الولايات المتحدة في القاهرة. إذ شعرت المؤسسة العلمانية المصرية بالخيانة من قِبل الولايات المتحدة. فأولًا: لم تفعل واشنطن شيئًا لإنقاذ حليفها مبارك في عام 2011. وثانيًا: أوقفت تحويلاتها السنوية البالغة 1.3 مليار دولار كمساعداتٍ كردِّ فعلٍ على الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي وطرد جماعة الإخوان المسلمين عام 2013. ونتيجة لذلك، بدأت مصر في تنويع شراكاتها الدولية، مع السعي لتطوير علاقاتها مع روسيا.

أتاح التحول في موقف القاهرة فرصةً ثمينةً لموسكو. فأظهرت روسيا موقفًا غيرَ عاطفيٍّ وبراغماتيًّا تجاه مصر في أعقاب ثورة 2011. إذ التقى الرئيس بوتين مع مرسي على هامش قمَّة البريكس في ديربان بجنوب إفريقيا في مارس 2013، وتبع ذلك مدُّ السجادة الحمراء عند وصوله إلى موسكو في الشهر التالي. ولكن عندما عُزل مرسي من قِبل الجيش المصري، رحَّبت موسكو بسرعةٍ بزعيم البلاد الجديد عبد الفتاح السيسي. عمومًا، وابتداءً من عام 2013، زادت كثافة التعاون. فمنذ أن استولى السيسي على السلطة، التقى بفلاديمير بوتين ما مجموعه ثماني مرات. كانت الاجتماعات الأوليَّة مفيدةً للغاية للرئيس المصري في اكتساب الشرعية الدولية. وقد ضخَّت القممُ الحياةَ في لجنة التجارة والتعاون الاقتصادي التي كانت نائمةً سابقًا. وفي موازاة ذلك، شرع وزراء الدفاع والشؤون الخارجية في البلدين أيضًا في عقد اجتماعاتٍ منتظمة بتنسيق “2 + 2”. وهو ما يشير في حدِّ ذاته إلى درجة التقارب العالية، والأهمية التي توليها روسيا ومصر لبعضهما البعض.

هنا يجب التأكيد على أن السياسة الخارجية المصرية تجنَّبت تقليديًّا وضعَ كل كراتها في سلَّة واحدة. حتى في عهد السادات ومبارك، وعلى الرغم من تراجع العلاقات بشكل كبير، فقد حافظت القاهرة على روابط سياسية واقتصادية مع موسكو. ففي عام 1982، على سبيل المثال، طلبت مصر من الاتحاد السوفيتي استئناف توريد قطع الغيار لمحطَّة سد أسوان الكهرومائية وإرسال خبراء مدنيين. وبعد عامين، استؤنفت المشاورات بشأن مسائل السياسة الخارجية على المستويات الأدنى أيضًا[5]. سمحت إعادة التعاون لمصر بإبقاء الباب مفتوحًا، والحفاظ على خيار تجديد العلاقة مع السوفيت على الطاولة. وعلى الرغم من كونها شريكًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة، فإن القاهرة تعمل على تعميق العلاقات مع موسكو في جميع المجالات؛ أولها مجال الدفاع قبل كل شيء. ففي مارس 2015، أنشأت موسكو والقاهرة لجنةً للتعاون العسكري والتقني، مع حصول القاهرة على ترخيصٍ لتجميع دبابات T-90S الروسية بعد ذلك بوقتٍ قصير[6].

في الوقت نفسه، تتفهَّم القيادة الروسية بوضوحٍ أنه، وبغضِّ النظر عن شهيتها الضئيلة للتدخل عسكريًّا في الشؤون الإقليمية، تظل الولايات المتحدة اللاعب الرئيس في الشرق الأوسط والشريك المفضَّل لمصر. كما أن موطئ القدم الروسي المتزايد في المنطقة (الوجود العسكري في سوريا، والعلاقات المتزايدة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر) على مدى السنوات الماضية يجعل من الضروري لموسكو التنسيق مع الولايات المتحدة، إلى جانب متابعة المبادرات الأحادية الجانب التي تهدف إلى استغلال الفرص.

الفرص

تعتمد سياسة موسكو تجاه القاهرة على عاملين رئيسَيْن: المصالح الأمنية والاقتصادية. إذ تنظر روسيا إلى مصر كشريكٍ إقليميٍّ مهمٍّ في مكافحة الإرهاب ولتعزيز موقعها في البحر المتوسط[7] [8]. أما في المجال الاقتصادي، فيهتمّ الروس بمصر كمشترٍ للمنتجات الزراعية الروسية والأسلحة والتكنولوجيات النووية والصناعية.

الأمن

عندما تحطمت طائرة روسية فوق شبه جزيرة سيناء في أكتوبر 2015، حدَّدت روسيا مصر كأبعد ميدانٍ في حربها ضد الإرهابيين. فقد أسفر الهجوم الإرهابي – الذي أعلن تنظيم داعش المسؤولية عنه – عن مقتل جميع الركَّاب البالغ عددهم 224 شخصًا. وردًّا على ذلك، حظرت موسكو الرحلات الجوية المباشرة إلى مصر، مما ألحق أضرارًا خطيرة بالسياحة في مصر[9]، والتي شهدت خسارة ما يقرب من 3 مليارات دولار سنويًّا[10]. فقبل عام 2015، زار ما يقرب من 3 ملايين سائح روسي المنتجعات المصرية سنويًّا. وفي عام 2018، جاء 145 ألف سائح روسي فقط إلى البلاد وفقًا لوزارة السياحة المصرية، وهو ما يمثِّل 5٪ من رقم ما قبل عام 2015 [11]. ولم يشكِّل استئناف رحلات عام 2017 من قبل ايروفلوت ومصر للطيران إلى موسكو والقاهرة فرقًا، ولم تقم روسيا بإعادة فتح رحلاتٍ جوية مباشرة إلى المنتجعات البحرية المصرية، بحجَّة أن المتطلبات الأمنية لم يجرِ استيفاؤها بالكامل[12]. والأهمُّ من ذلك، أن التطبيع الجزئي لخطوط النقل بين الدولتين يزيد من نفوذ موسكو وضغطها على مصر؛ فطالما يوجد حظر على الطيران المباشر، فإن موسكو في وضعٍ يمكِّنها من ممارسة الضغط السياسي والدفاع عن مصالحها.

في أواخر نوفمبر 2017، صاغت روسيا ومصر اتفاقيةً حول الاستخدام المشترك للقوات والقواعد الجوية من قِبل الجيشين[13]. لم يتم الانتهاء من الصفقة بعدُ، ولكن بمجرَّد وصولها إلى مرحلة التنفيذ، ستضع الأسس القانونية لوصول روسيا إلى البنية التحتية المصرية والعكس. ستسمح الاتفاقية أيضًا لموسكو بتوسيع نطاق وجودها في شمال إفريقيا وتوقُّع المزيد من النفوذ في النزاعات الإقليمية. فعلى سبيل المثال، قد تستخدم روسيا المجالات الجوية العسكرية المصرية للتزوُّد بالوقود أو الهبوط في حالات الطوارئ، وكذلك لرحلات الاستطلاع في جميع أنحاء المنطقة، مما يمنحها إمكانياتٍ كبيرةً لإسقاط القوة.  كذلك من المحتمل أن تفتح الباب أيضًا لإجراء محادثاتٍ حول اتفاقٍ مماثلٍ بشأن المنشآت البحرية التي من شأنها أن تسمح لموسكو بتعزيز انتشارها البحري في البحر الأبيض المتوسط. وعلاوة على ذلك، تنظر مصر إلى تجربة التدخل في سوريا وترى فرصًا للعمل مع روسيا في الحملة ضد داعش في سيناء.

مع تراجع وتيرة القتال في سوريا (باستثناء محافظة إدلب)، فإن روسيا في وضعٍ يمكِّنها من تحويل الموارد إلى أماكن أخرى في الشرق الأوسط. وقد تكون مصر محطَّةَ البداية. فخلال عام 2017، وبحسب تقارير، قامت روسيا بنشرِ مجموعةٍ صغيرةٍ من القوات الخاصَّة والمستشارين العسكريين في سيدي براني، وهي بلدة تقع على البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الحدود الليبية[14]. وعلى الرغم من أن روسيا ومصر أنكرتا ذلك[15]، فإن التقارير المذكورة أشارت إلى أن المحادثات كانت جاريةً فيما يتعلَّق بتأجير قاعدة جوية مصرية في موقع قاعدة بحرية سوفيتية سابقة. ومن المرجَّح أن تستمرَّ هذه المفاوضات، مع وصول الجيش الروسي إلى البنية التحتية الدفاعية المصرية. بالإضافة إلى ذلك، تُعَدُّ مصر نقطةَ انطلاقٍ إلى ليبيا، حيث تأمل موسكو في المساهمة في تسوية سياسية في البلد الذي مزقته الحرب، واستعادة العقود التجارية المفقودة[16].

أحرزت روسيا ومصر تقدمًا بالفعل في التعاون لمكافحة الإرهاب. إذ أجرى المظليون من البلدين أول تدريباتٍ مشتركة على الإطلاق في الصحراء المصرية في أكتوبر 2016 [17]. وتدرَّبت القوات البحرية لكلا البلدين في البحر الأبيض المتوسط بالقرب من الإسكندرية في يونيو 2015 [18]. ثم أصبحت التمارين منتظمةً، مع استضافة روسيا في عام 2017، ومصر في عام 2018 [19]. وتشير الروابط المتنامية بين العسكريين إلى مستوى جديدٍ في العلاقات، مما يدلُّ على أن روسيا مستعدَّة لمساعدة القاهرة في حربها ضد الإرهاب الناشئ من ليبيا وسيناء. كما أنشأت موسكو والقاهرة منصَّةَ عملٍ لتبادل الخبرات في مجال مكافحة الإرهاب.

إن التعاون الأمني ​​المكثَّف مع مصر دليلٌ على اهتمام روسيا بإنشاء موطئ قدمٍ لها في شمال إفريقيا، والقدرة على إبراز القوة في ليبيا. إذ تدعم القاهرة إلى جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الجنرالَ حفتر وجيشه الوطني الليبي. تعمل قوات حفتر من مدينة طبرق بالقرب من الحدود المصرية، وتسيطر على كل شرق ليبيا تقريبًا. وتهتمُّ القاهرة بشكل طبيعيٍّ بالحفاظ على سيطرة مشدَّدة على الحدود ومنع تسلُّل أي عناصر إرهابية. ويمكن لموسكو أن تساعد في هذا الحساب. فوفقًا لرئيس مجموعة الاتصال الروسية بشأن ليبيا، ليف دينجوف، يمكن لروسيا “مراقبة الوضع والتأثير فيه من جميع الأطراف”[20]. إذ تحتفظ روسيا باتصالات عملٍ مع جميع الأطراف في ليبيا، بما في ذلك الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق الوطني (GNA) ومصراتة والقبائل الجنوبية[21]. وهذا لا يعني أن روسيا مهتمَّة بالتورُّط في نزاعٍ آخر عسكريًّا، ولكن للإشارة إلى استعدادها للعب دور الوسيط بين الطرفين. يشار إلى أنه في عام 2019 استقبلت موسكو الجنرال حفتر ووزير خارجية حكومة الوفاق الليبية محمد طاهر سيالة. ويبدو أن موسكو تعتقد أن تجربتها في سوريا، خاصةً عمل مراكز المصالحة، قد تكون قابلةً للتطبيق في ليبيا.

كما ساعدت مصر روسيا في التفاوض على اتفاقيات مناطق التهدئة في سوريا. ففي عامي 2016 و2017، استضافت مصر عدَّة جولاتٍ من المحادثات بين مسؤولي الدفاع الروس ومختلف جماعات المعارضة السورية، مما أدى إلى إنشاء منطقتي تهدئة في سوريا (الغوطة الشرقية وحمص) [22]. تتمتَّع “مجموعة القاهرة” التابعة للمعارضة السورية بعلاقاتٍ جيدة مع روسيا وهي أكثر ميلًا نحو التسوية، على عكس لجنة المفاوضات العليا التي تتخذ من الرياض في المملكة العربية السعودية مقرًّا لها. كما أن لديها جناحًا عسكريًّا يعمل على الأرض في عدَّة محافظات (الحسكة ودير الزور والرقة) وتتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية[23]. وبهذه الطريقة، أثبتت مصر أنها منصَّة مهمَّة يمكنها توحيد جماعات المعارضة المختلفة من أجل إحراز تقدُّم في سوريا، مع توفير قناة اتصالٍ إضافية إلى دول مجلس التعاون الخليجي التي تقودها المملكة العربية السعودية.

التعاون الاقتصادي

نمت التجارة بين مصر وروسيا بشكل كبير، من 3 مليارات دولار في عام 2013 إلى 7.6 مليارات دولار في عام 2018 [24]، مما يجعل موسكو الشريك الثالث الأكثر أهمية لمصر بعد الاتحاد الأوروبي والصين.

تهيمن المنتجات الزراعية والطاقة والأسلحة على هذه التبادلات التجارية. ففي السنوات الأخيرة، شكَّلت المنتجات الزراعية ما يقرب من 30 ٪ من صادرات روسيا إلى مصر[25]. إذ تُعَدُّ روسيا أكبر مصدِّر للحبوب لمصر، حيث توفِّر ما يقرب من 65 ٪ من طلبها[26]. وبفضل الحظر المفروض على الغذاء ردًّا على عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا، أصبحت روسيا مستوردًا رئيسًا للخضروات والفواكه شبه الاستوائية المصرية. إذ تمثِّل المنتجات النباتية ما يقرب من 80 ٪ من صادرات مصر إلى روسيا[27]. وكذلك فإن واردات المنتجات الزراعية أرخصُ بسبب انخفاض قيمة الجنيه المصري. إذ توفر أسعار الصرف المفيدة ظروفًا أفضل للشركات الروسية لتوطين الإنتاج في مصر.

منذ عام 2001، تقوم شركة النفط الروسية Lukoil باستخراج النفط بالقرب من ميناء الغردقة في البحر الأحمر. وفي أكتوبر 2017، استحوذت Rosneft على حصة 30 ٪ من شركة الطاقة الإيطالية ENI في اتفاقية امتياز لتطوير حقل ظهر المصري، وهو أكبر حقل للغاز في البحر الأبيض المتوسط[28].

وفي مايو 2018، وقَّعت روسيا ومصر اتفاقًا لإنشاء منطقة صناعية روسية في شرق بورسعيد[29]، والتي من المتوقَّع أن تزيد من عدد الشركات والاستثمارات الروسية. وفي السنوات المقبلة، تخطِّط روسيا لاستثمار حوالي 6.9 مليارات دولار في إنشاء منطقتها الصناعية. وفي عام 2018، كان إجمالي عدد الشركات الروسية في مصر 451 شركةً[30]. وتهدف موسكو إلى إنشاء مركز متنوِّع للإنتاج الصناعي واللوجستيات في مصر، مما سيساعدها أيضًا في الوصول إلى دولٍ أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا.

في عام 2020، من المتوقَّع أن توقِّع مصر أيضًا اتفاقية تجارة حرَّة مع الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي الذي تقوده روسيا (EEU)، مما سيسهل التبادلات بين البلدين[31]. ستحصل مصر على إمكانية الوصول إلى سوقٍ كبير، في حين أن روسيا سوف تستفيد من مشروع التكامل الإقليمي، والحصول على شرعية دولية أكبر.

تحتلُّ عقود الأسلحة مكانةً بارزةً في العلاقات الاقتصادية للبلدين. ففي عام 2014، وقَّعت روسيا ومصر عدَّة صفقاتٍ تزيد قيمتها على 3.5 مليارات دولار[32] لتسليم طائرات مقاتلة جديدة (MiG-29M / M2)، وطائرات هليكوبتر (Mi-35M)، ومجمعات صواريخ S-300VM، وأنظمة دفاع ساحلية. وفي وقتٍ لاحقٍ في عام 2015[33]، اشترت مصر 50 طائرة هليكوبتر من طراز Ka-52 لحاملتي طائرات الهليكوبتر من طراز ميسترال (التي كانت قد طلبتها روسيا في البداية ولكن لم يتم تسليمها بسبب العقوبات ضد روسيا في شبه جزيرة القرم في عام 2014) [34]. وبحلول نهاية عام 2018، أبرم البلدان صفقة أسلحة أخرى بقيمة لا تقل عن 2 مليار دولار لتسليم بضع عشراتٍ من مقاتلات Su-35    (Flanker-E) [35].

أصبحت كلُّ عقود الأسلحة الكبيرة هذه ممكنةً بفضل قرار الولايات المتحدة تعليق المساعدات العسكرية ومنع تسليم المعدات إلى مصر بعد انقلاب عام 2013. لقد استغلَّت روسيا الفرصة بفعالية، وحقَّقت الكثير في صفقات أسلحة مربحة على نطاقٍ لم تشهده منذ الستينيات.

علاوة على ذلك، تهدف روسيا أيضًا إلى بناء أول محطة طاقة نووية في مصر في مدينة الضبعة (NPP)، إلى جانب خطَّة لفتح خط قرض بقيمة 25 مليار دولار لمصر للمشروع، يُسَدَّد على مدار 35 عامًا. في الحقيقة، تستعدُّ موسكو لإنشاء صناعة جديدة تمامًا في البلاد، وتدريب جيلٍ من المتخصِّصين. واعتبارًا من الآن، تلقَّت NPP تصريحًا بالموافقة على الموقع من الهيئة المصرية للرقابة النووية والإشعاعية (ENRRA)، مع إمكانية بدء الأعمال في الموقع في عام 2020 [36].

جعل هذا التحسُّن في العلاقات الاقتصادية مصر فعليًّا ثاني أكبر شريك لروسيا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد تركيا. وهناك إمكانات إضافية يجب تطويرها، خاصةً في مجال الطاقة وقطاعات التصنيع. لقد تمكَّنت موسكو من تسييل الروابط التاريخية والاستفادة من الشقوق في علاقة مصر بالولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن التعاون التجاري والاستثماري له حدوده. إذ ليس لدى الاقتصاد الروسي المنكوب – الذي تستهدفه العقوبات الغربية – فرصةٌ تُذكَر للمنافسة على المدى الطويل مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فكلاهما لديه الكثير ليقدِّمه، خاصةً فيما يتعلَّق بالتكنولوجيا والاستثمار الأجنبي المباشر.

حدود

لا تتفق روسيا ومصر في عددٍ من القضايا الإقليمية: على وجه التحديد، دور حزب الله وإيران في المنطق